Accueil / Non classé / التكوين المستمر لهيئة التفتيش التربوي/مقاربة أولية لدعم وتفعيل العمل المشترك

التكوين المستمر لهيئة التفتيش التربوي/مقاربة أولية لدعم وتفعيل العمل المشترك

Auteur: عبدالعزيز سنهجي

 

يسعى التفتيش التربوي في كل أبعاده وامتداداته إلى الرفع من جودة منظومة التربية والتكوين في مفهومها الشامل، عن طريق ضبط آليات اشتغال هذه المنظومة، وضمان التنظيم الفعال والحكامة الجيدة لمختلف مستوياتها ومكوناتها. وعليه، يمكن اعتبار مهنة التفتيش التربوي من المهن ذات الخصوصية التي يصعب تدقيق مكوناتها ومجالاتها وامتداداتها الأفقية والعمودية عبر النظام التربوي، وذلك راجع بالأساس إلى طبيعة هذه المهنة و إلى الدينامية والتحول اللذين يطبعان أدوارها ووظائفها، حيث تتغير بتغير السياقات التربوية الوطنية والدولية، وتوجهات وأولويات المشاريع الإصلاحية التي يراد تجسيدها على أرض الواقع.

 

ولما كانت هذه المهنة تشكل جسرا وحلقة وصل بين مختلف مهن التعليم، وتراهن أساسا على تحقيق الانسجام في الأدوار والمهام التربوية والتكامل بين المستويات الفلسفية للمنظومة التربوية والجوانب الإجرائية للفعل التربوي الميداني، فطبيعي جدا أن تتطلب ممارستها شروطا وظروفا خاصة، بدونها يسود الارتباك في الأداء التربوي ويعم الإحساس باللاجدوى، وتتنامى نتيجة لذلك الممارسات المناهضة لكل إقلاع ومبادرة تجديدية في مجال التفتيش بكل أبعاده ومكوناته.

 

وباستحضارنا لمختلف التشخيصات التي خضعت لها منظومة التربية والتكوين في العقود الأخيرة، يتضح بأن الإصلاح التربوي المأمول لم يجد له ذلك الطريق السالك نحو عمق المنهاج الدراسي وحياة المؤسسات التعليمية والفصول الدراسية، مما يطرح السؤال حول الأسباب التي حالت دون ذلك. ودون الدخول في تفاصيل تقديم عناصر الجواب، نعتقد بأهمية التركيز على الحلقة التي بإمكانها أن تؤمن هذا الربط المباشر بين آمال وتطلعات الإصلاح التربوي والفعل التربوي المتجسد ميدانيا، عبر إعطاء الدينامية والحيوية المنشودة لاشتغال المؤسسة التعليمية، ولعل أهم حلقة يمكن أن تساهم في توطين الإصلاح التربوي في واقع مؤسساتنا التعليمية، توجد حلقة التفتيش التربوي.

 

وانطلاقا من مسح موجز للنصوص والوثائق القانونية والتشريعية المؤطرة والناظمة لمهنة التفتيش التربوي، يمكن أن نسجل مجموعة من التغيرات والتحولات التي مست بشكل عميق بنيات و أدوار ووظائف منظومة التفتيش التربوي في علاقتها مع العمل المشترك والاستقلالية الوظيفية والدور الاستراتيجي، والتي يمكن إجمال أهمها، فيما يلي: 

  الانطلاق من المنطقة التربوية كمجال للتدخل والاشتغال بالنسبة للمفتشين العاملين بها بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم وأسلاكهم، وذلك بغية ترسيخ عمل القرب والتدبير المعقلن للقضايا التربوية بداخل المنطقة التربوية، وفق رؤية تربوية تنطلق من محورية المنطقة التربوية كوحدة للتشخيص والتوجيه والتخطيط والتقويم والاستشراف، وكبنية داعمة لجودة الأداء التربوي عبر التنظيم المحكم والتدبير الجيد لمؤسسات التربية والتكوين؛

 

  المزاوجة بين التدخلات التخصصية للتفتيش و التدخلات الجماعية، تجسيدا للقيادة التربوية الجماعية وللمسؤولية الفردية وما يتطلبه ذلك من توظيف مبدع لآليات العمل الجماعي وللمسعى التشاركي، ومن توسيع لصلاحيات ومهام هيئة التفتيش؛

 

  استحضار المقاربات الحديثة في مجال التـأطير والمراقبة، التي تؤكد على كيفية مساعدة الفاعلين التربويين والإداريين على إيجاد طريقة ومنهجية في بناء وتنفيذ وتقييم برامج عملهم وفق روح تربوية يطبعها التعاقد والمصاحبة والتأطير والتكوين والتحفيز، انطلاقا من فكرة مفادها أن برنامج العمل التربوي هو آلية عملية ومنهجية للتخطيط والتتبع والقيادة تمكننا من الإجابة عن التساؤلات التالية: من سيفعل ماذا؟ متى؟ أين؟ وبأية وسيلة؟ ؛

 

  الانتقال من مقاربة تأطير الأفراد إلى مقاربة تأطير المؤسسات التعليمية، وهو انتقال ليس فقط في المفاهيم ولكنه تحول عميق يجب أن يلامس مناهج الإشراف والتأطير وأساليب الممارسة واستراتيجيات التدخل؛

 

  الحرص على ضمان الاستقلالية الوظيفية النابعة من طبيعة مهام جهاز التفتيش والكفيلة بممارسة الاختصاصات المتعلقة أساسا بالتأطير والبحث والتقويم والمراقبة، في إطار نسقي يحدد المهام والمسؤوليات والعلاقات، ويوفر شروط التواصل الفعال والسريع بين مختلف مكونات الهيئة، ويتيح فعالية التدخلات والمبادرات في الحقل التربوي، ويسمح ببلورة القرارات بالسرعة المطلوبة لتطوير أداء المنظومة التربوية؛

 

  تعزيز الأدوار الاستراتيجية التي تتطلع إليها هيئة التفتيش داخل المنظومة التربوية، عبر تجسيد التكامل والترابط والانسجام بين أدوار الهيئة، وتحقيق التوجيه الملائم والتخطيط المحكم والتكوين الجيد والتعليم النافع للتلميذ، والارتقاء بالمردودية الداخلية والخارجية للنظام التربوي في أفق دعم مقتضيات الإصلاح التربوي عبر تتبع وتقييم سيروراته ومساءلة حصيلته؛

 

  إعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية من خلال جعلها نقطة انطلاق وتتبع وتقييم الإصلاح التربوي، وربطها بمحيطها الاجتماعي العام بجميع أبعاده، ودفعها للخروج من إجراءات التنفيذ والدخول في سيرورات التجديد والإبداع واتخاذ القرار، استعدادا لاستنبات ثقافة التدبير المستقل المأمول.

 

كل هذه التحولات المتسارعة والمتلاحقة أصبحت تفرض على المفتش امتلاك منظومة من الكفايات المهنية المتجسدة أساسا في القدرة على التواصل والمصاحبة والتفاوض والبحث والإقناع والمبادرة والمرونة والتشبع بروح الفريق وامتلاك الحس المنهجي وبلورة المشاريع التربوية إعدادا وتنفيذا وتقييما وانجاز مختلف الافتحاصات السوسيوتربوية والإدارية والمالية.

 

ضمن هذا السياق الخاص، طرحت مسألة التفكير في الشروط الداعمة لممارسة مهنة التفتيش التربوي من أجل تطوير فعالية ونجاعة منظومة التربية والتكوين، ولعل من بين أهم هذه الشروط يوجد شرط التكوين المستمر، باعتباره سيرورة تربوية نمائية تطورية تستهدف التكيف مع الحقائق الثقافية والمهنية المتحركة ضمن إطار يتقاطع ويتفاعل فيه المنطق الديداكتيكي مع المنطق السيكولوجي والمنطق السوسيواقتصادي.

 

فما هو إذن، واقع التكوين المستمر للمفتش؟ وأي تكوين، يمكن أن يستوعب هذه التحولات المتسارعة التي لحقت بمهنة التفتيش التربوي، و يبلور في نفس الوقت الأدوار الاستراتيجية ويساهم في إرساء ثقافة العمل المشترك المأمول؟

 

يعتبر التكوين المستمر في منطق هذه الورقة خيارا استراتيجيا، توجهه فلسفة تهدف إلى إنماء وتطوير الكفايات المهنية لهيئة التفتيش التربوي بجميع مكوناتها قصد إقدارها على مواكبة المستجدات واستيعاب التحولات والمهام الجديدة. ويبقى هذا النمط من التكوين مدخلا من المداخل الأساسية لربح رهان الاستقالية الوظيفية، هذه الاستقلالية التي تتطلب تمتيع المفتش بسلطة صناعة القرار التربوي من خلال إعطائه ما يلزم من هوامش معقولة ضمانا لتقييم سريع وفعال ومحرر من كل إكراهات الانتماء للأجهزة التدبيرية والإدارية. ضمن هذا الأفق يمكن لهيئة التفتيش أن تنخرط في تجسيد أدوارها الاستراتيجية المتعلقة أساسا: بالمراقبة والتأطير والتقويم والبحث والافتحاص.

 

و بالرجوع لمعطيات الواقع المتعلقة بالتكوين المستمر، يتضح من خلال التقارير والدراسات التشخيصية والملاحظات الميدانية، وجود مجموعة من الاختلالات والإكراهات التي اعترضت التكوين المستمر لهيئة التفتيش، ويمكن إجمال أهمها فيما يلي:

 

 خضوع التكوينات المعتمدة لمنطق الظرفية وعدم الانتظام، وهيمنة الطابع النظري عليها، وخضوعها للاجتهادات الشخصية وتركيزها على قضايا تهم البرامج والمناهج والمحتويات أكثر من تركيزها على التكوين في مجال الكفايات التي تتطلبها مهنة التفتيش التربوي بكل مكوناتها، وما تعرفه من مستجدات في علاقتها بمقتضيات تطوير المنظومة التربوية وتحسين أدائها؛

 

 عدم شمولية التكوينات لمجموع المفتشين المزاولين، واقتصارها في الغالب على أعداد محدودة منهم. وتظل التكوينات في نهاية المطاف غير مستجيبة لمتطلبات إصلاح المنظومة التربوية الأساسية، وبخاصة موقع التفتيش التربوي وتدخلاته، كما أنها لا تستجيب للمستجدات المعرفية والمهنية الخاصة بالتفتيش التربوي ولحاجة المفتشين في النماء والتطور المهني؛ ولكي يساعد التكوين المستمر على ربح رهان العمل المشترك ومتطلبات الدور الاستراتيجي للمفتش التربوي، وجب الإسراع في بناء وهندسة مخطط استراتيجي يحدد رؤية مؤسسات التفتيش لتنمية هذا المجال وفق بعض المداخل الأساسية، نذكر بالبعض منها :

 

 الانفتاح على التجارب العالمية المعمول بها في مجال تكوينات هيئة التفتيش، مع استحضار التجارب المحلية المعتمدة في بعض القطاعات الوزارية الأخرى؛

 

 الانطلاق من تحليل مؤسساتي يستحضر المستجدات والتحولات التي طرأت على مهنة التفتيش وينتبه للتكوينات الملائمة للوظيفة، وإعادة التأهيل وتنمية الكفايات المطلوبة ودعم التجارب الناجحة وتعميمها؛

 

 تحديد وتحليل الحاجيات الأساسية من التكوين المستمر عبر اعتماد الأدوات والآليات المناسبة؛

 

 تخطيط العمليات وتحديد الوسائل والموارد الضرورية لتنفيذ سياسات التكوين؛

 

  بناء عدة للتقويم تمكن من تتبع وتقييم أثر التكوين على الممارسة الميدانية وعلى المردودية الداخلية والخارجية للمنظومة التربوية؛

 

  إدراج خطة التكوين ضمن السياسة العامة للمؤسسة المشرفة على تكوين. وفي أفق بلورة عناصر هذه الاستراتيجية، وبالإضافة لكل ما سبق، وجب الانتباه لنسق التفتيش التربوي في بعده الشمولي عبر استحضار كل أبعاده وبنياته وأدواره في أفق إحداث التغيير المأمول، هذا النسق الذي يأخذ في منظورنا ثلاث صور أساسية:

 

 النسق النظري / المثالي: يتمثل في مختلف النظريات والمقاربات والنماذج المحددة من طرف مؤسسي وواضعي نسق التفتيش، والتي ينبغي تحيينها وتطويرها وإغنائها انساجما مع التحولات الوطنية والعالمية المؤطرة لمجال التفتيش التربوي؛

 

 النسق الحقيقي/ الواقعي: بمثابة نسق وليد عن النسق النظري، ويختلف عنه تحث تأثير معطيات الواقع و إكراهاته غير المتوقعة والتي يتم إغفالها أثناء عمليات التنظير، وغالبا ما تربك الممارسة الميدانية وتحدث الفارق بين مرامي ومقاصد النسق والجوانب الإجرائية لهذا النسق؛

 

 النسق النفسي – الاجتماعي: كنتاج لمختلف التفاعلات والتمثلات النابعة من قناعات وانتظارات ومصالح الفاعلين الأساسين في المجال، والتي أصبحت تتطلب مجهودا وتعبئة شاملة قصد تخليصها من عناصر الجمود والاستسلام.

 

وإذا كان لكل هذه المستويات من نسق التفتيش أهميتها ومركزيتها في قيادة التغيير المخطط في المجال التربوي، فإن التغيير المراهن عليه في إطار هذا النمط من التكوين لا يهدف فقط إلى إحداث تغيير في النسق الداخلي للتفتيش عبر إغناء التمثلات وتعزيز السلوكات المطلوبة وتطوير المواقف، وإنما إلى تغيير هذا النسق نفسه من خلال إحداث قطيعة في بعض الجوانب المتعلقة بالباراديغمات والسلوكات والأنماط الثقافية.

 

بناء على كل ما سبق، تبرز أهمية إعداد وصياغة مخطط استراتيجي للتكوين المستمر يركز على المجالات المشركة بين هيئة التفتيش، وتسهيلا لذلك نقترح بعض المجالات الأساسية المكونة لهذا المخطط: مجال البحث التربوي: أنماط البحوث المطلوبة: بحوث التشخيص، بحوث التدخل والتطوير، بحوث التقويم؛ تقنيات البحث: تقنية المقابلة، تقنية المجموعة البؤرية، تقنية المجموعة الإسمية، تقنية ديلفي، تقنية تحليل المضمون…

 

مجال اشتغال المؤسسات التعليمية: المدرسة الموجهة، التربية على المهن، التربية على التوجيه، المقاربات البيداغوجية الحديثة، التقويم المؤسساتي، برامج العمل، مشاريع المؤسسة.. مجال آليات اشتغال مؤسسات التفتيش التربوي: برامج العمل التربوية للمناطق التربوية ومجالس التنسيق ، مشروع المنطقة التربوية ومشاريع المجالس الجهوية والإقليمية للتنسيق، الشراكة التربوية، أخلاقيات مهنة التفتيش؛ مجال الحكامة والتدبير والتواصل: مراقبة التدبير والجودة، الحكامة التربوية، تدبير التغيير، تدبير النـزاعات، التدبير التشاركي، القيادة بالمؤشرات، التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، التواصل والتفاوض، التخطيط الاستراتيجي، التعاقد، المصاحبة، تقنيات اتخاذ القرار؛

 

مجال المقاربات السوسيولوجية العامة: المقاربة المؤسساتية، المقاربة التنظيماتية، المقاربة النسقية، المقاربة النسقية الاستراتيجية؛ مجال هندسة التكوين: تدبير سياسات التكوين( السياسات العمومية للتكوين، الاقتصاد والتكوين، المقاربات العالمية)، هندسة التكوين( تدبير الموارد والكفاءات، منهجية هندسة التكوين، تدبير المشاريع ومقاربة الجودة، أدوات وعدة التكوين، التدبير المحاسباتي للتكوين) ، مجال سوسيولوجيا التكوين: تحليل العمل والوظائف والكفاءات، الافتحاص السوسيوتربوي ، سوسيولوجيا التنظيمات، الاستشارة ومصاحبة الأفراد، الميثاق الأخلاقي للتكوين ، الآليات الديمقراطية لتحديد واستخلاص الحاجيات، التفاوض حول مشاريع التكوين.

 

في الختام، ولاعتبارات منهجية تقتضيها أهداف وحدود هذه الورقة، حاولنا التركيز على بعض مجالات التكوين المستمر المساعدة على دعم وتفعيل العمل المشترك بين هيئة التفتيش، وذلك عبر استيعاب التحولات والتغيرات التي تقع في مساحة العمل المشترك، دون أن ينسينا ذلك بالطبع أهمية التكوين الأساس المشترك للهيئة في بعض المجالات بداخل جدع مشترك ينبغي إحداثه في مركزي تكوين هيئة التفتيش. و لا ندعي بأننا سلطنا الضوء بما فيه الكفاية على المجال المبحوث عبر هذه المساهمة، وإنما حاولنا قدر الإمكان التقاط بعض العناصر الأساسية المساعدة على التفكير حول ملف لم ينل حقه من الدراسة والتحليل، ولازالت تكتنفه الكثير من الصعوبات والإكراهات التي تحول دون مأسسة العمل المشترك، ونأمل أن تكون هذه المقاربة الأولية قد شكلت أرضية مساعدة ومحفزة على فتح نقاش تربوي أكاديميي حول « باراديغم مهنة التفتيش » بأبعاده النظرية والعملية والسلوكية، باستحضار تام لمختلف التراكمات والتجارب الوطنية والدولية في مجال التفتيش التربوي، في أفق الإمساك بالحد الأدنى من الكفايات العامة والخاصة المطلوب التحكم فيها قصد تجسيد ممارسة مهنية متبصرة ومنسجمة مع منطق العصر المتسم بكثرة التحولات، ومستوعبة للوظائف المنتظرة والأدوار الجديدة.

 

عبد العزيز سنهجي/ مفتش منسق مركزي لمجال التوجيه التربوي

 

الرباط في : 21 ماي 2010

 

المراجع المعتمدة:

 

 المجلس الأعلى للتعليم، دراسة حول وضعية التفتيش التربوي، يوليوز 2009

 عبد العزيز سنهجي، التفتيش في مجال التوجيه التربوي بين طموحات الإصلاح وإجراءات التفعيل، الجريدة التربوية، العدد،22 . 

 Michel, Fabre, « Penser la Formation », Paris, Puf, 1994.

À propos Responsable de publication