Accueil / Non classé / الهجرة السرية بالمغرب لا يمكن عزلها عن الحركات الاحتجاجية

الهجرة السرية بالمغرب لا يمكن عزلها عن الحركات الاحتجاجية

Auteur: elghalbzouiri essaknaoui

 

“نعم، لقد كانت تجربة جد قاسية -خاصة على المستوى النفسي- حيث أدركت و أنا في عرض البحر تتقاذفني الأمواج يمنة وشمالا،أن جحيم الوطن أهون إلي مما كنت فيه… ولكن لا أخفيكم سرا إن قلت لكم أني سوف أرتب لرحلة ثالثة ما أن أمتثل للعلاج”

النص طبعا ليس مقطعا من رواية أو قصة، بل هو تصريح لأحد الشباب الذين اضطروا للهجرة سعيا نحو الغد الأفضل والأفق الرحب، لكن أقدار السوء كانت له بالمرصاد بمجرد أن ركبوا عرض البحر فكان أن مكث فيه يتصارع الأمواج ثلاثة أيام

الحكاية أكبر من أن يصدقها العقل أو الوجدان -كما يقول صاحبنا- ولكن يضيف “قساوة الواقع أكبر من أن تحتمل أو تصدق بعد أن قضيت سنوات طوال لأحصل على أعلى الشواهد الممنوحة وبعدها سنوات لا تقل عن الأولى تهت خلالها بين الإدارات والشركات بحثا عن لقمة عيش. في بلد آمنت أنه في حاجة إلى كل أبنائه و شبابه في زمن أصبحت فيه الموارد البشرية وكفاءاتها الرأسمال المتجدد للدول والشعوب، ولكن وطننا للأسف فرط في بناته وأبنائه من الأطر والسواعد وراح يمضي في مسلسل الزبونية والانتقاءات المزاجية”

و يضيف عزيز ونحن نسأله عن نداء يوجهه إلى الشباب فقال: “صراحة ليس لدي أي نداء، أو قل ليس لدي الكلمات الكافية أو هي منعدمة تلك التي تستطيع أن تعبر عن هذا النداء. ولكن إن كان ولابد، فإني أقول استفتوا ضمائركم فالوطن ينادكم، الوطن ينادكم، فأجهش بالبكاء”

نعم، فكثر هم الشباب الذين لم يتسع لهم هذا الوطن أو قل لم يعد يتسع لأحلامهم في الحياة والعمل والديمقراطية… فاضطروا إلى اختيار الضفة الأخرى حتى وإن كانوا يعلمون علم اليقين أن الوصول إلى هذا الفردوس المفقود لن يكون بالأمر الهين

فمن منا في هذا الوطن لا يتذكر أبا،أخا، جارا، صديقا… بلعه منه البحر وهو في طريقه إلى هذه الضفة، التي أصبحت تستأثر باهتمام الشباب المغربي الذي لم تعد الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي التي تدفعه فقط للهجرة، بقدر ما البحث عن متنفس جديد لتفجير طاقاته وإبدعاته، هي من أهم الدوافع والأسباب، لأن الكثير منهم ترك مورد عيش مهم واختار الارتماء في أحضان المتوسط خير من أن تداس كرامته في وطن اعتقد الأجداد والآباء أن الاستقلال وحده سيضمن الكرامة والحرية والديمقراطية، غير أن الواقع كان عكس ذلك حيث أغلب المناطق لم تنل من مسيرة المغرب نحو التنمية إلا النزر اليسير، وظلت عرضة لمختلف أشكال التهميش الذي استغله عديمي الضمير -كل من موقعه- لينشروا البؤس واليأس في صفوف الشباب وعلى مختلف الواجهات

أوضاع تأكد خلالها لهؤلاء الشباب – بعد سنوات لم تخلوا من رصاص اخترق أجسادا هشة لمجرد أن هتفت بأعلى صوتها منادية بالكرامة – أن الموت في البحر قد يثير على الأقل شفقة وانتباه من بيدهم الشأن السياسي والاقتصادي بهذا الوطن، لأن وتيرة الهجرة السرية اليوم لا يمكن عزلها عن باقي الحركات الاحتجاجية التي يعرفها المغرب، الأمر الذي يفرض أن نستدرج أذهاننا نحو التفكير الجدي عوض الاكتفاء بالتعاليق الصحفية التي تسرد الوقائع والأحداث، دون أن تركز على الأبعاد الاجتماعية والنفسية لهذه الظاهرة التي تسحق يوميا عشرات الشباب، والدولة بجهاتها الرسمية وغير الرسمية لم تحرك ساكنا إزاءها حتى و نحن نفقد يوميا ما لم تفقده دول في الحروب فأي مبرر اليوم للسكوت عن هذه الجرائم التي أصبحت تفاصلها تلوكها الألسن قبل وسائل الإعلام؟ ألم يحن الوقت بعد- ونحن فقدنا آلاف الشباب- لنسائل المقاربة الأمنية التى لم تعد ذات جدوى في هذا الميدان أو غيره؟ أليس من الأجدى بباحثينا أن يكفوا عناالدراسات ذات المنحى الإحصائي والانطباعي ليس إلا…؟

إن قضية الهجرة والهجرة السرية بالخصوص أصبحت أكبر من أن تختصر في أرقام وأعداد، وأن تذكر في قصاصات الأخبار لهذه الوكالة أو تلك، وأن يكتفى في البحث عن دوافعها وأسبابها، ويؤسس لها مراكز ومديريات 

إنها صرخة شباب أمام واقع الفساد الإداري والاقتصادي الذي تعيشه الدولة المغربية، صرخة أمام االملايير لتي تسرق وتختزن في جيوب أولئك الذين وفروا لأنفسهم الحماية

إن القضية أصبحت “خيارا” حقق حوله الشباب المغربي إجماعا انعدم نظيره، إجماع يؤكد -لمن هو في حاجة إلى ذلك- فساد الاختيارات الإقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة المغربية الحديثة، حتى أصبح الكل يعيش على أمل الهجرة يوما ما، حيث المقام هنا لن يكون إلا مؤقتا ما دام الانتماء إلى الوطن مجرد وثائق ليس إلا…

فاليوم كل الطرق تؤدي إلى أوربا -وليس إلى روما فقط- وكسب الرهان بالنسبة لهؤلاء الشباب مرتبط بمدى القدرة على إبداع واكتشاف طرق جديدة تضمن لهم الحريك بأقل الأضرار، حتى أصبح الشارع المغربي يتداول كل يوم طريقة جديدة للتهجير، كانت آخر تقليعة تفتقت عليها عبقرية بعض المختصين تتعلق ب” الحريك الجمعوي” حيث يتعلق الأمر بجمعيات تقوم بتهجير الشباب وراء ستار تبادل الزيارات واللقاءات بين الضفتين. والغريب في الأمر أن هذه “الاستراتيحية” تلقفتها حتى تلك الجمعيات التي تدعي الارتباط بالهموم اليومية للمواطنين وبالهوية، بل تدعي في ’تنظير’ لم يسبق له مثيل أنها سوف تحل محل الدولة والأحزاب

الغلبزوري السكناوي جريدة الصحوة العدد5 مارس2005 _