Accueil / Non classé / الهجرة السرية بإسبانيا : من سياسة التشريع إلى إجراءات الترحيل

الهجرة السرية بإسبانيا : من سياسة التشريع إلى إجراءات الترحيل

 Auteur: Rachid BEDDAOUI

 

الهجرة السرية، باعتبارها حركة غير طبيعية، أصبحت أكثر الملفات إثارة للقلق في المشهد الدولي، هدا علاوة على أنها تعد من بين الأسئلة الأكثر إرباكا للحسابات السياسية في العلاقات الدولية خاصة في ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

فالتغيرات والتطورات المتسارعة التي عرفتها ظاهرة الهجرة في أشكالها ودينامياتها جعلت الموضوع يحظى في العقود الأخيرة بأهمية كبرى ضمن مختلف الدراسات الأكاديمية واللقاءات الدولية،ليصير اهتمام العديد من المؤسسات الحكومية وجمعيات المجتمع المدني، وشكل محور العديد من الاتفاقيات الثنائية والجماعية بين مختلف الدول. فما من لقاء رسمي ثنائي وغير رسمي إلا وأصبح فيه الموضوع ضمن أولويات الأجندة المطروحة على المسؤولين، وفي ذلك تأشير على قوة الموضوع في صياغة السياسات المستقبلية وبناء العلاقات الدبلوماسية الثنائية.

ولم يكن هذا ليكون لولا أن التطورات الاقتصادية، السياسية والاجتماعية التي عرفها العالم والمرتبطة بعولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة في إطار ما يسمى “بالنظام العالمي الجديد” قد عجلت في المرحلة الراهنة بتدفق المهاجرين السريين من ضفة الجنوب الفقير والمهمش إلى بلدان الشمال الوافرة فيها فرص الشغل والعيش الكريم. فالمعطيات والتقارير والإحصائيات المتعلقة برصد الظاهرة وتشخيصها تشير إلى أن قضية المهاجرين السريين من بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط نحو القارة العجوز شهدت تطورات مهمة ومتسارعة في السنوات الأخيرة، وذلك بارتفاع عدد المهاجرين اللاشرعيين الذين تمكنوا من الدخول إلى الأراضي الأوربية،الأمر الذي دفع بالاتحاد الأوروبي إلى سن سياسة متشددة بشأن الهجرة إليه من دول الجنوب. هذا التوجه الجديد يسعى إلى تقنين الظاهرة وتنظيمها عبر سياسة هجرة تقوم على تنظيم عملية التجنس والحد من التجمع العائلي ومحاربة الهجرة غير النظامية بالإضافة إلى ما سبق أصبحت الهجرة ،رهانا رئيسيا واستراتيجيا في العلاقات بين دول الجنوب والشمال ورقما مهما في المعادلة المتوسطية، إن لم نقل إنها من أكثر الملفات المؤثرة في تدبير مشروع الشراكة الأورومتوسطية الهادفة إلى تحقيق الأمن والسلم والرفاه الاقتصادي.

ونظرا لصعوبة تدبير هذا الملف المعقد والمتشابك الأطراف سعى الاتحاد الأوربي إلى بلورة سياسة إزاء البلدان المصدرة لتدفقات الهجرة وبلدان العبور، أخدا بعين الاعتبار أن إيقاف زحف المهاجرين السريين لا يمكن أن يكون خارج إطار إستراتيجية شمولية واضحة ترتكز على الجانب التنموي بما يتوافق مع المعاهدات والمواثيق الدولية ،خاصة معاهدة جنيف الخاصة باحترام حقوق المهاجرين وعائلاتهم، وكذا بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولم يكن هذا ليكون لولا أن المقاربة الأمنية التي يهدف من خلالها الاتحاد الأوربي مراقبة حدوده والتصدي لظاهرة الهجرة السرية بشكل أحادي وإغلاق الحدود في وجه المهاجرين بدون كفاءات وطالبي اللجوء السياسي أبانت بشكل واضح عن فشلها في معالجة الظاهرة.

وما يبرر الطابع الأمني الذي يطغى على السياسة التي ينهجها الاتحاد الأوربي في مجال تدبير ملف الهجرة هومصادقته يوم الأربعاء 14 يونيو 2008 على قانون يقضي بترحيل كل الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني بدول الاتحاد الأوربي ويقضي هذا القانون على إمكان إبعاد المهاجرين أو احتجازهم لفترة لا تتجاوز 18 شهرا ونفيهم 5 سنوات بعد الإبعاد.

فهل الترحيل سيكون الحل الأنجع لحل المعضلة؟ وهل تشريع وضع المهاجرين يشجع على المزيد من الهجرة؟.

تشير الإحصائيات الرسمية أن أكثر من أربعة ملايين مهاجر يقيمون بإسبانيا بطريقة قانونية فيما تقدر السلطات الذين يقيمون بدون وثائق رسمية بحوالي نصف مليون شخص ومنذ نحو عقد كان عدد المهاجرين في اسبانيا يمثل 2 % من السكان ، ولكن ارتفع هذا الرقم إلى أكثر من 10% في الوقت الحالي حيث أتى 20% منهم من أفريقيا.

وتشير التقديرات الحكومية الاسبانية إلى أن دور المهاجرين في النمو الذي تعرفه اسبانيا وصل إلى نسبة 75% وتعتبر اسبانيا من أكثر الدول التي أطلقت مبادرات إنسانية وقانونية منذ ثلاثة أعوام من اجل تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين فوق أراضيها عبر منحهم حق الإقامة وقد شرعت اسبانيا في السنوات الأخيرة من تسوية أوضاع قرابة 600 ألف عامل من أفريقيا، أمريكا اللاتينية وشرق أوربا ساعدوا في النهوض باقتصاد البلاد وقد توخت الحكومة الاسبانية من ذلك البرنامج حماية المهاجرين غير الشرعيين من الاستغلال وضمان حقوقهم المدنية والاجتماعية وتسهيل اندماجهم في المجتمع الاسباني . وتعد اسبانيا من أكثر الدول التي طبقت برنامج لتشريع أوضاع المهاجرين غير الشرعيين حيث نفذت ستة برامج منذ عام 1985 غير أن تلك الإجراءات قوبلت بالتحفظ من قبل الدول الأوربية إذ يعتبرها المسؤولون الأوربيون تشجيعا للهجرة غير الشرعية.

ويرجع هذا إلى الرخاء الذي شهدته اسبانيا في السنوات الأخيرة والحاجة إلى العمالة الأجنبية فاسبانيا تعتبر من بين الدول الأكثر تقدما و تلعب دورا سياسيا واقتصاديا بارزا وتمتلك مقومات اقتصادية عالية أدت إلى جذب استثمارات في مجالات متعددة خاصة في شبكات الاتصالات والطرق والتعمير وغيرها من البنيات الأساسية التي أهلت المملكة لاحتلال مكانة اقتصادية مرموقة داخل الاقتصاد العالمي .

لكن مع تباطؤ الاقتصاد الاسباني في السنوات الأخيرة وتراجع معدل التنمية والركود الذي تعرفه مجموعة من القطاعات الحيوية أدى إلى ارتفاع معدل البطالة خاصة في صفوف المهاجرين بنسبة 14.7% مقابل 8.7% بين المواطنين الإسبان والذي افرز بدوره ظواهر اجتماعية كالجريمة المنظمة العابرة للحدود والتي تنشط في تهريب البشر من الدول النامية إلى اسبانيا . كل هذه العوامل دفعت بالحكومة الاسبانية لتغيير موقفها تجاه ملف الهجرة والمهاجرين. ويتجلى هذا الانحراف أساسا في الحملات التي تشنها قوات الأمن في صفوف المهاجرين غير الشرعيين لترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية . وتشير المعطيات إلى أن مشكلة الهجرة ستظل قائمة رغم الجهود الأحادية الجانب التي تبذلها أوربا في مجال الأمن نظرا للتطورات الديمغرافية المتسارعة التي تشهدها دول شمال إفريقيا وفي هذا الصدد كشفت دراسة حديثة أن اسبانيا بحاجة إلى ملايين المهاجرين الجدد خلال العشر سنوات المقبلة خاصة من الأيدي العاملة.

ووفقا للإحصائيات التي كشفت عنها هذه الدراسة التي أجريت تحت إشراف مؤسسة ” مقاولة ومجتمع ” فانه من الآن وحتى عام 2020 ستكون اسبانيا في حاجة إلى أكثر من مليوني مهاجر أي أكثر من 150 ألف مهاجر سنويا.

وبحسب الدراسة فان الاقتصاد الاسباني لا يزال يحتاج الى اليد العاملة الأجنبية في مجموعة من القطاعات الحيوية بسبب الركود الديمغرافي الطويل الذي يعيش فيه المجتمع الاسباني ( تراجع نسبة الولادات بمعدل طفل لكل أسرة اسبانية بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الشيخوخة بين الاسبان ).

وفي نفس الاتجاه يرى بعض الخبراء ان المجتمع الاسباني يشهد تحولا راديكاليا في بنيته الاقتصادية والاجتماعية وان نسبة المهاجرين سترتفع بشكل ملموس في السنوات العشر المقبلة اغلبهم سيأتون من الشرق والغرب أي من أوربا الشرقية ومن أمريكا اللاتينية والذين ستصل نسبتهم إلى أزيد من 80 % فيما سيتراجع عدد المهاجرين المسلمين القادمين من شمال إفريقيا وبلدان جنوب الصحراء. وفي الأخير يمكن الجزم بان الاتحاد الأوربي انطلاقا من القانون الذي صادق عليه والقاضي بترحيل الأشخاص المقيمين في الاتحاد بشكل غير قانوني يكون قد اتجه نحو سياسة أكثر تشددا في مجال تدبير الملف وهو ضرب للطابع الكوني لحقوق الإنسان باعتباره يتضمن عددا من البنود لا تتوافق مع التزامات الدول الأعضاء في مجال حقوق الإنسان وخصوصا الحقوق الأساسية للمهاجرين.

ويبين القانون كذلك أوجه القصور في الرؤية الأوربية في مجال تدبير الهجرة والتي يولي من خلالها الأوربيون اهتماما كبيرا لاحتياجات سوق الشغل الأوربي دون التركيز على التنمية والتعاون مع دول الجنوب بالإضافة إلى تركيزه على الجانب الأمني كإنشاء معسكرات لاحتجاز مهاجرين غير شرعيين وبرامج الدعم المالي والتقني لحكومات الدول المغاربية لحراسة الحدود البرية والبحرية ومن المؤكد أن كل هذه المشاريع والقوانين رغم أهميتها لا يمكن أن تكون الحل الأنجع لتدبير ملف الهجرة في غياب إستراتيجية شمولية ترتكز على التنمية وتقليص الفوارق بين الشمال والجنوب.

بقلم رشيد بداوي باحث في الهجرة الدولية

 

[email protected]