Accueil / Non classé / السياحة الثقافية وتدعياتها

السياحة الثقافية وتدعياتها

Auteur: إسماعيل عمران

السياحة الثقافية وتداعياتها مقتطفات من كتاب ” التنمية السياحية بالمغرب: تطلعات وتحديات ومفارقات” المؤلف : إسماعيل عمران [email protected]

يثير مفهوم التنمية الجدل على مختلف المستويات ليس اقتصاديا فقط بل وحتى على مستوى السياسي والاجتماعي والإنساني الخ.؛ فمنذ عام 1970 تم تنظيم العديد من المؤتمرات تحت إشراف منظمة اليونسكو حول السياسة الواجب إتباعها، وأكدت هذه المؤتمرات على أهمية التنمية الثقافية كعنصر هام من عناصر التنمية الشاملة للدول ؛ فالعديد من المظاهر الثقافية والروحية للتنمية يتم تجاهلها من طرف المسؤولين رغم ما يتم التأكيد عليه بخصوص الكرامة الإنسانية وحفظ التراث الثقافي الخ. فالجهود تنصب الجهود عادة على تقدير المردودية الاقتصادية للسياحة وانعكاس ذلك على ميزان الأداءات ومساهمتها في الناتج الوطني وإحداث مناصب الشغل وانعكاساتها على بعض القطاعات الصناعية والخدماتية .

ويثير الجانب الثقافي للنشاط السياحي كذلك اهتماما متزايدا لما له من تأثير على الساكنة المحلية المستقبلة للسياح ، وتذهب المنظمة العالمية للسياحة إلى أن الأسفار السياحية تستجيب لحب الاستطلاع والبحث عن تجارب جديدة عند الأشخاص ، وأنها مفيدة لاستمرار العلاقات التجارية بين الدول وتجمع العائلات وتسمح للسياح بالتعرف على ثقافات وعادات مختلفة ، الشيء الذي يزيد من فرص التفاهم بين الشعوب ، ويساعد على تعزيز العلاقات والتعاون والتبادل التجاري بين مختلف الدول . وترى هذه المنظمة أيضا أن التثاقف السياحي له جوانب إيجابية فهو يحد من الجهوية الضيقة ، ويكسر المحافظة الإقليمية ويشجع على تدويل اللغات وكشف عن العالم الآخر، ويساهم في إحياء بعض التظاهرات الفلكلورية التي تنظم لفائدة السياح والحفاظ على بعض المآثر والمعالم التاريخية…

مقابل ذلك يرى البعض أن السياحة الدولية لها تداعيات سلبية على الساكنة المحلية بسبب اختلاف سلوكيات وعادات وثقافات السياح ، كما أن النشاط السياحي المكثف يسفر عن تقليد بعض سلوكيات السياح الأجانب وتعويض القيم وكرم الضيافة بسلوكيات تجارية، وتسريع البون بين الشباب ومن يكبرونهم سنا ويسفر عما يسمى بصراع الأجيال.هذه التداعيات قد تكون قوية أو ضعيفة وذلك حسب عدد السياح وكثافة أنشطتهم بالمحطات السياحية ، ومدة إقامتهم وتمركزهم بها ، وأيضا حسب استعداد سكان هذه المحطات السياحية لتقليد عادات وسلوكيات السياح الوافدين؛ هذا الاستعداد تشجعه وسائل الإعلام والإشهار التي توظف مختلف فنون الإغراء لتقليد السلوكيات والعادات الوافدة.

يرى البعض أنه لتدجين الجماهير الإفريقية كان لابد من أدوات جد فعالة وجماهيرية؛ فالفرانكفونية )اللغة والثقافة الفرنسية ( لم يكن لها إلا تأثير اجتماعي وثقافي محدودين، ولذلك تم استخدام النشاط السياحي كأداة فعالة للإفساد الاجتماعي والإيديولوجي لتبني النماذج الأوربية للاستهلاكيات والسلوكيات، وتنظيم الفضاءات aménagement de zones عن طريق تخصيص مناطق خاصة بالمحظوظينquartiers réservés aux protégés لزيارة المتوحشين، وأن الحكومات الإفريقية، التي اعتمدت على السياحة ، تقوم بقصد أو عن غير قصد ، ببيع وإفساد بلادها وتحويلها إلى معين أرباح للرأسمالية الأوربية والعالمية ولفائدة البورزواجية الأوربية الصغيرة مما يسفر عن تحويل السياحة إلى أداة وذريعة للتدجين والإفساد والاستجداء والسرقة والدعارة وتقزيم الأخلاق والأصالة الاجتماعية المحلية،وتحويل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات تجارية وإلى الانهزام الإيديولوجي) (. وذهب البابا جان XXIII إلى أن الأسفار السياحية لها انعكاسات سلبية على الجانب الروحي والأخلاقي، وأن برامج سياحة آخر الأسبوع كانت سبباً مهما في فراغ الكنائس من المصلين .. وأنها ليست فقط خطرا على ممارسة الطقوس الدينية وعلى الجانب الأخلاقي عند الشباب، بل وتسبب أيضاً أضرار أخرى كالإرهاق والسهر بحجة الترويح عن النفس والخروج عن الروتين …) ( .

وفيما يتعلق باستبدال بعض التقاليد وكرم الضيافة بسلوكيات تجارية بفعل النشاط السياحي ، فإن ذلك يكون بالنسبة لمنتجات كالصناعة التقليدية وهو ما يثير انتقاد بعض المهتمين والباحثين ؛ فقد بدأت بعض منتجات هذه الصناعة تنسلخ عن أصالتها لتواكب الجانب التجاري الذي يفرضه أصحاب البازارات ووكالات الأسفار، وكذلك الشأن بالنسبة للأهازيج الفلكلورية والشعبية التي يتم تقديمها للسياح في المؤسسات الإيوائية والمرافق الترفيهية وبمناسبة تنظيم التظاهرات السياحية مما جعل البعض يخاف على مسخ هذه الفنون ويطالب بتدوينها والمحافظة عليها.

بالمغرب نصت رؤية 2000/2010 حول التنمية السياحية أن تقع المحطات الشاطئية الجديدة بعيدة عن المراكز الحضرية لتفادي صدام الثقافات) ( ، وهو ما أثار انتقادات مهمة ، ليس فقط بسبب التكلفة الإضافية لربط هذه المحطات بالتجهيزات الأساسية الخارجية ، بل وأيضا بسبب الإقدام على مشاريع وأنشطة لا ترتاح إليها الساكنة المحلية بسبب ممارسة السياح لأنشطة ترفيهية قد تتنافى مع مبادئ وتقاليد هذه الساكنة .

هذا التوجه لإبعاد المحطات الجديدة عن المراكز الحضرية يقر بعدم رضا السكان عن مثل هذه المشاريع ويخالف ما ذهبت إليه المنظمة العالمية للسياحة التي ترى أن الأسفار السياحية تمكن من التعرف على ثقافات مختلفة وتدعم فرص التفاهم بين الشعوب وتساعد على تعزيز العلاقات والتبادل التجاري بين مختلف الدول) ( . وهذا التوجه يخالف أيضا نتائج دراسة حول ضعف مجالات التنشيط السياحي ببلادنا مفادها اقتصار هذا المجال على مرافق بعض المنشآت الإيوائية الكبرى بسبب عزل المحطات الشاطئية عن المراكز الحضارية) ( ، ويخالف كذلك الإقبال الذي تعرفه محطة مراكش بسبب معالمها الثقافية والاجتماعية وفضاءاتها الترفيهية كساحة جامع الفنا التي تحتضن ، وإلى ساعات متأخرة من الليل، مئات السياح والساكنة المحلية جنبا إلى جنب ) (، ولذلك فإن مشاريع المحطات الشاطئية الجديدة وإقامتها خارج المراكز الحضرية يعني تكرار تجربة الستينات والسبعينات من القرن الماضي ولا يرضي شريحة مهمة من الساكنة المحلية. إن غياب البعد الثقافي للمنتجات السياحية، وتوفير الخدمات والأنشطة المغرية لزبناء ينفقون بسخاء ويقضون أوقات فراغهم وعطلهم في الاستمتاع بمثل هذه الخدمات تكون له تداعيات سلبية ليس فقط على شريحة الشباب وإغراءهم بتقليد سلوكيات السياح،بل ويشجع على انتشار السياحة الجنسية التي أصبحت تطال العديد من دول العالم وتروج لها بعض مقاولات بيع الأسفار نحو ببلادنا.

جاء في بعض التقارير أن السلطات الأمنية تقوم من حين لآخر بمداهمات لأوكار الدعارة والفساد بالوجهات السياحية، حيث يستغل بعض” السياح” الآفات الاجتماعية والفقر والأمية لضحاياهم لنشر الرذيلة والاتجار في الأقراص المضغوطة وشرائط الفيديو يقومون بإعدادها بمحلات إقاماتهم السياحية، وتوزيعها على زبنائهم) ( .ونشرت مواقع معلوماتية تقارير عن دراسات وأبحاث تؤكد أن السياحة الجنسية أصبحت منتشرة في كثير من دول العالم وأنها تحولت إلى أهم أنواع التجارة المحرمة وتأتي بعد تجارة المخدرات والأسلحة) ( . وجاء في بعض التقارير الصحفية ” .. تنظر غرفة الجنح بالمحكمة الابتدائية بمراكش الاثنين المقبل في قضية دعارة بين خليجيين و3 فتيات مغربيات (بين 19 و20 سنة) بينهن مضيفة طيران، بعدما تم اعتقالهم من قبل الشرطة القضائية بشقة مفروشة قرب محطة القطار بمراكش. . . وتمتعا الخليجيين، الذين يتابعان بتهمة التحريض على الدعارة بالسراح المؤقت ،كما هو معتاد في مثل هذه القضايا؛ بعدما أدوا كفالة مالية وغادروا المغرب إلى دولة أوروبية. . .

يشار إلى أنه سبق تقديم أربعة خليجيين آخرين شهر يناير الماضي كانوا قد ضبطوا متلبسين مع خمس فتيات مغربيات بينهن قاصر إلى القضاء، وقد أدانت المحكمة الجميع بشهر واحد حبسا نافذا وغرامة، ولم ينفذ الحكم على الأجانب بسبب صعوبة التبليغ نظرا لمغادرة الخليجيين المغرب قبل المحاكمة بعد إطلاق سراحهم بكفالة مالية. . . ) (

وحسب جمعية المساواة الآن Association Égalité Maintenant توجد عشرات من وكالات الأسفار تلتزم بتقديم خدمات تشمل حتى ” الترفيه الجنسي” لا تستثنى منه الأطفال وذلك بدول كثيرة وبشمال إفريقيا من بينها المغرب الذي أصبحت بعض وجهاته السياحية قبلة للشواذ وممارسي السياحة الجنسية ) ( . إن علاج آفة السياحة الجنسية لن يكون سهلا ومحاربتها يجب أن يشمل أسباب هذه الآفة ، وأن يشمل السياح المتعاطين لها عن طريق العمل على مستوى ونوعية الخدمات المغرية المقدمة لهم وليس عن طريق المراقبة فقط ، وأن يشمل الضحايا عن طريق توعيتهم حمايتهم من الفقر والجهل والآفات الاجتماعية ، وأن يشمل التجار والمنعشين المستفيدين، وأن يتم الرجوع إلى المبادئ والقوانين الزجرية الرادعة المعروفة.