Accueil / Non classé / المنظومة الجديدة للاستشارة الفلاحية الواقـع و الإكراهات

المنظومة الجديدة للاستشارة الفلاحية الواقـع و الإكراهات

 

وعيا منا بأهمية و مكانة القطاع الفلاحي في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للمغرب، و وعيا منا بالمسؤوليةالجسيمة تجاه رهانات مخطط المغرب الأخضر، تم تخصيص هذا المقال لمناقشة المنظومة الجديدة للاستشارة الفلاحية التي تمت بلورتها من طرف وزارة الفلاحة و الصيد البحري، مع استحضار إشكالية التنمية الفلاحية بالمغرب.

إن اختيار هذا الموضوع ليس من قبيل الصدفة، و إنما ينبعث من الدور الرئيسي الذي يمكن أن تلعبه الاستشارة الفلاحية في أي عملية تنموية.

إن الاهتمام الوحيد الذي يحظى بإجماع المتتبعين ، يتعلق بتعزيز التماسك و الالتقائية  لجميع عمليات الاستشارة الفلاحية قصد تأهيل مختلف السلاسل ، و بالتالي تحسين تنافسية المنتوجات الفلاحية.

و قد تم تحديد مدخلين رئيسين لتحليل و معالجة التصور العام لهذه المنظومة و إكراهات الواقع المتعددة الأبعاد (تقنية ، اقتصادية ، اجتماعية ، تنظيمية ، بنيوية………..).

   * المدخل الأول : الإستراتيجية الجديدة للاستشارة الفلاحية (التصور و الرؤية)،

   * المدخل الثاني : المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية (الهيكلة و الآليات)،

يعتبر هذا المقال مساهمة في إغناء النقاش وإتاحة الفرصة لجميع المهتمين بهذا الشأن قصد تعميق النقاش، و بالتالي إصدار توصيات حول السياسة الحكومية في تنمية و تطوير القطاع الفلاحي و خاصة الإجراءات المصاحبة لها و المتعلقة، بالأساس، بالاستشارة الفلاحية التي تهدف إلى تحفيز و تحسيس المنتجين بالانخراط و التجاوب مع هذه الإجراءات و تبني التقنيات الحديثة للإنتاج.

و نخص بالذكر هنا رصد الاختلالات و النواقص التي من شأنها أن تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة لهذه المنظومة التي أشرفت وزارة الفلاحة على إعطاء الانطلاقة للشق الأول منها و المتعلق بالإستراتيجية الجديدة للاستشارة الفلاحية، على أساس انطلاق الشق الثاني (المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية كمؤسسة عمومية لتنفيذ هذه الإستراتيجية) في أفق 2014 .

في البداية،  نثمن المجهودات المبذولة من طرف وزارة الفلاحة و المتعلقة بإعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي و ذلك باعتباره المحرك الرئيسي لأي عملية تنموية و رافعة أساسية للاقتصاد الوطني. كما نثمن المبادرة التي أطلقتها الوزارة و المتمثلة في بلورة منظومة مندمجة للاستشارة الفلاحية ، قصد مواكبة و تنفيذ مخطط المغرب الأخضر و بالتالي تحقيق الرهانات المطروحة في أفق 2020 .

في البداية، سيتم استحضار الواقع و إشكالية الإرشاد الفلاحي عبر مختلف المراحل   ، كما تم استحضار مختلف المقاربات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة و الإكراهات المتجدرة و التي تحول دون تأثير هذه العمليات في تطوير القطاع الفلاحي و تأهيل السلاسل المعنية.

كما تم استحضار مختلف التفاعلات بالواقع الذي تتقاطع فيه كل المعيقات الهيكلية و التنظيمية و الاقتصادية و الاجتماعية و التقنية. مرورا بالوصفاتالغير الملائمة والتي تعتمد على رؤية تقنية محضةVision techniciste) ) متجاهلة الوسط السوسيو اقتصادي و الاجتماعي الذي تتم فيه عملية الإنتاج.

بعد الإحاطة الشاملة بالإشكالية المطروحة، نسجل مجموعة من المقترحات التي من شأنها أن تساهم في المجهودات المبذولة في هذا الشأن. و بالتالي تحقيق أهداف المنظومة الجديدة التي تراهن عليها السلطات العمومية قصد تأهيل القطاع الفلاحي و تطويره نحو اقتصاد السوق.

مقـترحـات:

على إثر هذا التحليل نتقدم ببعض المقترحات، و ذلك قصد المساهمة في معالجة الاختلالات و النواقص سواء على مستوى الرؤية أو على مستوى تشخيص الواقع أو على مستوى الآليات و الإمكانيات المعتمدة في تنزيل هذه الرؤية:

   1 الاهتمام بتطلعات الشغيلة : في ظل الرهانات المطروحة و الآمال التي يعقدها المغرب على القطاع الفلاحي ، يجب الأخذ بعين الاعتبار تطلعات الشغيلة المعنية و ذلك بتوفير كل التحفيزات المادية و المعنوية (التكوين المستمر، المشاركة في الندوات، المعارض الدولية، تكريم الكفاءات و المبادرات ……..)، و هذا يتطلب وضع العنصر البشري في صلب اهتمامات هذه المنظومة و اعتباره محركا محوريا و رافعة أساسية لأي عملية تنموية. و كذا العمل على إشراك كل الفاعلين و المهتمين بالاستشارة الفلاحية خاصة الباحثين في المجال السوسيو اقتصادي و تقنيات التواصل.

   2 المعيقات الغير تقنية: نظرا لتواجد معيقات غير تقنية (هيكلية ، بنيوية ، اجتماعية ، اقتصادية ، تنظيمية، التسويق …….) حيث من شأنها الحد من نجاعة العمليات التنموية ، يجب العمل على إعادة تشخيص واقع الفلاحة المغربية كنسق متعدد الأبعادقصد أخذ هذه المعيقات بعين الاعتبار و معالجتها في إطار الاستمرارية و التقليل من تأثيرها،  قبل الشروع في تنفيذ أي منظومة للاستشارة الفلاحية.

3 المقاربة التشاركية : إن حصر النقاش حول هذه الاستراتيجية فقط داخل مصالح وزارة الفلاحة ، أدى إلى حرمان مجموعة من الفاعلين و الباحثين في القطاع الفلاحي من المساهمة في تشخيص عميق للواقع و إغناء هذه المنظومة. و في هذا الصدد، يجب اعتماد مقاربة تشاركية فعلية و العمل أيضا على تنظيم أيام دراسية مفتوحة و إشراك  كل المهتمين بهذه الإشكالية قصد توطيد التراكمات و التجارب في ميدان الاستشارة الفلاحية، خاصة المهتمين بالعلوم الإنسانية و التنمية القروية.

   4 المراكز الفلاحية و مراكز الأشغال:  لقد لعبت المراكز الفلاحية و مراكز الأشغال دورا محوريا في التنمية الفلاحية والتنمية المحلية،  كما شكلت القناة الرئيسية للتواصل مع المنتجين . إلا أن الوضع الراهن المتردي (الإمكانيات المادية ، البشرية ، اللوجيستيكية……) يستوجب إعادة النظر في جدوى الاحتفاظ بجميع هذه المراكز ، خاصة على مستوى المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي. و ذلك للاعتبارات التالية:

    * صعوبة ترميم هذه المراكز وتجهيزها و مدها بجميع الإمكانيات الضرورية .

   * صعوبة ضمان الصيانة اللازمة و الاعتمادات الضرورية لهذه المراكز بشكل مستمر.

   * صعوبة توفير كل الكفاءات و التخصصات اللازمة لجميع المراكز الفلاحية (مرشد متخصص لكل سلسلة ).

و في هذا الصدد، يجب العمل على دراسة إمكانية تخفيض من عدد هذه المراكز الفلاحية و اعتماد أقطاب للتنمية (Pôles de développement) من خلال المقاطعات الفلاحية ، حيث يمكن توطيد المجهودات و الإمكانيات المادية و البشرية في أحسن الظروف.

و من أجل تقوية جاذبية هذه المراكز و إعطاءها صبغة محورية داخل المجال القروي، يجب العمل على تهيئ فضاء ملائم للمنتجين (قاعة مجهزة على مستوى جميع المراكز الفلاحية)، بمثابة “دار الفلاح”، و تخصص لمختلف الأنشطة و النقاشات المفتوحة على مدار الأسبوع.

     5 المتابعة و التقييم من خلال مدارسة مختلف الاستراتجيات و المقاربات التي عرفها الإرشاد الفلاحي خلال السنوات الأخيرة ، تم تسجيل غياب أي تقييم علمي لهذه التجارب، و الاكتفاء فقط ببعض الانطباعات المتناثرة و التحليل السطحي لمجريات الأمور. الشيء الذي أدى إلى  نوع من الارتجالية و العفوية في بلورة مختلف المخططات المتتالية.

فمن أجل بلورة تصورات و رؤى شمولية وواقعية قادرة على خلق دينامكية حقيقية و مشاركة إرادية و فعالة للمنتجين، يجب اعتماد جهاز قار و مهيكل بجميع التخصصات اللازمة قصد المتابعة و التقييم و إصدار تقارير دورية تشكل أرضية للندوات و الورشات المفتوحة على جميع الفاعلين و الشركاء.

      6 التكنولوجيا الحديثة للإعلام و التواصل: إن اعتماد التكنولوجيا الحديثة للإعلام و التواصل NTIC)) في إطار المنظومة الجديدة للاستشارة الفلاحية يعتبر قفزة نوعية في هذا الشأن، حيث سيمكن من نشر المعلومة على نطاق واسع و بأقل تكلفة.

غير أن انتشار الأمية و قلة الاهتمام بهذا الجانب من طرف المنتجين سيحول دون الإقبال على هذا المنتوج. و بالتالي لا يمكن المراهنة، بشكل كبير، على هذه العملية، خاصة في المراحل الأولى. مما يتطلب التكثيف من عملية التكوين لأبناء المنتجين في هذا الشأن. و العمل على إنشاء نوادي للشباب قصد تحسيس المنتجين و تنمية ثقافة التواصل عبر الشبكات الافتراضية في أوساط المنتجين.

7 التنظيمات المهنية: إن تحميل المسؤولية للمنتجينمن خلال التنظيمات المهنية ، كدعامة أساسية، داخل هذه المنظومة سيمكن من انخراط فعلي و تفاعل إيجابي للمعنيين بالأمر. إلا أن جل هذه التنظيمات المهنية تعاني من اختلالات كثيرة (التمثيلية، المصداقية، الشرعية، الفاعلية، الإلمام بمهارات التسيير و التدبير………)، و بالتالي يجب العمل على بلورة خطة عمل لتأهيل التنظيمات الحالية و تحفيز المنتجين على التكتل في إطار تجمعات فاعلة قادرة على خلق توازن فعلي إلى جانب السلطات العمومية و القطاع الخاص.

    كما يجب إعادة النظر في القوانين المنظمة للتنظيمات المهنية ،  والعمل على بلورة قانون خاص ينظم بموجبه الجمعيات والتنظيمات المهنية و البينمهنية و ذلك من أجل تكريس الديمقراطية و الشفافية في التسيير المالي و الإداري، و كذا الرقابة الدائمة (Droit de regard) على الأجهزة المسيرة.

8 التكوين و البحث و نقل التكنولوجيا:Transfert de technologie)   )

     يشكل التكوين و البحث و نقل التكنولوجيا “مقاربة الالتقاء” ، ثلاثية الأبعاد تصب بالأساس في إنتاج استشارة فلاحية ملائمة و ناجعة.  و بالتالي يجب العمل على تشكيل لجان تقنية جهوية دائمة  للسهر على بلورة و تنفيذ برامج في البحث و التنمية بإشراك كل الفاعلين في هذا المجال وفق مقاربات مجالاتية.

 

 

عبد الله دهدي

مهندس زراعي