Accueil / Non classé / سؤال الهجرة بمغرب اليوم

سؤال الهجرة بمغرب اليوم

هجرة المغاربة غير الشرعية والمقننة على السواء تشكل ظاهرة اجتماعية مرضية ـ بفتح الميم ـ تستدعي المساءلة والتحليل العلمي من أجل فهم أكبر للحلم الجديد الذي أصبح يراود الكثير من الشباب المغربي. ولضبط هذه الإشكالية سنحاول التركيز على نوعين من الهجرة، الأولى تمثلها الهجرة السرية أو ـ الحريك ـ كما يطلق عليها في اللغة العامية المغربية، أما الثانية فتجسدها هجرة الكفاءات التي تغادر الوطن وتختار الاستقرار في أوروبا وأمريكا في أفق البحث عن شروط أفضل.

الهجرة السرية على الطريقة المغربية!

أريد أن أهاجر… أريد أن أغادر البلد، تلك هي العبارات التي أمست متداولة على جل ألسنة العائلات المغربية سواء كانت متوسطة الدخل أو المسحوقة منها. فأكثر من 100 ألف مهاجر مغربي سري يركبون البحر سنويا من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى. وبما أن المسافة الفاصلة بين المغرب وأوروبا لا تتعدى 12 كلم فإنه أضحى من السهل المخاطرة بالنفس والوصول إلى ـ الفردوس الأوروبي ـ. هذا الهدف لا يتأتى بدون دعم من مافيات متخصصة في التهريب والتي تحقق عائدات مالية تقدر ب 100 مليون أورو سنويا وهو ربح يعد أصغر بكثير مما تحققه تجارة المخدرات [1] لكن بمقابل ذلك تؤدي الهجرة السرية إلى إزهاق أرواح الكثير من المغاربة. وفي هذا الإطار تقدم إحصائيات جمعية أصدقاء وضحايا الهجرة السرية أرقاما مهولة، فقد سجلت الفترة الممتدة ما بين سنة 1997 و15 نونبر 2001 وفاة 3286 مهاجرا سريا، تضاف إليهم أعدادا من المفقودين والأطفال الذين يتم طردهم من طرف السلطات الأسبانية على الحدود من مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين والمعروفتين باستقبالهما لأكثر من 25 ألف عابر يوميا يمارس أغلبهم التهريب بكافة أنواعه.

وقبالة هذا الواقع المر تصرح السلطات المغربية بأن أفواج المهاجرين السريين تأتي أساسا من إفريقيا والشرق الأوسط وحتى من آسيا، لكن المسؤولين الأسبان يقرون بحقيقة مغايرة مفادها أن 80 في المئة من المهاجرين السريين هم من المغاربة لتوفرهم على وسائل وطرق تسهل عليهم عملية العبور سرا إلى أسبانيا. هذه الأخيرة طردت فقط خلال سنة 2001 قرابة 21 ألف مهاجر مغربي سري وأحصت قرابة 25 ألف ممن أحرقوا وثائق إثبات هويتهم.

اللجوء إلى أوروبا لا يتحقق فقط عبر ركوب مياه البحر بل يتم كذلك عبر التلاعب بالقانون والرشوة وعلى سبيل المثال لا الحصر، خلال موسم 2002، تورط نادي رياضي مغربي وهمي في تسليم العشرات من التأشيرات إثر عملية التنسيق مع الجامعة الفرنسية لرياضة الريكبي. هذا دون نسيان وسائل كثيرة يلجأ إليها المرشحون للهجرة السرية ويتعلق الأمر بالاختباء داخل الشاحنات التي يقدر عددها ب100 آلاف شاحنة تعبر مضيق جبل طارق سنويا.

مضاعفات الهجرة السرية أمست تقلق المسؤولين الأسبان بل تساهم في توتر العلاقات السياسية بين المغرب وأسبانيا والتي أمست متأرجحة، أمر دفع السفير الأسباني السابق خورجي ديسكارار إلى الإقرار بأنه منذ استدعاء السفير المغربي بمدريد وإلى حدود سنة 2001 تظل الهجرة السرية هي سبب توتر العلاقات بين البلدين.

عموما، يبقى السؤال المطروح بحدة: ماهية أسباب لجوء المغاربة إلى الهجرة السرية ؟ ماهية أبعاد هذه الظاهرة الاجتماعية ؟ أسئلة معقدة وملتبسة تتداخل فيها الكثير من العوامل وعلى رأسها العوامل الاقتصادية والسياسية التي لا مفر من طرحها. فالمغرب يمر بأزمة اقتصادية خانقة في ظلها ترتفع نسبة العطالة بشكل خطير حيث تصل ـ حسب د. المهدي المنجرة إلى 27 في المئة [2]. فاقتصاد المغرب الهش يتميز بسيطرة مجموعات صغيرة وأفراد على المجالات الحيوية للبلاد مما يعمق الهوة بين المسحوقين والمجموعات المستفيدة من النظام.)راجع بهذا الخصوص ملف أعدته ألنوفل أوبسرفاتور في عددها الصادر يوم التاسع من مارس 2006 تحت عنوان: المغرب الجديد).

حقيقة الاقتصاد المغربي المعطوب جعلت المنظمة العالمية للتنمية) PNUD (تصنف المغرب في الرتبة 124 عالميا. )راجع بهذا الخصوص تقرير المنظمة حول المغرب سنة 2005(. هذا التصنيف وحالة الاختناق التي تعاني منها البلاد على جل المستويات وأسباب أخرى،كلها تؤدي بالشباب حاملي الشواهد وذوي الكفاءات إلى البحث عن كل السبل المشروعة وغير المشروعة من أجل مغادرة البلاد كبديل مرحلي أو دائم، بل أكثر من ذلك، تشير المعطيات إلى وجود الكثير ممن يختارون العمل في المهجر ولو داخل مؤسسات لا تتناسب مع إمكانياتهم وشواهدهم.

إن مشكلة البطالة بمغرب اليوم أمست تشكل شبحا اجتماعيا خطيرا، فأعداد المعطلين تتزايد كل سنة وهي حالة يختزلها تصريح أدلى به الكاتب العام للجمعية الوطنية لحاملي الشهادات عبد الواحد الكديل في ماي 2005، والذي أكد على وجود 200 ألف معطل [3].، يتأطر جزء كبير منها في عشرات من الجمعيات والمنظمات التي تدافع عن حقوق المعطلين.

أما إذا عدنا إلى الأسباب السياسية فنجدها متعددة تتلخص في غياب إرادة الحاكمين الحقيقية لوضع القوانين والتشريعات التي تساهم في بناء دولة الحق والقانون. فالمواطنة والشغل هما بمثابة حقوق يجب أن تضمن لكافة المغاربة دون تمييز، وهذا ما يجعل من فتح النقاش حول مشروع الدولة الديموقراطية أمرا ملحا على المستويين الداخلي والخارجي، وعلى ضوءه يفتح ملف تغيير الدستور ووضع مخطط تنموي حقيقي ومتوازن يستجيب لتطلعات المغاربة. إن دولة الحق والقانون كما تعرفها النظم الدولية ودور الإتحاد الأوروبي كشريك أساسي في عملية التنمية بالمنطقة من شأنهما المساهمة في إبعاد شبح المخاطرة بنفوس المواطنين، وهي مطالب صعبة التحقيق في ظل الشروط الآنية التي ما تزال فيها العقلية القديمة هي سيدة الموقف، إضافة إلى أخطار ظواهر التطرف، الانحراف والتمرد بكافة ألوانه.) أحداث ماي الإرهابية، احتجاج المواطنين ضد غياب الأمن بالعديد من المدن المغربية الخ).

هجرة الكفاءات أو صورة المغرب اليائس!

يعد موضوع هجرة الكفاءات أعقد من سابقه نظرا لتتعدد خيوطه وأسبابه وكذلك لغياب معطيات دقيقة من شأنها أن تسمح لنا بتعميق النظر في إشكاليته.فالآلة الإحصائية المغربية مازالت عتيقة ولا تقدم ما يشفي في هذا الباب.

و محاولة منا من تقريب صورة هذا النوع من الهجرة المغربية، لابد أولا من الإشارة إلى أن الحديث عن هذه الظاهرة انطلق منذ أن أعلنت البرازيل، مصر، إيران ونيجيريا سنة 1967 تقديم طلب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل إنجاز دراسة علمية حول ملف هجرة الكفاءات والعقول عالميا.

ثانيا، كل تحليل لظاهرة هجرة الكفاءات يستحضر بالضرورة سؤال الأسباب والتي تختزل في حضور شروط أساسية على رأسها: محيط سوسيو ثقافي متخلف، بنية البحث العلمي المتجاوزة والتي تعري عن إرادة أصحاب القرار في تخصيص 0,2 في المئة من الناتج الخام للبحث العلمي في الوقت الذي نجد فيه بلدان كالصين تخصص 9 في المئة، أما الإتحاد الأوروبي فيخصص 178 مليار سنويا لدعم البحوث العلمية وتطوير شروط بنائها. ترى كيف يمكن للكفاءات المغربية أن تستقر في وطنها الأم وهي تكتشف أنها متجاوزة زمنيا وعلميا، فبنية البحوث العلمية لا يمكن لها مقاومة السيل الجارف للمقالات المتخصصة التي تنتج يوميا؟ فحسب د. المنجرة هناك 600.0000 مقالة تنشر في 65 ألف مجلة علمية كل سنة دون الحديث عن 2500 عنوان لمطبوعات جديدة تصدر كل يوم، هذا مع الإشارة إلى أن 90 في المئة من البحوث تنشر باللغة الإنجليزية [4]. إذن القول بوجود بحث علمي بالمغرب يعد ضربا من ضروب الخيال بل تجاوزا لمنطق الاستثمار العلمي المحدد بالأرقام، الهياكل، النظم وبالموارد البشرية والتي تشكل خسارة كبرى للمغرب تصل نسبتها إلى 20 في المئة مما يجعل البلاد مقبلة على كارثة اجتماعية وإقتصادية ستمس كل المجالات الحيوية. بالمقابل ـ وهذا هو الغريب في الأمر ـ تسجل عائدات المهاجرين بما فيهم الكفاءات المغربية أرقاما مهمة. ففي الفترة الممتدة بين سنتي 1968 و2003 نجد أن تحويلات المهاجرين المالية وصلت إلى 34,733,8 مليون درهم بحيث تضاعفت النسبة 174 مرة خلال الفترة السالفة الذكر) إحصائيات مكتب الصرف المغربي (. هذا الارتفاع تعززه أرقام البنك الدولي التي تشير إلى أن المغرب يصنف في المرتبة الأربعين بعد الهند في ما يخص صرف العملات من طرف المهاجرين لتكون نتيجته الأساسية هي وصول الموارد المالية المغربية سنة 2002 إلى حدود 3,3 مليار دولار. السؤال المطروح: أين تصرف هذه الأموال وإلى أي مدى تستجيب لطموحات المهاجرين وآفاقهم العلمية والتنموية عامة ؟هل أموال المهاجر مفيدة وضرورية للبلاد أما حقوقه فمهضومة؟ ما الفائدة من تأسيس المجلس الأعلى للمهاجرين المغاربة ووضع فكرة تمثيلهم سياسيا داخل وطنهم بمشاركتهم في الانتخابات بالرغم من أن الشروط الضرورية مازالت غير متوفرة ؟ الإجابة عن هذه التساؤلات لابد أن يرفع الحجاب عن حقيقة غياب التنظيم والعقلنة للمشاريع التي تخص مجتمع برمته. ويكفي أن نقول ـ بغض النظر عن الشعارات والإجراءات الصورية ـ أنه لحدود الساعة لم يتم فتح نقاش حققي حول كيفية تفعيل دور المهاجرين في التنمية بما فيهم الكفاءات التي غادرت البلاد منذ عقد من الزمن وكأن أصحاب القرار المغربي في غنى عن خدمات جزء كبير من المواطنين!

ما العمل؟

مجرد إلقاء نظرة عامة حول ظاهرة اللجوء الجديدة التي بموجبها يختار المغاربة الهجرة سواء السرية منها أو المقننة لضمان لقمة العيش أو إيجاد شروط علمية وسوسيوثقافية معقولة تسمح بالإنتاج والتطور إلا ونتساءل: ما العمل لتجاوز هذه الكارثة الاجتماعية ؟

العديد من التحليلات والكتابات الصحفية المحايدة تلح على ضرورة انخراط المغرب في بناء دولة الحق والقانون وما يترتب عنها من إجراءات معتمدة لإنصاف كل المواطنين اعتمادا على معيار الكفاءة والوضع الاجتماعي ووفق مبادىء حقوق الإنسان التي تضمنها المواثيق الدولية. فلابد من فتح نقاش واضح من أجل صياغة دستور شعبي وديموقراطي يضمن كافة الحقوق لكافة أفراد الشعب، كما لابد من وضع استراتيجية وطنية لجلب الكفاءات المغربية بالخارج وخلق مناخ صحي لهذه الأطر من أجل الاستفادة من طاقاتها في كل المجالات سواء انطلاقا من البلدان التي تحتضنهم أو داخل المغرب دون إقصاء أو تهميش، فتكنولوجيا الاتصال والإعلام تسمح بخلق تواصل فعال بين الأطر في كل بقاع العالم. ونضيف إلى ذلك ضرورة تخليق الحياة العامة وداخل المؤسسات وبث روح المسؤولية بعيدا عن المناورة والتلاعب.

لاشك أن هذه المقترحات يجب أن تدخل في إطار نقاش وطني مسؤول حول المشروع المجتمعي الجديد الذي يجب أن يختاره المغرب في كل أبعاده كبديل مرحلي يقطع مع ماضي سنوات الظلام ويدشن لحقبة جديدة على أرض الواقع.

 

الاربعاء ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٦ بقلم محمد نبيل

 

http://khouribga.blogs-de-voyage.fr/album/سؤال_الهجرة_بمغرب_اليوم