Accueil / Non classé / مهنة التفتيش التربوي ، سؤال راهنية التحولات والانتظارات

مهنة التفتيش التربوي ، سؤال راهنية التحولات والانتظارات

Auteur: عبد العزيز سنهجي

مهنة التفتيش التربوي سؤال راهنية التحولات والانتظارات

عبد العزيز سنهــجـى/ مفتش منسق مركزي لمجال التوجيه التربوي

 

انطلاقا من مقتضيات المرسوم رقم 2.11.112 الصادر بتاريخ 25 غشت 2011، والذي أناط بالمفتشية العامة مهاما تتعلق أساسا بالتفتيش والمراقبة والتدقيق وتقييم المصالح المركزية واللامركزية، والتنسيق والتواصل مع مؤسسة الوسيط، والتعاون مع كل من المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة؛ وعبر تحليل للوثائق القانونية والنصوص التشريعية المؤطرة والناظمة لمهنة وبنيات التفتيش التربوي، يمكن استخلاص مجموعة من التغيرات والتحولات التي مست بشكل عميق مهنة التفتيش بمنظومة التربية والتكوين، في امتداداتها الأفقية والعمودية، وبمستوياتها المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، وفي علاقتها بالعمل التخصصي والمشترك والاستقلالية الوظيفية المنشودة والدور الاستراتيجي المأمول، والتي يمكن إجمال أهمها، فيما يلي:

 

  الانطلاق من المنطقة التربوية كمجال للتدخل والاشتغال بالنسبة للمفتشين العاملين بها بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم وأسلاكهم، وذلك بغية ترسيخ عمل القرب والتدبير المعقلن للقضايا التربوية بداخل المنطقة التربوية، وفق رؤية تربوية تنطلق من محورية المنطقة التربوية كوحدة للتشخيص والتوجيه والتخطيط والتنظيم والتقويم والافتحاص والاستشراف، وكبنية داعمة لجودة الأداء التربوي عبر التنظيم المحكم والتدبير الجيد للمؤسسات التعليمية المكونة للمنطقة التربوية؛

 

  المزاوجة بين التدخلات التخصصية للتفتيش والتدخلات الجماعية، تجسيدا للقيادة التربوية الجماعية وللمسؤولية الفردية، وما يتطلبه ذلك من توظيف مبدع لتقنيات التفاوض والترافع ولآليات العمل الجماعي وللمسعى التشاركي، ومن توسيع لصلاحيات واختصاصات هيئة التفتيش؛

 

  استحضار المقاربات الحديثة في مجال التـأطير والمراقبة، التي تؤكد على كيفية مساعدة الفاعلين التربويين والإداريين على إيجاد طريقة ومنهجية في بناء وتنفيذ وتقييم برامج عملهم وفق روح تربوية يطبعها التعاقد والمصاحبة والتأطير والتكوين والتحفيز، انطلاقا من فكرة مفادها أن برنامج العمل التربوي هو آلية عملية ومنهجية للتخطيط والتتبع والقيادة تمكن من الإجابة عن التساؤلات التالية: من سيفعل ماذا؟ متى؟ أين؟ وبأية وسيلة؟ 

  الانتقال من مقاربة تأطير الأفراد إلى مقاربة تأطير مؤسسات التربية والتكوين، وهو انتقال ليس فقط في المفاهيم ولكنه تحول عميق يجب أن يلامس مناهج الإشراف والقيادة والتأطير وأساليب الممارسة واستراتيجيات التدخل والفعل؛

 

  الحرص على ضمان الاستقلالية الوظيفية النابعة من طبيعة مهام جهاز التفتيش والكفيلة بممارسة الاختصاصات المتعلقة أساسا بالتأطير والبحث والتقويم والمراقبة والافتحاص، في إطار نسقي يحدد المهام والمسؤوليات والعلاقات، ويوفر شروط التواصل الفعال والسريع بين مختلف مكونات الهيئة، ويتيح فعالية التدخلات والمبادرات في الحقل التربوي، ويسمح ببلورة القرارات بالسرعة المطلوبة لتطوير أداء المنظومة التربوية؛

 

  تعزيز الأدوار الاستراتيجية التي تتطلع إليها هيئة التفتيش داخل المنظومة التربوية، عبر تجسيد التكامل والترابط والانسجام بين أدوار الهيئة، وتحقيق التوجيه الملائم والتخطيط المحكم والتكوين الجيد والتعليم النافع للتلميذ، والارتقاء بالمردودية الداخلية والخارجية للنظام التربوي في أفق دعم مقتضيات الإصلاح التربوي عبر تتبع وتقييم سيروراته ومساءلة حصيلته؛

 

  إعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية من خلال جعلها نقطة انطلاق وتتبع وتقييم برنامج العمل التربوي للمنطقة التربوية، وتقاسم منجزاتها وتجاربها مع باقي المؤسسات التعليمية، وربطها بمحيطها الاجتماعي العام بجميع أبعاده، ودفعها للخروج من إجراءات التنفيذ والدخول في سيرورات التجديد والتميز والإبداع واتخاذ القرار؛ كل هذه التحولات المهنية المتسارعة والمتلاحقة أصبحت تفرض علينا جميعا أفرادا ومؤسسات الانكباب الفوري على توفير الشروط الأساسية الضامنة لممارسة مهنية ترصد وتحدد مجالات التدخل بنظرة نسقية استراتيجية تتغيى الفعالية والنجاعة والانسجام في الأدوار والمهام التربوية، وتجسد التكامل بين المستويات الفلسفية للمنظومة التربوية والجوانب الإجرائية للفعل التربوي الميداني. لأجل كل هذا، وانسجاما مع المستجدات القانونية والطموحات والانتظارات المهنية، نقترح العمل وفق المداخل التالية:

 

 استكمال إرساء مؤسسات التفتيش على المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والمركزية، ومدها بما يلزم من مقومات وآليات وضمانات الاشتغال، مع الحرص على ترسيخ ومأسسة خدمات التفتيش التربوي عبر إعادة صياغة موقع الهيئة ضمن مساحة الفعل التربوي، وإعطاؤها دور الريادة في تتبع ومراقبة العمل التربوي باعتباره مدخلا استراتيجيا لربح رهان الإصلاح التربوي، و أخذ بعين الاعتبار أن نماء وتطور منظومة التفتيش يبقى رهينا بمدى اتساق مكوناتها الداخلية وانسجامها الخارجي مع الأنساق التدبيرية والتنفيذية المجاورة؛

 

 إن تطوير التخصصات البيداغوجية و الارتقاء بمجالات التوجيه التربوي والتخطيط التربوي والشؤون المادية والمالية من داخل المفتشية العامة للشؤون التربوية، عبر آليات التنسيق المركزي التخصصي، لم يعد ممكنا وخاصة في جوانبه التدبيرية والإجرائية الميدانية، في ظل المهام المؤسساتية الجديدة للمفتشية العامة. وعليه، أصبح من الضروري الإسراع في إرساء بنية مركزية تساهم في تدبير كل القضايا المتعلقة بالتخصصات والمجالات التربوية تجنبا لكل فراغ يمكن أن يعصف بالمكتسبات والإنجازات. إن المجلس المركزي للتنسيق بحكم مكوناته ووظائفه وأدواره المتعلقة بتطوير التخصصات وتنسيق العمل المشترك أفقيا وعموديا ودعم عمل المديريات المركزية، ومواكبة مختلف مجالس التنسيق بمستوياتها الجهوية والإقلمية، يمكن أن يشكل هيئة عليا للتنسيق التربوي تحرص على تقديم الاستشارات، وبلورة الخطط التربوية وتجسيد مختلف مشاريع الإصلاح وفق توجهات الوزارة؛

 

 تقييم مؤسساتي للعمل بصيغة التنظيم الجديد للتفتيش الذي انطلق منذ 2004، وخاصة في جوانبه المتعلقة بالعمل المشترك، وتدخلات مكوناته المختلفة سواء تعلق الأمر بمفتشي المواد الدراسية أو مفتشي مجالات التوجيه التربوي والتخطيط التربوي والشؤون المادية والمالية، نظرا لما تم تسجيله من إكراهات مرتبطة بتوزيع وتدبير الموارد البشرية وصعوبات تتعلق بكثافة وتعدد التدخلات وتفاوت صارخ في الأعداد، حيث إذا وجدت وفرة الموارد في بعض النيابات والجهات، فإننا نصطدم بالنذرة في أماكن أخرى وخاصة عندما يتعلق الأمر بمفتشي التوجيه والتخطيط والشؤون المادية والمالية ومفتشي بعض المواد الدراسية؛

 

 إعادة الاعتبار للبحث العلمي في المجال التربوي موقعا وتمويلا واستثمارا، والإسراع في هيكلته ومأسسة بنيات وفرق البحث التربوي بمختلف مؤسسات التربية والتكوين، وتوضيح وتدقيق العلاقات الأفقية والعمودية مع بنيات وهياكل التفتيش مركزيا وجهويا وإقليميا ومحليا، لتساهم انطلاقا من بحوثها العلمية الأكاديمية والميدانية التدخلية في إعداد وصناعة القرارات التربوية والإدارية على جميع مستويات وأصعدة منظومة التربية والتكوين، مع تحديد مجالات اشتغالها انطلاقا من سياسة بحثية تراعي القضايا التربوية الأفقية والعمودية، وحاجيات ومتطلبات المواد الدراسية والمجالات التربوية وانتظارات المدرسة المغربية؛

 

 الانطلاق من تحليل مؤسساتي يستحضر المستجدات والتحولات الوطنية والدولية التي طرأت على مهنة التفتيش، وينتبه لخريطتي التكوين الأساس والمستمر الملائمتين للارتقاء بالقدرات وإنماء الكفايات لممارسة المهنة وفق منطق دينامي تطوري وتنموي، يقطع مع رتابة الممارسة التقليدية، وينخرط في إطار تصور متجدد للأدوار والمهام للمساهمة في الرفع من المردودية الداخلية والخارجية لمنظومة التربية والتكوين.

 

إن التدخل عبر المستويات السالفة، يبقى دون الجدوى المطلوبة في ظل الاشتغال ضمن ظروف صعبة تجعل من مناخ الممارسة الميدانية عامل دفع وانسحاب لا عامل جذب وانخراط، وأيضا في ظل غياب لتدقيق للمهام والاختصاصات وإعادة صياغة العلاقة بين كل المتدخلين في المجال التربوي على أساس مفاهيم التعاقد والتشارك والتتبع والتقييم والافتحاص، ومساءلة النتائج وتشجيع وتثمين المبادرات وتعبئة الطاقات وتطوير القدرات التدبيرية وتحفيز الموارد البشرية وترشيد استثمارها، واعتماد معايير الجدارة والاستحقاق في إسناد المهام والمسؤوليات، مع التأطير القانوني المحكم للعلاقات المهنية ورسم حدود المسؤوليات وفق نسق للحكامة المندمجة.

 

في الختام، نأمل أن تكون هذه العناصر الراصدة لبعض التحولات والانتظارات قد شكلت أرضية محفزة ومحرضة على نقاش تربوي أكاديميي حول الممارسات المتعلقة بالتأطير والمراقبة والتقييم والافتحاص والبحث في أبعادها النظرية والعملية والسلوكية، من أجل الارتقاء بمنظومة التفتيش إلى سلطة تربوية، تتجسد بنيويا ووظيفيا وفق منظور جديد يبرز بشكل واضح ودقيق الأدوار التنموية والوقائية والعلاجية لهيئة التفتيش بكل مكوناتها، ويجسد ممارسة مهنية متبصرة ومنسجمة مع سياق دولي متسم بكثرة التحولات، وسياق وطني يعرف حراكا اجتماعيا وسياسيا يراهن على مأسسة آليات الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد عبر إرساء معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية في المرفق العمومي.

 

الرباط في : 15 شتنبر 2011