Accueil / Actualités / النموذج التنموي المُنتظر: الإنسان واستدامة المؤسسات

النموذج التنموي المُنتظر: الإنسان واستدامة المؤسسات

نروم من خلال هذه المقالة تسليط الضوء على بعض المداخل التي نراها رئيسية في تخطيط النموذج التنموي المغربي الجديد، مساهمة منا في إغناء مسلسل التشاور الذي تقوده اللجنة التي أحدثت لدراسة نواقص وسلبيات النماذج السابقة.

إن القول بوجود نواقص هو اعتراف ضمني رسمي بعدم تحقيق المنشود من المشاريع التنموية والبرامج الاجتماعية والسياسات العمومية السابقة، وإعلان صريح لطي صفحات الممارسات القديمة من أجل خلق الظروف المواتية لتحقيق المواطنين تنميتهم وغناهم بأنفسهم، والمساهمة في نماء وطنهم.

إننا نؤمن بأن أي مسار تنموي وتطوري لدولة معينة إنما يجب أن يضع الإنسان في جوهره، وثقافة المؤسسة من تنظيمات هياكله وحكامتها، واستدامة التدخل بمنظور مؤسساتي من واجباته. فحان الوقت للقطع مع التسيير الذاتي والرؤية الشخصية وإشراك المواطنين في تسيير شؤونهم.

وقد أشاد العالم،  وهو يتابع المعارك الصحية والأمنية لمواجهة جائحة كورونا، بالقوة المؤسساتية للمغرب وصلابة الإجراءات الوقائية والبدائل التضامنية. هذه الاشادة دفعتنا إلى متابعة العمل اليومي لمختلف الفاعلين، ما جعلنا نقف على بعض المسالك التي سنتبع دروبها لتقديم بعض الاشارات، كزوابع ذهنية تلامس التعليم، الأمن، الصحة، السياسة، القانون، الاقتصاد، السياحة، الحقوق،  البيئة،  الرياضة والعمل الجمعوي،  سنرفعها للجنة المحترمة.

فعلى مستوى التربية والتعليم يجب التركيز على الكيف بدل الكم وعلى اعتماد التكنولوجيا والتكوين المهني ومأسسة البحث العلمي بشكل عادل بين مؤسسات التعليم العمومي والخصوصي، فالعزوف، الإنحراف، البطالة، السرقة، التحرش، الدعارة والانحراف، التشدد والرداءة، كلها نتائج لفشل برامج التربية والتعليم.

أمنيا، يفضل الإبقاء على المراقبة الأمنية المعمول بها في الحد من تفشي وباء  » كورنا « ، تقريبا مدخل ومخرج كل منطقة يعرف مداومة أمنية، وهي عملية تعزز التدخل القريب لرجال الشرطة، يقترح إذن إحداث شرطة الأحياء.

صحيا، يحتاج المغرب الى منظومة متطورة تمكن المغاربة من الولوج للخدمات الصحية بشكل مستعجل وجيد، ويجب إعادة النظر في خدمات المصحات الخاصة وتسقيف أسعار خدماتها ومراقبتها بشكل منتظم.

سياسيا،  يجب وضع شروط السن والمستوى الدراسي والمشروع الخاص بكل راغب في العمل السياسي وتوفره على تزكية المواطنين بمجاله الترابي سواء على مستوى الجماعات الترابية أو على مستوى المؤسسات التشريعية، كما يتعين مراجعة الامتيازات واعتماد على التطوع في الخدمة السياسية،  لا مساومة ولا ريع من أجل الوطنية،  فمن لا يهيم بوطنه سيتنكر له من أجل ريع آخر.

فيما يتعلف بالقوانين والسياسات العمومية يجب إحداث مؤسسة عمومية لتقييم القوانين وملاءمتها للواقع ولتتبع السياسات والمشاريع العمومية.

تحرير الإعلام بما يضمن حرية الرأي والتعبير ويحفظ المعطيات الشخصية والحياة الخاصة للمواطنات والمواطنين، وتشجيع الإنتاج السينمائي المغربي وحماية المشاهدين من الأفكار الغربية الماكرة أخلاقيا والمتعصبة اجتماعيا.

أما الاقتصاد فهو شريان الحياة العامة، لذا يجب محاربة الاقتصاد غير المهيكل الذي يعيق التطور الاقتصادي للوطن، فما لم نُقنن جميع الأنشطة المدرة للدخل، كيف ما كان حجمها، فإننا نُشرع لعرقلة التنمية، ومن الضروري تبسيط المساطر وتشجيع المستثمرين المغاربة بالدعم اللازم لبناء مشاريعهم وفتح المجال للأجانب للاستثمار في الوطن دون تمييز بينهم وبين المغاربة في الولوج والمشاركة في الصفقات العمومية، وتُلزم الدولة بمراقبة وتوحيد استثمار المؤسسات البنكية وتسقيف قيمة الفائدة حسب القروض.

ويجب على الذين ينتقدون رداءة عمل المؤسسات العمومية، الأخذ بعين الاعتبار أن النفقات العمومية تستخلص أساسا من الضرائب، فإذا أردنا تعليم جيد وخدمات طبية مجانية وطروقات ذكية فعلينا جميع أداء الضرائب والتبليغ عن الممتنعين والمتهربين، فهم يختلسون حقنا جميعا في خدمات عمومية جيدة ومجانية.

 فلاحيا، لا مغرب دون فلاحة،  ما يفرض أولا تسوية النزاعات المتعلقة بالأراضي الجماعات السلالية الفلاحية  وتلك المتعلقة بالتحديد الغابوي، ثانيا، يجب حث القطاع الوصي على دعم تجديد المنتوجات الفلاحية والتركيز على المنتوجات المجالية وعدم تفييء الفلاحين ومساعدة فئة على أخرى وجهة على أخرى.

والسياحة لا يمكن فصلها عن الاقتصاد الوطني المغربي، لذا يجب خلق مواقع سياحية بجميع جهات المملكة وتثمين المتوفر منها بما يحافظ على أصالة الثقافة المجالية،  وبما يواكب على مواكبة العصر الحديث ومتطلبات السوق العالمية، ويجب التصدي للاقتصاد غير المهيكل بهذا القطاع، فعدد كبير من الخدمات تُقدم بأموال كبيرة دون مراعاة حقوق الدولة.

حقوقيا، اذا كان المغرب سباق للمصادقة على الاتفاقيات الدولية في مختلف المجالات، فيجب أن تطبق ويستفيد منها المواطنات والمواطنين المغاربة، كما يُلزم مراجعة قوانين الأسرة بما يحفظ كرامة المرأة والطفل بشكل أساسي وبعيدا عن اعتبار الرجل جاني فقد يكون ضحية، وعلى المشرع المغربي التوفيق بين أصالة الأسرة وانفتاحها في أفق ضمان خصوصيتها المغربية، فقد نشكل نموذجا مرجعيا قاريا في هذا المجال، ويُفترض في المشرع المغربي الصرامة، فالإعدام لمغتصب الأطفال، والسجن للمتحرش والمؤبد والتجريد من الممتلكات لمختلسي المال العام.

اجتماعيا، نسجل خصاصا كبيرا في الرعاية الاجتماعية للمشردين والمتخلي عنهم وكبار السن والنساء في وضعية هشة، لذا يجب أن تضع حماية ورعاية هذه الفئات ضمن أوليات مشروع مالية الدولة، وننتظر إحداث أكبر عدد من دور الرعاية الاجتماعية.

وفي مجال العمل الاجتماعي، يجب زجر استعمال العمل الجمعوي في خدمة السياسيين وسن المتابعة الجنائية للمتورطين، كما يلزم مأسسة التطوع وتقنين التطوع التعاقدي.

ويحتاج مغاربة العالم لتكوين مستمر على مستوى القنصليات، ومأسسة منتديات مغاربة العالم بكل دولة، كمناسبة يلتقي فيها المسؤولين الحكوميين والمهاجرين لوضع استراتيجيات عمل موضوع تعاقد ملزمة للدولة والمهاجرين.

بيئيا، كثيرا من المصانع والأنشطة الفلاحية والعادات اليومية للمواطنين تسبب في تلوث البيئة وتسهم في شح المياه، لذا يجب تفعيل الشرطة البيئية والتفكير في الضريبية البيئية على الصناعة والفلاحة.

على المستوى الرياضي، يجب اعتبار لاعبي كرة القدم والفنانين بمثابة شركات مهنية يخضعون لجميع المقتضيات الضريبية والجبائية الجاري بها العمل.

إن نجاح أي نموذج تنموي لا يمكن أن تستقيم مساراته ما لم يعتمد على الخصوصية ويبتعد عن التقليد، فغاية الدولة هي ضمان أمن ورفاهية وكرامة المواطنات والمواطنين،  وهذا المطلب يتطلب عملية المنطق الرياضي، فالخطأ في التدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يضر بالمنظرين أو المنفذين، بقدر ما يلحق الضرر البالغ بالفئات الهشة والمهمشة التي يجب أن تنصهر في النموذج التنموي الجديد ليصبح قوام البناء الطبقي المغربي متوازن في ثلاثة طبقات.

 عبد الرحيم العكزي

استشاري في التربية والتنمية