Accueil / Non classé / الأحزمة الخضراء والتنمية الحضرية المستدامة

الأحزمة الخضراء والتنمية الحضرية المستدامة

Auteur: [Lhou Baouan: Président de l’Association Marocaine des Aménagistes Urbanistes (AMAU)

الأحزمة الخضراء والتنمية الحضرية المستدامة

مثال حزام الرباط و تمارة

التعريف

الأحزمة الخضراء هي امتداد مفتوح لمجالات طبيعية أو غابوية أو زراعية متواجدة أو مهيأة حول مدارات المدن أو في بعض أجزاءها. إن أهداف الحفاظ على هذه المجالات و تهيئتها متعددة و متنوعة وتختلف حسب اختلاف منعشيها والقائمين عليها وحسب المهام المتوخات منها و الخصوصيات الجغرافية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية…، للمدن المعنية. ورغم أنه لا يمكن تعداد جميع فوائد ومهام الأحزمة الخضراء في هذا المقال، فمن المعروف أن الأحزمة الخضراء سواء الطبيعية أو المهيأة بجوار أو داخل المدن تلعب أدوارا حيوية كثيرة.

أهداف ووظائف الأحزمة الخضراء

من بين وظائف الأحزمة الخضراء نشير إلى أنها تقرب المجال الطبيعي من الحواضر و تلعب دور المتنفس الأساسي للسكان، خاصة أن المساحات الخضراء نادرة داخل مدارات المدن المغربية وإن وجدت فإنها غير موزعة بشكل متوازن بين جميع أحياءها. و لهذا يمكن استغلالها كمتنزهات ترفيهية و رياضية، إن أعدت لذلك واستجابت لبعض الشروط. و توفر كذلك مساحات شاسعة من الأشجار والنباتات التي تساعد في ترطيب وتنقية الجو و امتصاص جزء من الملوثات الهوائية. كما أن غناها وكبر حجمها و تطورها الطبيعي يمكن أن يؤدي بها إلى تكوين أنظمة إيكولوجية تساهم في المحافظة على البيئة و التنوع البيولوجي. و أمام زحف البناء، فإن الأحزمة الخضراء المعتنى بها تؤدي إلى ديمومة المجال الأخضر داخل و جوار المدن و تساهم في اخضرارها و تزيينها و منحها مناظر جمالية مميزة.

و بالإضافة إلى ذلك، يمكن توظيفها كأداة لإعداد و تهيئة التراب و على سبيل المثال إنشائها للحد من التوسع العمراني أو لإعادة توجيه التعمير إلى اتجاهات أخرى من المجال حسب رغبات المخططين. كما يمكن استعمالها لمحاربة الفيضانات وذلك بكبح جزء من مياه الأمطار و تنظيم سيلانها أو تغيير اتجاهها لتفادي الأضرار و الخسائر التي يمكن ان تلحق بالمساكن والسكان عند وقوع الفيضانات. ويمكن كذلك الاستفادة من الأحزمة الخضراء من اجل تثبيت الرمال في المناطق الصحراوية أو المرملة و تقليص الزوابع الرملية وكذا خفض قوة وسرعة الرياح.

و للحفاظ على مناطق فلاحية بجوار و داخل المدن، يمكن إدراجها كأحزمة خضراء في التصاميم التهيئة وذلك لمنع اية بناية ليست لها علاقة بالزراعة. وأخيرا يمكن الاعتماد على إنشاء و تهيئة الأحزمة الخضراء من أجل الحفاظ على المواقع الطبيعية و التاريخية والأركلوجية الحضرية المتميزة و ضمان استدامة مكوناتها.

الأحزمة الخضراء بالمغرب

لقد عرف المغرب عبر تاريخه الطويل أشكالا من الأحزمة الخضراء التي كانت تلعب وظائف اقتصادية واجتماعية و بيئية و ترفيهية… هذه المساحات الخضراء التي تحيط بالمدن كانت على شكل حدائق زراعية (عرسات) أو أراض فلاحية أو غابات طبيعية. كما أحدثت العديد من المحميات الطبيعية ذات أهداف مختلفة سواء بجوار المدن أو في وسط التجمعات القروية. وللإشارة فكلمة » أكدال « بالامازيغية، مصطلح يطلق على محمية غالبا ما تؤسسها القبائل لأغراض خاصة. ولهذا تنشأ كل محمية من اجل أهداف ووظائف مختلفة وذلك حسب الموقع وحجم المكان المحمي و حاجيات المنطقة المعنية.

و نظرا لأهمية الأحزمة الخضراء ومهامها المتعددة و الحيوية فقد عرفت بلادنا في السنين الأخيرة عدة مبادرات لتهيئ أحزمة خضراء في جنبات بعض المدن. و في هذا الإطار فقد تمكنت إدارة المياه و الغابات مند أكثر من نصف قرن، من رعاية و تنمية غابة واسعة كحزام خارجي حول مدينة الصويرة، وذلك من اجل تثبيت الكثبان الرملية المحيطة بالمدينة ومنعها من التسرب إلى داخلها. إلا أنه رغم نجاح هذه التجربة فإن المشروع ترك مساحات شاسعة من الكثبان الرملية بين الغابة و المدينة مما يؤثر سلبا على السكان في حالة هبوب الرياح. و هو ما حدا بالسلطات المحلية بدعم من التعاون الفرنسي إلى إنجاز دراسة لإنشاء حزام أخضر كامتداد للغابة المحيطة بالمدينة. و بالإضافة إلى الرغبة في حل هذا المشكل فإن هذا المشروع يهدف إلى تقريب المساحات الخضراء من السكان و توفير متنزه للمدينة. و نظرا لغياب مصادر التمويل فإن الأشغال المتعلقة بالانجاز لم تنطلق بعد. ولولا هذا العائق لأصبح الآن متنزها طبيعيا جميلا ولمكن من الحفاظ على المكونات الايكولوجية الموجودة بعين المكان خاصة تلك البحيرات المائية الصغيرة المنتشرة وسط الكثبان الرملية. كما أن المخطط التوجيهي لمدينة مراكش المنجز سنة 1980 قد سطر من بين مشاريعه إنشاء حزام أخضر جنوب المدينة. ويهدف هذا المشروع الى تكوين جبهة من الاخضرار للحد من المد العمراني للمدينة و إلى تهيئة مجال اخضر للنزهة و الاستجمام بالقرب من السكان. و يتكون هذا الحزام الذي يعتبر امتدادا لبساتين “اكدال” ، من مجال فلاحي مسقي بطريقة تقليدية تسيطر عليه أشجار الزيتون. وإذا كان هذا المجال قد عرف تمركز بعض السكان المحليين قبل إدراجه ضمن الحزام الاخضر، فإن نمو السياحة قد أدى إلى السماح لبعض المنعشين من بناء منازل للضيافة و منشآت سياحية مما نتج عنه انتشار مظاهر التمدن و المضاربة العقارية والتخلي عن الزارعة في انتظار وصول المدار الحضري. كل هذه العوامل أدت إلى تدهور الحزام الأخضر و ظهور بوادر التخلي عن المشروع.

نموذج الحزام الأخضر للرباط و تمارة

أهميته في التنمية المستدامة للمدينتين

إن الحزام الأخضر المهيأ جنوب مدينة الرباط يعد أهم مشروع أنجز في بلادنا ليس فقط في ميدان المساحات الخضراء بل على صعيد المحافظة على البيئة و الموارد الطبيعة بوجه عام. ويهدف هذا المشروع أساسا إلى وضع فاصل بين مدينتي الرباط و تمارة لتجنب التصاقهما، وذلك لتسهيل تدبيرهما وتسييرهما. كما يصبو كذلك إلى توفير فضاء أخضر يعوض الخصاص الملاحظ في المساحات الخضراء داخل الحاضرتين. وبما أن هذا الحزام أنجز بمحاذاة الغابة الطبيعية لتمارة، فإنه يحتوي على غابة طبيعية تتكون من الأرز ومن مساحات كبيرة مغروسة بأشجار غابوية خاصة الأوكلبتوس. هذا المعطى منحه بعدا ايكولوجيا مميزا و أهمية كبيرة في المحافظة على البيئة و التنوع البيولوجي داخل المجموعة الحضرية للرباط و تمارة و جعله متنفسا طبيعيا للمدينتين و متنزها حضريا فسيحا وميدانا لممارسة بعض الرياضات. و يمكن اعتباره كذلك الرئة التي توفر للمدينتين هواء نقيا و موقعا مميزا منحهما منظرا جماليا رائعا.

و نظرا لتوسطه للحاضرتين ولموقعه الجغرافي، فيمكن للسكان الولوج إليه من عدة نواحي أو التنزه في بعض أجزاءه. و ختاما فإن هذا الفضاء الإيكولوجي الحيوي و الاستراتيجي يشكل و بحق تراثا وطنيا و نموذجا رائدا في ميدان المشاريع البيئية الحقيقية.

المشاكل والضغوطات التي يعاني منها

و رغم أهميته الاجتماعية والبيئية، فقد أصبح هدفا لكثير من أطماع التوسع العمراني. كما يتعرض لعديد من الضغوطات نتيجة إهمال ولامبالاة المسئولين. وتعاني بعض أجزائه كذلك من الآثار السلبية لبعض التدخلات الغير الملائمة لطبيعة و مكونات المجال. كل هذه العوامل تؤدى به إلى التدهور المستمر و إلى تقليص لحجمه و تراجع لأهميته بشكل تدريجي.

وفي هذا الصدد، وجب التذكير بمحاولة بعض الأطراف الإدارية انجاز مشاريع عمرانية في الجزء المجاور لحي الفتح من الحزام إبان حكومة اليوسفي. هذا المشروع الذي كان سيقتطع أجزاء كبيرة منه قد أوقف أو تم تأخير تنفيذه حتى تهدأ حركة الجمعيات المعارضة للمساس بالحزام، خاصة أن مشروع تهيئة الكورنيش من شأنه أن يؤجج الطلب و الضغط على العقار في هذا المكان. كما أن المشروع المزمع انجازه في مكان حديقة الحيوانات، سيؤدي رغم أهميته الاقتصادية إلى تقليص للمساحة الحالية للحزام بعدة هكتارات و إلى بروز مشاكل بيئية جديدة. ومن الغريب انه لحد الساعة لم تنجز دراسة للتأثيرات على البيئة لهذا المشروع وذلك طبقا للقانون رقم 12-03 !

و هناك عدة مساحات كان من المتوقع أن تتهيأ لإتمام إنجاز شريط اخضر بين مدينتي الرباط و تمارة، إلا انه نظرا للضغط الحاد على العقار و للموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة، فقد تخلى المسئولون عن إتمام إنجازها و تم تحويلها إلى أراض مفتوحة للتعمير. وسيؤدى هذا التحول إلى التصاق المدينتين وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي الذي كان وراء انجاز الحزام.

إن المتنزه الترفيهي و الرياضي المهيأ أخيرا بجوار حي المسيرة بتمارة، أدى إلى وقوع بعض الأضرار و الأذى بالأشجار الغابوية الموجودة بهذا المكان، نظرا لزيادة الضغط الناتج عن مضاعفة الزوار و لغياب الحراسة والعناية المستمرتين و لهشاشة الغابة في هذا المكان…

و في كثير من الأماكن يلاحظ اندثار الأشجار وذلك لأسباب عديدة، منها ما هو طبيعي كشيخوختها خاصة الأرز بحيث أنها تعاني من قلة الاستبدال التلقائي أو كإصابتها بأمراض خاصة. وهناك ما يتعلق بتدخل الإنسان والذي يأخذ عدة أشكال أخطرها القطع الجائر لغرض ما أو بدونه. هذا وإن المجال الغابوي القريب من طريق مقبرة “تمارة” يعرف تدهورا سريعا نظرا لكثرة عوامل الإيذاء و من بينها رمي الأزبال و بقايا مواد البناء و القيام بعدة نشاطات مهنية داخل الغابة و التعدي على الأشجار،… مما يعرض أشجار الأرز للزوال من هذا المكان.

اقتراحات من اجل المحافظة على ديمومة هذا المجال الأخضر

إن المحافظة الجيدة على الحزام الخضر للرباط و تمارة و ضمان استدامته للأجيال القادمة يتطلب القيام ببعض الإجراءات الضرورية والمستعجلة و من بينها: 

  انجاز خطة بعيدة المدى من اجل وضع أسس الحفاظ على ديمومة الحزام في أفق تحقيق التنمية المستدامة للمدينتين مع الأخد بعين الاعتبار للحاجيات المستقبلية في هذا الشأن، 

  وضع حد لأية عملية تقطيع في المستقبل وذلك بتحديد المجال الجغرافي للحزام بدقة، 

  ترتيبه كتراث وطني طبيعي، 

  وضع الإطار القانوني و المؤسساتي الخاص به و الذي سيمكن من تحديد مسؤوليات و مهام و توضيح أدوار كل المتدخلين في تدبيره، 

  حراسة دائمة ومستمرة خاصة للأماكن التي تعرف كثرة الوافدين، 

  وضع علامات تنبيهيه و توضيحية لمساعدة و إرشاد زوار ورواد هذا الفضاء وحثهم على الحفاظ على جميع مكونات الحزام، 

  تنبيه جميع الزوار الذين لا يحترمون الأشجار و التجهيزات المنشأة و كذا الرياضيين الذين يمارسون تمارينهم في الأماكن الغير المناسبة، 

  انجاز دراسة للتأثيرات البيئية لمشروع تحويل حديقة الحيوانات.

و للوصول إلى هذه الأهداف و إيجاد حلول معقولة للمشاكل المطروحة، يجب تعبئة المصالح المعنية والعمل على تدخلها بجدية. وفي هذا الإطار نخص بالذكر كل من المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، و وزارة الداخلية (الولاية وعمالة تمارة) و بلديتي الرباط و تمارة. كما أن مؤسسة محمد السادس للبيئة يمكن أن تلعب دور المحرك و المنسق الأساسي لهذا العمل، خصوصا وأنها قد نجحت من قبل في تعبئة و جمع المتدخلين حول مشاريع بيئية مشابهة.

الخاتمة

نظرا للأهمية الاجتماعية و البيئية لمثل هذه المشاريع، فإنه يجب تعميمها على جل المدن المغربية خاصة التي تعاني من نقص حاد في المساحات الخضراء أو من غياب أماكن ملائمة لانجازها. كما أن مثل هذه المشاريع ستمكن من الحفاظ على المناطق الفلاحية الخصبة المتواجدة قرب المدن وبالخصوص تلك التي تقع في مناطق غير زراعية مثل ورزازات و الناظور.

كما أن هناك مجموعة من المناطق تعرف تواجد عدد من المدن المتقاربة والتي تعرف امتدادا سريعا يمكن أن يؤدي إلى التصاقها(conurbation) . ولتفادي هذه المعضلة العمرانية يجب خلق أحزمة خضراء تحد من تكوين مدن ضخمة يصعب التحكم فيها و الأمثلة كثيرة. فهناك المجموعة الحضرية لاكادير و المتكونة أساسا من “أكادير و انزكان و أيت ملول” بالإضافة إلى “تكوين و أزرو”… كما ان المجموعة الحضرية للناظور المكونة من عدة مراكز محورية يتطلب أحزمة خضراء من اجل الحفاظ على وحدة كل مدينة او مركز…

ومن جهة أخرى، فإذا أخذنا بعين الاعتبار الأمراض المنتشرة و المترتبة سواء عن التلوث أو عن نوعية الحياة الحضرية المتسمة بقلة المجهود البدني و التي أدت إلى تكاثر الأمراض المرتبطة بالتنفس والقلب و السكري، فإن إتاحة الفرصة للسكان من ممارسة الرياضة خاصة المشي يتطلب تهيئة المزيد من المساحات الخضراء الشاسعة… كما أن كثير من المدن المغربية تقع بجانب مواقع طبيعية خلابة وغنية بيولوجيا ومنظريا، تتطلب حمايتها اتخاذ تدابير وإجراءات إدارية وقانونية من اجل ديمومتها في إطار أحزمة خضراء محمية…

رئيس الجمعية المغربية لأخصائيي التهيئة و التعمير (AMAU). [email protected]