Accueil / Non classé / الترمل بواحة تافيلالت

الترمل بواحة تافيلالت

 

مقدمة:

I- الإطار الجغرافي العام لواحة تافيلالت.

II- مفهوم التصحر.

1- توزيع الكثبان الرملية بالواحة:

2- مصادر الرمال:

III- تضخم ظاهر الترمل.

IV- عوامل الترمل:

1- العوامل الطبيعية:

2- العوامل البشرية:

V- التدخلات المتخذة لمكافحة الترمل.

1- مبادرات الفلاحين:

2- تدخل الدولة:

IV- تقنيات مكافحة الترمل.

1-التصدي الميكانيكي:

2-التصدي البيولوجي:

خلاصة

Auteur: المولودي مَحمد

مكافحة الترمـــل بواحـة تافيلالت بين تدخل الدولة ومبادرات الفلاحين

مَحمد المولودي. 

باحث جغرافي 

كلية الآداب، ظهر المهراز- فاس 

[email protected] 

يناير2006

مقدمة:

تعرف الواحات الواقعة في الجنوب الشرقي المغربي اختلالا في توازن المنظومة البيئية. فإلى جانب انخفاض السدم المائية وتدهور الغطاء النباتي، وارتفاع ملوحة التربة…، فإنها تعاني اليوم من ظاهرة الترمل التي ما فتئت تهدد السكان في مصدر تعيشهم، مما يجعل هذه المناطق مسرحا لأنماط تدهور يصعب التغلب عليها.

وأمام تزايد حدة الترمل، بات من الضروري تقصي الحقائق لتحديد أنجع أساليب التدخل في الوسط الواحي وإعادة تأهيله وحماية موارده. ومن هنا فهو في أمس الحاجة إلى مناهج بحث تسمح بضبط الظاهرة وتحديد آلياتها؛ وذلك بالتمييز بين ما هو مرتبط بالعوامل الطبيعية من جهة، والديناميات التي تنشطها الظروف البشرية من جهة أخرى.

هذه المقاربة تنطلق من رصد « ممارسات الفلاحين » باعتبار الفلاح « مقررا وفاعلا »، وتهتم بطريقة تبني تقنيات مكافحة الترمل إن على مستوى الاستغلاليات أو على مستوى المحيط العام. ففي هذه المناطق التي تعيش صعوبات طبيعية جمة(ندرة الماء، الترمل، الملوحة، …)، عمل الإنسان على تطوير معارف ومهارات محلية مكنته إلى اليوم من الاستمرار في التعيش، وذلك بحماية النسق البيئي وتدبير الموارد بطريقة عقلانية ومستديمة (ماء، رعي، حيازات زراعية…). ومقابل ذلك، عملت الدولة في إطار المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي وإدارة المياه والغابات على تبني عدة برامج لتهيئة وصيانة الأنساق الزراعية (مكافحة الترمل، إعادة التشجير، تحسين المراعي…). ومن هنا ضرورة رصد حدود تدخل كل من الدولة والسكان من منظور الحفاظ على توازن النسق البيئي الواحي وإرساء قواعد التنمية المستديمة.

I- الإطار الجغرافي العام لواحة تافيلالت.

تقع واحة تافيلالت( ) في الجنوب الشرقي للمغرب، تحدها حمادة ﮔير شرقا والأطلس الصغير غربا وحمادة ﮔمﮔم جنوبا والأطلس الكبير الشرقي شمالا( ). وتتميز المنطقة بسيادة مناخ قاحل وجاف، وبتساقطات مطرية نادرا ما تتجاوز متوسط 200 ملم/السنة. ويمكن أن تحدث الأمطار العاصفية فيضانات هامة في الأودية قد تترتب عنها خسائر مادية وبشرية. أما الغطاء النباتي السائد فيتمثل في الجفافيات Xérophytes وchamophytes وGéophytes التي تنتشر بشكل متفرق( ). تضم المنطقة وحدات جيومرفلوجية جد متميزة وهي: 

  « سهل تافيلالت »: يشكل منخفضا رسوبيا ناتج عن عوامل التعرية التي تنقلها أودية زيز، غريس. تتراوح نقط الارتفاع به ما بين 700 و 800م. 

  الحمادات (الهضاب) الكلسية للكريطاسي بمسكي في الشمال بعلو يتراوح ما بين 1000-1100م. 

  الزمن الثالث لكَير في الشرق (900-1150م). 

  الكتل والأعراف الكوارتزية المنتمية للزمن الأول (جبل أوكَنات غربا، جبل بومعيز جنوبا: 900-1000م).

وتمتد الواحات على شكل أشرطة خضراء على طول الأودية (زيز، غريس، كَير) المنحدرة من الأطلس الكبير (3000-3500م)، حيث تغدي الواحات بالماء والإطماءات (بسعة 15-30م) التي تتراكم بعد الفيض الذي يغطي سافلة أحواض الصرف.

ترتبط ظاهرة التصحر والترمل بالظروف المناخية القاسية( ). وبتزايد الضغط البشري. ويتجلى مسلسل التصحر في الجنوب الشرقي عامة وواحة تافيلالت خاصة في عدة مظاهر منها: تملح التربة، اجتثاث الغطاء النباتي، تراجع السدم المائية، التعرية المائية والريحية( ). وسنقتصر في هذا المقال فقط على رصد مظاهر وآليات الترمل بسهل تافيلالت وبعض هوامشه باعتباره يقدم مثالا حيا وواقعيا لزحف الرمال وتراكمها.

II- مفهوم التصحر.

التصحر( ) مفهوم واسع أخذ يستأثر الاهتمام الدولي منذ السبعينات. وهو يعبر عن درجة اختلال توازن الأنظمة البيئية (تدهور البيوحيوي، انخفاض الإنتاجية…) بحيث تصبح هذه الأخيرة عاجزة على توفير المتطلبات الضرورية للإنسان والحيوان. وهكذا، وعلى مستويات مختلفة تحولت عدة مجالات كانت متوازنة في السابق إلى مناطق جدباء عن طريق التذرية. وقد قدر برنامج الأمم المتحدة حول البيئة أن التصحر يهدد حوالي 3/1 القارات، أي 48 مليون كلم2، ويهدد حياة حوالي 850 مليون نسمة. وقدرت اليونسكو أن حوالي 100000 هـ بشمال إفريقيا ستتعرض لخطر زحف التصحر كل سنة. عرف عدد من الباحثين التصحر كما حددوا أسبابه. وهنا نشير إلى بعض هذه التعاريف: – مجموعة من الأفعال التي تتجسد في تقلص الغطاء النباتي مما يؤدي إلى توسع جيوب صحراوية جديدة. هذه الأخيرة تتميز بوجود الرقوق والحمادات و الكثبان الرملية. – التصحر مشكل مركب تتداخل في تحديده العوامل الطبيعية والأنماط البشرية (الديموغرافيا، التطورات العلمية والتيكنلوجية، الإرث الاجتماعي والاقتصادي، المناخ الدولي). – التصحر هو انعكاس للجفاف الناتج عن الأنشطة البشرية بحيث تصبح قدرة حمولة الأرض متجاوزة.

وقد عرف برنامج الأمم المتحدة التصحر ( يونيوه 1992) بأنه: » تدهور الأراضي في المنظومات القاحلة وشبه القاحلة وشبه الرطبة الجافة نتيجة تأثير التدخلات البشرية المختلفة ».

على المستوى الوطني بالأراضي القاحلة وشبه القاحلة يهدد خطر التصحر 90% من مجموع التراب الوطني( ) انطلاقا من جنوب خط أكَادير – ورززات – الرشيدية. ويبين الرسم الموالي مسلسل ظاهرة الترمل.

الترمل في مسلسل التصحر

يظهر جليا أن تشكل الكثبان هي المرحلة النهائية للتصحر، وهي نتيجة مزدوجة للعوامل الطبيعية والبشرية.

1- توزيع الكثبان الرملية بالواحة:

تتكون الكثبان تحت تأثير كثافة التعرية الريحية. وترتبط آلياتها بنقل جزيئات التربة وترسيبها. ولذلك احتمل بعض الباحثين أن تكون حركات الهواء الأفقية تؤدي إلى نقل الجزيئات. بينما أكد آخرون على كون تحرك الجزيئات رهين بحجم هذه الأخيرة وبالطبوغرافيا وخصائص التربة. وفي ما يخص نقل الحبات، فتتم عبر خمس حركات وهي: الاقتلاع Arrachement، الدحو Roulage، النقوز Saltation (0.05 إلى 0.5 ملم)، الدحرجة Reptation (0.5 إلى 1 ملم) والنقل Suspensionالعلائقي (0.03 إلى 0.1 ملم). ويتم الترسب بواسطة عمليتي الرثق Accrétion والحواجز. وهكذا تتراكم الكثبان حول حاجز ما كان طبيعيا أو غير ذلك، حيث أن مقاومته للرياح تؤدي إلى ترسب الجزيئات. ويتمثل مسلسل الرياح في ثلاث مستويات:

   التعرية الريحية: عن طريق التآكل Ablation، التذرية Déflation، والسفي Vannage. 

 نقل الجزيئات وظهور الكثبان المتحركة (البرخان، وكثبان خطية من نوع سيف Sif).

2- مصادر الرمال:

رغم صعوبة تحديدها هناك فرضيتان: الأولى من مصدر محلي، والثانية من مصدر بعيد، وخاصة من صحاري الجنوب والجنوب الغربي.

لقد أكدت التجارب التي أنجزت في إطار مشروع الفاو (F.A.O) الهادف إلى « حماية الواحات من الترمل » على هيمنة الرمال من أصل غريني. فالتوزيع والشكل والأبعاد الحالية للكثبان كما دأبت التحليلات الرسوبية والحبيبية بينت هيمنة الرمال من مصدر نهري. وهنا يلعب الماء دورا أساسيا في مسلسل تراكم الكثبان الرملية وخاصة بعد نقل الاطماءات المقتلعة من مختلف أحواض الصرف (مثل الحث، الشيست، الصخور المفككة..)، حيث يعمل على ترسبها في درجات بمناطق الفيض. ولذلك يمكن الحديث عن الأصل المحلي للترمل. ومقابل ذلك، يعتبر ما تنقله الرياح البعيدة ضعيفا، ولا يكون سوى جزيئا صغيرا من ذرات الغبار التي ترسبها الرياح بهذه المناطق.

وهكذا يكون المصدر الرئيسي للرمال هو التعرية التي تخضع لها أحواض صرف الأودية الأربعة وهي درعة، زيز، غريس وكَير والتي تهم أقاليم ورززات، الرشيدية وفكَيكَ. هذه الأودية بسبب خاصيتها العاصفية وتشابكها أحيانا كانت تنقل لمدة جيولوجية طويلة رواسب ضخمة من مواد الغرين( )، وتعمل على ترسيبها بالمناطق الفيضية.

وبخضوعها للتذرية وللسفي المتكرر وللنقل الريحي، تشكل هذه الرواسب الغرينية قلاع رملية voiles sableux تتخذ أشكالا متعددة في المجال تبعا لاتجاه الرياح وسرعتها. (خريطة رقم 1). تغطي الكثبان الرملية عدة واحات بتافيلالت. وتهدد اليوم قنوات السقي والخطارات والطرق والسكن (القصور). وتختلف درجة الترمل من قطاع إلى آخر. وتبقى الواحات الموجودة على طول ضفتي وادي غريس أكثر عرضة للترمل. لكن الرمال لم تمس بعد وسط هذه الواحات(تيزيمي، فزنا). وحسب تقرير برنامج الفاو (1986) FAO/TCP/MOR/4506 فإن حوالي 5000 هـ من الأراضي فقدت. وقد ترتب عن تراكم الكثبان تكون البرحان والغورد والنبكات. وهي كثبان قد يصل متوسط علوها 4م، وخاصة على الهوامش.

III- تضخم ظاهر الترمل.

إلى حدود الساعة، ركزت جميع الدراسات التي عالجت ظاهرة الترمل بالجنوب الشرقي المغربي اهتمامها على تقدم جبهة الرمال بدون أن تصل إلى تحديد وتيرة هذا التطور في الزمن. وما يؤكد ذلك أن الذاكرة الجماعية بهذه المناطق لم تشر إلى وجود ترمل بهذه الضخامة إلا مع نهاية الستينات، خاصة بعد أن أصبحت الظاهرة تشكل تهديدا حقيقيا لمنطقة تافيلالت. وقد حاولت بعض الدراسات( ) تكميم الظاهرة وتحديد تطورها عبر الزمن كما يلي:

عرفت منطقة تافيلالت عاصفة رملية سنة 1977، إذ اكتسحت الرمال حوالي 16 هكتار من الأراضي الزراعية بواحة الجرف، وثلث قصر حنابو، أي حوالي 78 مسكنا( ).

وأوضحت دراسة للمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بتافيلالت، أن الأراضي الزراعية التي غطتها الرمال بكل من واحة حنابو والكراير وأولاد غانم للفترة ما بين 1958 و1987 تقدر بـ 208 هكـ، وبتحليل المعلومات المكتشفة على الصورة الجوية يظهر ما يلي: 

  ففي الفترة ما بين 1979 – 1987، انتقلت المساحات المرملة من 78 هكـ إلى 98 هكَـ، أي بزيادة 20 هكـ في ظرف 8 سنوات. وتمثل هذه المساحة 4% من مجموع مساحة الواحة، بينما يقدر الفقدان السنوي من الأراضي الزراعية بـ 2,5 هكـ. وهذه النسبة مهمة جدا عند مقارنتها بمتوسط حجم الاستغلاليات الزراعية (0,93هـ)، حيث تمثل تلك التي تقل عن هكتار واحد أكثر من 70% ( ). 

  وبواحة أولاد غانم قدرت المساحة المرملة بـ110 هكـ، أي ما يمثل 57,5% من مجموع مساحة الواحة، وهو ما يعادل في المتوسط 118 استغلالية.

تبين هذه الأرقام تضخم ظاهرة الترمل التي أفقدت 223 أسرة من حيازتها الزراعية خلال هذه الفترة. فالترمل أضحى يمس مصدر عيش السكان الذين يعتمدون على اقتصاد الكفاف، الشيء الذي ترتب عنه هجرة السكان( )

بعض الأمثلة بواحة تافلالت

حنابوغطت الرمال حوالي 3/1 الأراضي. وقد حاول الفلاحون الحد من الظاهرة ببناء أسوار من التراب. هذه التجارب لم تستطع بلوغ نتائج معينة. فالكثبان تتقدم بمتوسط 10 إلى 20م/السنة.

الكرايرغطت الرمال حوالي 60 هـ، وتتقدم بطريقة غير منتظمة. وحسب تقدير الساكنة فإن التراكمات الرملية الأولى كانت مع الأربعينات، حيث تتطور بمتوسط 10 إلى 15م/السنة. البويالقد اجتاحت الرمال نصف مساحة الواحة حاليا. ومنذ 70 سنة كانت ضعيفة الترمل.

تنغراستغطي الرمال حاليا 12 هـ، وقد تقدمت الرمال بمتوسط 100م في ظرف 27 سنة.

الدوارترملت 60% من الخطارات، وترمل 4/1 إلى 3/1 الأراضي المسقية.

أولاد جميع ترملت 50% من الأراضي. وتتقدم الرمال بمتوسط 400م منذ 1950.

فزنامنذ 1984 ترملت جل مصادر عيون الخطارات.

IV- عوامل الترمل:

يرتبط الترمل بعوامل طبيعية وأخرى بشرية.

1- العوامل الطبيعية:

ظروف مناخية قاسية: 

تكون جبال الأطلس الكبير شمالا والأطلس الصغير جنوبا حاجزا طبيعيا يمنع تسرب الكتل الهوائية البحرية. فالموقع الجغرافي البعيد للواحة وانفتاحها على الصحراء تعمق من ظاهرة جفافها ودينامية الرياح بها وخاصة بالمناطق السفلى( ) (سهل تافيلالت، حاسي البيض، المعيدر…)

ومن أهم الخصائص المميزة للمناخ بواحة تافيلالت: 

  ضعف التساقطات المطرية وعدم انتظامها. بلغ معدل الحصيلة السنوية للأمطار خلال مدة 30 سنة 76 ملم بقنطرة أرفود. ولا تمثل هذه الحصيلة في المتوسط السنوي سوى 1.5% من حصيلة تغدية السدم الجوفية. ويتميز النظام السنوي للأمطار بوجود فصلين مطيرين هما: الخريف والربيع. ويظهر عدم الانتظام هذا في الأمطار العاصفية التي يمكن أن تساهم بـ 30 إلى 50% من مجموع الأمطار السنوية. 

  ارتفاع درجة الحرارة يؤدي إلى زيادة التبخر. يصل معدل درجة الحرارة بمحطة أرفود 21°. وتتباين الحرارة حسب الفصول. فشهري يوليوز وغشت هما اللذان يسجلان أقصى درجة (45°)، في حين تنخفض الحرارة الدنيا إلى 0°. في هذه الظروف يصبح الفقدان عن طريق التبخر جد متضخم وخاصة في فصل الصيف. وحسب استدلال ثرنوايت، فإن معدل 1159ملم تتبخر سنويا. – هبوب رياح قوية ومتواترة. تساهم الظروف المناخية في تنشيط حركة الرياح عن طريق تخديد السطح ونحته وكشطه. كما تعمل على نقل الجزيئات وتراكمها، وهي نوعان: – رياح الشركَي: تهب من الجنوب والجنوب الشرقي، وهي باردة شتاء وحارة صيفا. ويترتب عنها ارتفاع مفاجىء للحرارة، وهي العامل الأساسي في نقل الرمال وتكون الكثبان. – رياح الساحل: تهب من الجنوب الغربي، وتكون نشيطة في شهري دجنبر ويناير.

  مناخ صحراوي قاحل وجاف. مادامت الواحة تتميز بمناخها المحلي micro-climat، ووسطها الصحراوي، فإنها تنفرد بقحولتها العميقة. ولقد استعملت عدة استدلالات لتفسير هذه الوضعية. 

  تساهم الطبوغرافيا والقاعدة والغطاء النباتي في الترمل. تقف التضاريس في وجه تسرب المؤثرات البحرية إلى واحة تافيلالت، مما يساعد على تعميق ظاهرة القحولة بها ويؤدى إلى أزمات مناخية صعبة كما حدث في سنوات 1980-1985 و 2000-2001. فضعف الارتفاع والطبيعة الصخارية (حث أوكَنات وصاغرو) ورواسب الرباعي المكونة من الاطماء المرمول (رمال، إطماء) والغطاء النباتي المتفرق كل ذلك ساهم في زيادة نشاط مسلسل التعرية. ولقد جعل التطور الجومرفلوجي للجنوب الشرقي المغربي من تافيلالت مجالا واسعا لعبت فيه الواحة دور الحاجز لتراكم جزيئات الرمال التي أصبحت تجتاح مختلف المنافذ.

2- العوامل البشرية:

الضغط على الموارد الطبيعية. تظهر مساهمة المجتمع في ظاهرة التصحر على مستويين: الأول يرتبط بالعلاقة الوثيقة التي ينسجها المجتمع مع محيطه، أي أن ضرورة التعيش تدفع المجتمع إلى استغلال موارد المحيط وثرواته بدون أن يستشعر درجة هشاشة الوسط و حساسيته. والثاني، يرتبط بتأثير الجفاف بعد إنجاز التهيئة الهيدروزراعية الحديثة وما خلفتها من انعكاسات على النسق البيئي.

أ‌-استغلال الإنسان لمحيطه. 

يسود غطاء نباتي متفرق بالهوامش المجاورة للأودية و التضارس المحيطة بها. ويكون حاجزا يحفظ التربة ويثبتها. لكن تدخل الإنسان، سواء من السكان المستقرين أو من السكان الرحل، ساهم في ترمل الواحة. فمثلا، كل المنطقة الواقعة جنوب سهل تافيلالت على الخط الذي يجمع قصور كَاوز، زاوية مليخاف، زاوية الماطي، والتي كانت تستغل في زراعة الحبوب، أضحت إلى عهد قريب مجالا للرعي من طرف سكان القصور المجاورة والسكان الرحل الذين كانوا يستقرون بماشيتهم أثناء فترة جني التمور. ولقد دأب هؤلاء الأخيرين منذ بداية الثمانينات على اجتثاث الأشجار والقلع الشمولي للأخشاب (Tamarixالطرفاء، السنط: Acacia…) بهدف تلبية حاجيات الطهي والإنارة، أو من أجل بيعها لأرباب الحمامات والأفرنة بالمراكز الحضرية مثل أرفود والريصاني، أو تحويلها إلى مادة كاربونية، وذلك في أفق تغطية النقص الحاصل في قطيع الماشية مصدر دخلهم الأساسي( ).

ب‌-التهيئة الهيدروزراعية والترمل. 

يعتبر سد الحسن الداخل سدا دخيلا على المنطقة، إذ كانت له انعكاسات على المحيط البيئي والاقتصاد والمجتمع. فمنذ 1972 تاريخ تشغيل هذه التقنية الكبيرة، تقلص الجريان المائي لوادي زيز. ففي السابق، كانت مياه الفيض المنحدرة من أعلى الأطلس الكبير -بفضل السقي- تصل إلى الحيازات الواقعة أسفل السهل، ومن تم تتجه لتكون « الدوراة » مع وادي غريس. في هذه الظروف، كان تصريف المياه يلعب دورا كبيرا في حمل الجزء الكبير من حبات الرمال بقيعان السواقي، وتبليل التربة التي تثبت الغطاء النباتي وتنميه. بالإضافة إلى ذلك، فإن التدبير الجديد لمياه السد (ثلاث طلقات إلى أربعة في السنة) سرعان ما لاح أثره: جفاف جريان الأودية، الانخفاض التدريجي لمستوى مجم الآبار وتراجع السدم المائية. وإذا رجعنا إلى أرشيف مديرية الموارد المائية بالرشيدية نلاحظ أن معدل الحصيل السنوي لوادي زيز من مدخل سهل تافيلالت (قنطرة أرفود) للفترة 1958-1959/ 1965-1970 كان 139.7 مم3، مقابل 105 مم3 فقط لفترة 1970-1971/ 1992-1993، أي بعجز يقدر بـ 25%. وما يؤكد هذه الوضعية أن معدل الصبيب السنوي في القنطرة نفسها انتقل من 4.4م3/ث قبل بناء السد إلى 2م3/ث بعد بناءه( ). وكان من بين آثار هذه التحولات تكثيف الدينامية الريحية، حيث أضحت الرمال تتراكم أكثر فأكثر، ومجهودات مكافحة السكان ضعيفة أمام هول كارثة النقل المستمر للرمال.

وهكذا تشكل ظاهرة الترمل عائقا يكبح الاستثمار الزراعي بالمنطقة، بل ويهدد أسس التنمية السوسيو قتصادية تبعا لتأثيرات الجفاف الشيء الذي تطلب تدخلات استعجالية واسعة النطاق لحماية الموارد والأوساط الطبيعية.

V- التدخلات المتخذة لمكافحة الترمل.

1- مبادرات الفلاحين:

منذ مدة طويلة لم يبرح السكان المحليون في مكافحة ظاهرة الترمل. وقد وضعوا لذلك تقنية تقليدية نابعة من تجاربهم المحلية. ومن بين هذه التقنيات: الحجارة، حباك الجريد على جوانب القطع، رفع الرمال… ورغم محدودية هذه التقنيات فقد مكنت الفلاحين على الأقل من التصدي لهذه الظاهرة والحفاظ على ديمومة الوسط، هذا فضلا كون البعض يقاوم الترمل بطريقته الخاصة وبوسائله المتاحة( ). وهكذا يشكل تدخل السكان المحليين عنصرا أساسيا ومحددا أثناء الأوراش الكبيرة والضخمة لمكافحة الترمل. وإذا كانت الساكنة لم تشارك منذ البداية في برامج المكافحة، فإنها اليوم تلعب دورا مهما في هذا الباب، وذلك بعد عمليات التحسيس التي نظمتها المصالح المعنية وبعض جمعيات المجتمع المدني( ).

2- تدخل الدولة:

من خلال الخسائر الهامة التي أحدثها الترمل، وتدهور المساحات الزراعية أو بالأحرى تزايد المساحات المرملة، أخذت السلطات المحلية وخاصة مصلحة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بتافيلالت ومديرية المياه والغابات بالرشيدية على عاتقها مسؤولية المكافحة حيث تم إعداد برامج أولية بالمناطق الحساسة( ).

وتتجلى أهداف هذه البرامج في تجميع السكان وإشراكهم في الأوراش، تعبئتهم وتهييئهم للمشاركة في مجهودات الدولة. فالتعاون بين م.ج.أ.ف.ت. والفلاحين المستفيدين ينظمه اتفاق يحدد تحملات كل طرف. في هذا الصدد يتعهد المكتب الجهوي بتحمل ما يلي: إنجاز البرامج، تأطير الأشغال ومتابعتها، التزويد بالمواد التي تحتاجها الأوراش (الجريد، المصدات، الصفائح الإسمنتية…)، ومقابل ذلك يتحمل السكان المحليون ما يلي: توفير 50% من اليد العاملة طيلة الأشغال، صيانة وحراسة وسائل وأجهزة التصدي. وقد استطاع المكتب الجهوي التخفيف من مضاعفات الوضعية، إذ حققت تدخلاته إلى حدود 1998 ما يلي: 

  تثبيت حوالي 153هكـ من الأكوام الرملية بواسطة سعف النخيل. 

  وضع حوالي 3500م خطي من الحواجز الميكانيكية المصنوعة من الصفائح الإسمنتية. 

  حرث 20 هكـ من الأكوام الرملية بواسطة أغراس تماريك وداتربلكس. 

  حماية 900 هكـ من الأراضي المستعملة للتنقل والربط.

ورغم هذه المجهودات، فإن المساحات التي غطتها الرمال بواحة تافيلالت تقدر بحوالي 3500 هكـ. وتهدد الرمال اليوم أكثر من 60% من الأراضي الزراعية، وأكثر من 10كلم من مقاطع الطرق. ولأجل حماية هذه المنشآت تم تثبيت حوالي 500 هكـ من الأكوام الرملية.

IV- تقنيات مكافحة الترمل.

إلى حدود اليوم، ركزت أوراش مكافحة الترمل على تقنيات ذات طابع علاجي، إذ انحصرت في تثبيت الكثبان والصيانة بواسطة حباك الجريد وأشرطة التصدي على مستوى قطاعات التراكم، بينما لم تشكل قطاعات التآكل أي موضوع للتدخل. وهكذا يمكن أن تطول مدة التصدي تبعا لتحرك الرمال، وقد تتسع تبعا لتدهور الغطاء النباتي، خصوصا وأن بعض القطاعات الحيوية بالواحة تعرف تغذية رملية مفرطـــة (حنابو، أولاد غانم، هارون، مـــرزوكَة، حاسي البيض، …).

1-التصدي الميكانيكي:

ويضم التقنيات التي تستعمل وسائل تثبيت مثل اللوحات المتموجة والفيروسيمات Fibrociment، وبعض الوسائل المحلية مثل الجريد، القصب، أغصان الأشجار… هذه الوسائل تهدف كلها إلى التصدي للرمال أثناء هبوب الرياح. 

  لوحات الفيروسيمات: من بين إيجابياتها سهولة العمل الذي يمكن أن ينتهي في أي لحظة. هذا بالإضافة إلى تطلبها ليد عاملة محدودة. وتعتبر هذه الوسيلة فعالة لكونها تساهم في تسريع وتيرة الأشغال. كما يمكن رفعها إلى الأعلى أثناء اكتساحها. لكن مع ذلك تبقى ذات مزايا سلبية: فإلى جانب نذرتها فإن سعرها مرتفع (105.000 درهم/كلم خطي) وتتطلب صيانة منتظمة. 

  الجريد: يعتبر وافرا بالمنطقة وخاصة بالنسبة للنخيل المهجور. وتكمن فعاليته في نفاذيته للرياح. لكن يتطلب يد عاملة كثيرة عند وضع الحباك. هذا الأخير يتطلب بدوره كميات كبيرة من الجريد: 16 جريدة/م خطي (0,60 إلى 0,80 درهم/جريدة، وهو ما يعادل 10 إلى 13 درهم/م خطي). وفي حالة اكتساحه بالرمال، فإنه يتطلب وضع حباك جديد. هذا بالإضافة إلى كونه يكون معرضا أكثر لأخطار الحريق. وبالنسبة للخطارات، يتم بناء فوهة العين بأحجار مثبتة من أجل تلافي اكتساحها بالرمال.

2-التصدي البيولوجي:

إذا كان التصدي الميكانيكي يهدف إلى إنشاء حواجز ما بين مصدر الرمل والهدف المراد حمايته، فإن التصدي البيولوجي يستعمل وسائل نباتية حية. فالتصدي الميكانيكي يلعب دورا هاما، لكن لا يمكنه أن يؤمن التثبيت الدائم للكثبان، إذ يتطلب صيانة مستمرة، مما يثقل من سعر الصيانة. ولذلك فإن زرع غطاء نباتي يبقى ضروريا لتدعيم دور الحواجز الميكانيكية وتبديلها على المدى المتوسط والبعيد. يعتبر الغطاء النباتي وسيلة بيولوجية فعالة لمقاومة التعرية.

ولهذا الخصوص يجب أن تكون هذه الوسيلة موازية للمقاومة الميكانيكية. ذلك أنه عندما تتدهور وسائل التثبيت الميكانيكية فإن الوسائل النباتية تقوم مقامها. في هذا الصدد يجب انتقاء النباتات المستعملة في المقاومة، وذلك بالنظر إلى الظروف البيئية الصعبة مثل:Tamarix aphylla و Calligonum azel وAtriplex halimus و Atriplex numularia وcomosum Calligonumو Cornulaca monacanta و Cornulaca monacantha و Nitraria retusa و Stipagrostis pungen و Retama retam.( )

ولإنجاح الإنبات من الضروري توفر الماء، هذا الأخير يجب تحديده قدر الإمكان ليس فحسب من أجل تقليص سعر استقرار المغروسات ولكن من أجل تلافي زيادة الملوحة في التربة.

خلاصة

تعبر ظاهرة الترمل بتافيلات عن الأزمة البيئية التي تعيشها الواحات عامة. ورغم التدخلات المتخذة لمكافحتها فقد ظلت جل العمليات محدودة ومجزأة يشوبها الكثير من اللبس وتغيب فيها الرؤية الشمولية، الشيء الذي يحول دون بلوغ نتائج ملموسة. وعموما، فإن استراتيجية التدخل في المناطق الواحية يجب أن ترتكز على »التعبئة التشاورية لموارد التنمية المحلية وحماية البيئة »( )، وذلك انطلاقا من ما يلي: – تبني مخطط في إطار مشروع وطني لمكافحة الترمل. – ضبط مناهج المتابعة وتقويم مشاريع المكافحة. – إشراك السكان وتعبئتهم في أوراش العمل.

À propos Responsable de publication