Accueil / du coté associations / الحكامة في التدبير بين الممارسة والتمثلات

الحكامة في التدبير بين الممارسة والتمثلات

أود أن أتقاسم في هذا المقال بعض الخلاصات المتعلقة بما تقتضيه ثقافة الحكامة في سياقات مختلفة وما يصاحبها من تمثلات حول القرار والفعل التشاركي، أملا في أن أقدم للقراء مسارات جديدة ف فهم التسيير المبني على الحكامة. وقد أتيت بها من بحث ميداني لنهاية الدراسة بسلك الإجازة في علم الاجتماع بجامعة القاضي عياض حول الحكامة في عمل الجمعيات ومن تجربة عمل في إطار مشاريع تنموية ومن تجربة مهنية كإداري بالقطاع الخاص.
ولن أتناول تحديد مفهوم الحكامة على اعتبار أن الشبكة العنكبوتية غنية بمواد متنوعة حوله، والتي تلتقي على أنها  » أسلوب ممارسة السلطة في تدبير الموارد اعتمادا على المبادئ العامة للحكم: سياسات رشيدة اقتصاديا واجتماعيا، شفافية حكومية، وقابلة للمحاسبة المالية، إنشاء محيط ملائم للسوق قصد التنمية، تدابير لمحاربة الرشوة، احترام القانون وحقوق الإنسان، حرية الصحافة والتعبير، كمبادئ ستكون أساسية في تأسيس علاقات التعاون  » كما يتفق الباحثين في مجال التدبير العمومي أن الحكامة هي أداة لضبط و توجيه و تسيير التوجهات الإستراتيجية الكبرى للمؤسسة، أسلوب جديد في التدبير يدعم تذويب الحدود وتشجيع التشارك بين المسيرين والمساهمين وأخيرا آلية تتوخى حسن التنظيم و توزيع المسؤوليات وصقل القدرات و دعم التواصل داخليا و خارجيا  » .
وهي كلها مقتضيات تفيد أن الكل ينخرط في التفكير وفق قدراته العقلية  » العقل أعدل قسمة بين الناس  » ويساهم في بلورة وتنفيذ وتتبع وتقييم قرارات معينة، وهو توجه ديمقراطي جد متقدم بالنظر للممارسة النخبوية والمركزية القديمة، غير أن عقلياتنا تقتضي التساؤل حول تمثلات المساهمين للمقررين؟.
وجدت بعض الهيئات تتحدث عن تبني الحكامة من أجل كسب تمويل منظمات أجنبية، وتتمثل  » حكامتهم  » في عقد اجتماع شكلي حول موضوع غير محدد موثق بلوائح حضور والتقاط صور موجهة للممولين، لأن المسؤول الأول يؤمن أن مشاركة أعضاء هيئته غير مجدية، فهو القادر على التفكير والتحليل والتنظيم وعلى الآخرين إتباع تعليماته، وهو أمر مشابه لفهم وتنفيذ بعض رؤساء الجماعات لإحداث واشتغال وتتبع هيأة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، حيث الرئيس هو المحدد والمحرك للهيئة وفق تصوره الخاص، هي إذن « حكامة لإرضاء الآخرين »، وفي هذا النموذج يعرف المشاركون أو المساهمون أو الأعضاء أن القائد/الرئيس أو المدير يعمل لمصلحتهم ومصلحته لكن سلطته تكفيه شر انتقاداتهم وقوة أفكارهم.
ونموذج أخر يتصور الحكامة في تعدد اللجان واستقلاليتها وعملها الذي يبقي هو الموجه له والمتحكم فيه خوفا من كشف الجوانب المتعلقة بالتدبير المالي، حريصا على علاقة رابح – رابح مع أمين المال أو المحاسب، إذن نتحدث هنا على « حكامة ربحية » يجهل خلالها المشاركون أو المساهمون أو الأعضاء أن القائد/الرئيس أو المدير يخدم مصلحته الخاصة ويتآمر عليهم باسم تلك المؤسسة.
ولم يتمكن حتى الأن أغلب العاملين في مختلف الحقول المجتمعية من استيعاب إشراكهم في صناعة القرار، ويذهب البعض إلى أنه ضعف في قدرات القائد/الرئيس أو المدير، ويقول البعض أن في ذلك هدر للوقت، و آخرون يقرون بعدم قدرات أولئك على التدبير الفردي المستقل ويجدون غايتهم في تفويض المهام وتقسيمها تسترا على ضعف قدراتهم، وفئة أخرى تتمثل الإشراك في اتخاذ القرار أو التشاور معهم بخصوص قرارات معينة هو نتاج خوف منهم، لأنهم قوة مركزية قادرة على التأثير في ذلك القرار، ومرد ذلك إلى تخيل سيكوسوسيولوجي، حيث يتمثل أي فرد تم تقدير شخصه ودعوته للتشاور إلى كونه جد مهم وأنه مركز ذلك العالم الذي تحاول صناعته، ويتعمد خلق عراقيل تضفي الشرعية على ضرورة اعتماده كمصدر ومورد لذلك العمل، في حين أنه سينفذ مباشرة القرار دون نقاش في حالة عدم اعتباره كشريك.
إن أي عمل مهما وضعت له من استراتيجيات وسُخرت له من جهود سيظل عملا شكليا، ما لم يتم تأطيره بنتائج ومؤشرات وتقييم، كما أن الدروس المستقاة من مختلف تجارب التدبير تكاد تلتقي عند مفارقتين كبيرتين:
1- التعديدية الفكرية والعقائدية والعرقية لا يمكن تدبيرها إلا بنموذج مركزي يزاوج بين الديمقراطية والديكتاتورية؛
2- التدبير الديمقراطي، تدبير إنساني ويفتح المجال للإنسان لتطوير ذاته واكتساب مهارات متنوعة … غير أنه يحتاج إلى قيادة رشيدة قادرة على التوجيه وعلى تربية المتعاونين على احترام الأفكار وتقبلها والتكيف مع الآخرين وفق توجه يحدد بشكل جماعي، وهذا يتطلب نكران الذات بتخصيص حجم زمني كبير وجهد عقلي مضاعف وتحفيز نفساني عال.
عبد الرحيم العكزي
استشاري في التربية والتنمية