Accueil / Non classé / المواطنة و الوطن

المواطنة و الوطن

Auteur: El Filali Mouhajire Aziz

 

إن الكلام عن المواطنة ومحاولة تعريفها يقتضي منا العودة إلى الجذر الذي أتت منه الكلمة، ألا وهو الوطن. وللأسف تبدو صورة الوطن مبهمة عند الكثيرين في بلادنا المغرب. فهي ملتبسة مع مفهوم الدولة ولكل منهما تعريفه الخاص به ومعناه المستقل. فالدولة هي الشكل التنفيذي والمؤسساتي للوطن.

الوطن

 

هو المتحد، أي الحيّز الجغرافي الذي تعيش وتعتاش عليه مجموعة بشرية معينة، حيث يتفاعل الأفراد مع بعضهم ومع الأرض التي يقطنون عليها، وذلك على مر الزمان. أي أن الوطن ليس علاقة عابرة، مؤقتة وقصيرة، بل هو مجموعة من العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية، عمودياً وأفقيا وله حدود من طنجة إلى الكويرةو له صحراء مغربية على مر العصور تجمع بين الماضي و الحاضر صحراء تعتز بمغربيتها وأمنة في مغربناً.

 

الكارثة التي حصلت تتلخص بالتشويهات المتعاقبة التي حّلت على هذا التعريف، فمسخته وغيرته حتى أصبح تارة يتماهى مع النظام وتارة أخرى يعني المؤسسة التنفيذية أو المؤسسة الحزبية.. والمواطن ليس فقط مجرد فرد في هذا الوطن، والمواطنون ليسوا قطيعاً أبلها لا يستطيع غير أولي الرأي والمعرفة قيادته، بل هو قطعاً الوحدة الأساسية في بناء الوطن، وذلك بتواجده الفاعل الايجابي، وليس كينونته المنفعلة السلبية. ودون الاعتراف بالمواطن ودوره الفاعل لا يمكن أن يكون هناك وطن، بل مزرعة كبيرة أو سجن محكم الإغلاق. والوطن في النهاية هو كما نراه وكما نصنعه ونعيشه، وليس وصفة جاهزة أو قراراً دولياً.

 

المواطنة:

 

تفترض هذه الكلمة القدرة على ممارسة حقوق المشاركة في العمل العام، أي الانتخاب والترشح للمناصب المختلفة، الوصول إلى المراكز الإدارية، والتعبير عن الرأي بشكل حر في الفضاء العام. ولكن هنا ينشأ التساؤل التالي: هل مشاركة المواطنين في الشأن العام تكون بصفتهم الفردية أم على العكس كأعضاء في جماعات معينة؟ وهنا نجد رؤيتين مختلفتين لهذا الموضوع الشائك: الرؤية التي تبلورت بعد الثورة الفرنسية كما وضعها اليعاقبة، والرؤية التي اعتمدها آباء الثورة الأمريكية وحرب الاستقلال.

 

في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، فإن السود والناطقين بالإسبانية والهنود الحمر والحركات النسوية والمثليين جنسيا يطالبون، وأحيانا بنجاح، الحصول على موقع يسمح لهم بتأكيد ذاتهم سياسيا كجماعة في سبيل الدفاع عن هويتهم الخاصة. وعلى العكس من ذلك في فرنسا، حيث يسيطر مفهوم مختلف قائم على المساواة بين المواطنين وعلمانية الدولة، وهذا يحظر الاعتراف بهوية الجماعة المستقلة في الحقل العام. وبالواقع، فإنه منذ الثورة الفرنسية كان التيار المشجع على تحرر اليهود يطرح المقولة التالية: يمكن الحصول على كل الحقوق كأفراد، ولا يعطى أي حق للجماعة.

 

النظرية الفرنسية:

 

إن مفهوم المواطنة الكلي أو الشامل يشدد على وحدة الجسم الاجتماعي المؤلف من اتحاد حر لأفراد مستقلين عن كل أشكال التبعية، وتتحدد هوية المواطنين فقط بالرباط السياسي الذي يجمعهم أي التساوي بالحقوق أمام القانون. ولا يؤخذ بعين الاعتبار علاقتهم أو ارتباطهم الديني أو العرقي أو الثقافي أو الجذري. وان كانوا من جهتهم يعرّفون أنفسهم على مستوى الهوية اعتبارا من أحد هذه المعايير. وهذا النموذج هو المثال الأعلى لدى « روسو » حيث المواطن مساو تماما للآخرين جميعهم، ويساهم معهم على قدم المساواة في تشكيل الإرادة العامة.

 

لقد قلبت الثورة في فرنسا مفاهيم المجتمع المقسم إلى أجزاء ومراتب وطبقات، والذي يمارس التمييز بحق الأقليات الدينية. وبَنَت النظرة اليعقوبية للمواطنة مركزية الدولة كتتويج وامتداد للتوجه العلماني للدولة. لذلك نلاحظ في هذا المفهوم رغبة جامحة في الاستيعاب الثقافي، بإرادة لا تحترم العادات واللغات المحلية. كما أن المفهوم العلماني للدولة يرفض بشدة ومنذ المدرسة الابتدائية كل تعبير عن الانتماءات الدينية. وتذهب فرنسا في ذلك أبعد بكثير من الديمقراطيات الغربية الأخرى في نفي ورفض الارتباطات بالهوية الخاصة.

 

النظرية الأمريكية:

 

ولم يكن ممكنا للرؤية اليعقوبية أن تنجح تماما أثناء الثورة الأمريكية في 1776 ، لأنها ببساطة كانت ستؤدي إلى إلغاء الرق والاعتراف بمواطنة الهنود الحمر. ومع ذلك تبدو بعض ملامح هذه الرؤية في الشعار الأمريكي الداعي إلى ذوبان جميع موجات المهاجرين في أمة واحدة حسب نظرية قدر التذويب Melting pot . ومن هذه الرؤية فإن الإيديولوجية الليبرالية التي تسيطر على المجتمع تضع في المقام الأول الفرد وقدرته الشخصية على المبادرة والإبداع عوضا عن تفضيل مفهوم التضامن المجتمعي. ونجد المفهوم المتعدد الثقافات في الفضاء الانكلو-ساكسوني بشكل أساسي وهو يتلاءم أكثر لمواجهة التحديات التي يطرحها مجتمع متعدد الأعراق، كما هي الحال مثلا في أوروبا الشرقية أو بلاد البلقان. ولقد انتقد كثير من المؤلفين الأمريكيين والكنديين المفهوم الفرداني (individualiste) للمواطنة، منهم Michael Sandel, Alasdair MacIntyre, Charles Taylor… آخذين عليه انه يتعاطى مع فرد دون أي عمق اجتماعي أو إنساني. فمن المعروف أن كلاً منا اكتسب نتيجة ولادته في بيئة محددة، لغة ونقاط مرجعية ومعتقدات وتاريخ، أي إرثاً ثقافياً يكوّن بشكل جازم هويته. وبالنسبة لتايلور فإن الفرد لا يمكن أن يحقق ذاته دون أن يتموضع بالنسبة لهذا « الأفق » الثقافي والتاريخي والعائلي الخاص به.

 

ومن أجل ذلك فإن المجتمع الليبرالي الحقيقي يجب أن يشجع الأفراد على المثابرة في بحثهم عن حقيقتهم لتحقيقها، وذلك بحمايته لخصوصية كل جماعة. وبشكل خاص الجماعات الضعيفة أو المهددة أو المهمشة في وضع دوني.

 

كانت هذه الضمانات الحقوقية في الماضي تُمنح للأقليات اللغوية الثقافية أو الدينية تحت رعاية الأمم المتحدة. ومن تطبيقات ذلك نجد اليوم ما ندعوه سياسة التمييز الإيجابي، على الأقل مرحليا، مثل تحديد كوتا لصالح عدد النساء في الحياة العامة، كأن يكون هناك عدد محدد منهن في مجلس النواب مثلا، وهذا ما يدعى الفعل التأكيدي Affirmative Action في الولايات المتحدة الأمريكية لصالح أقليات السود أو الناطقين باللغة الأسبانية، ونجد ذلك أيضا في التشريعات اللغوية في كيبيك أو بلجيكا مثلا، بهدف تأمين حماية لغة أو ثقافة مهددة.

 

وفي تنوعاتها الأكثر انفتاحاً، تشكل التعددية الثقافية تعميما لليبرالية والتسامح نظرا لحرصها على الاعتراف لمختلف الهويات الأساسية التي تعبر العالم المعاصر بحقها بالتواجد في الفضاء العام للمجتمع. بينما نرى أن الفردانية الكلاسيكية تكرس في الحقيقة حقوق الثقافة السائدة فقط.

 

ومن الهام أن نوضح أن التعددية الثقافية ترفض في الوقت ذاته أن تنغلق التجمعات الإثنية أو الدينية على نفسها، وأن تحرم أفرادها من حقهم في اختيار الهوية التي تلائمهم (مثل الانتقال من دين لآخر، الاندماج بمجموعة لغوية أخرى، الهجرة…). يقول « تورين »: ليس هناك ديمقراطية بدون وعي بالانتماء إلى جماعة سياسية. والديمقراطية تقوم على مسؤولية مواطني البلاد فإذا لم يشعر هؤلاء أنهم مسؤولون عن حكومتهم فلا يمكن أن تكون هناك صفة تمثيلية للحاكمين ولا اختيار حر لهم من قبل المحكومين.

 

وللوعي بالانتماء وجهان متكاملان، فوعي المرء بأنه مواطن هو وعي ظهر خلال الثورة الفرنسية وكان مرتبطا بالدرجة الأولى برغبة الخروج من النظام القديم ورفض الانقياد والإذعان. أما الوعي بالانتماء إلى طائفة معينة فهو لا يتعارض مع الحد الأدنى من السلطة. إذ أن السلطة المطلقة تستعمل الأفراد والجماعات كموارد ووسائل، لا كمجموعات تملك استقلالية معينة في تسيير أمورها ولها شخصية اجتماعية.

 

لكن الانتماء الطائفي يشكل من جهة أخرى الجانب الدفاعي من وعي ديمقراطي، إذ هو ساهم في تخليص الفرد من هيمنة مجتمعية وسياسية ما. ولأن الانتماء إلى طائفة قومية كان مرتبطا كل الارتباط بولادة عدد من المؤسسات الحرة في أميركا وبريطانيا وفرنسا فإنه ارتبط في هذه البلدان بقوة بالفكر الديمقراطي. هناك بلدان كثيرة في العالم لم تتوصل بعد إلى بناء وحدتها القومية، وما زالت الانتماءات الضيقة فيها أهم من الانتماء إلى مجموعة قومية واحدة. أي أن الأفراد يتحدون بناء على ما هم عليه أكثر مما يتحدون بناء على فهمهم للحياة الاجتماعية.

 

إنه من المستحب أن يصار إلى الاعتراف بالأقليات في المجتمعات الديمقراطية، شرط أن تعترف هي بدورها بقانون الأكثرية، وأن لا تكون مأخوذة بتأكيد هويتها وفي الدفاع عن هذه الهوية. فالتعددية الثقافية الراديكالية، التي تذهب كما في أميركا إلى أنها سليمة سياسيا، تفضي إلى القضاء على الانتماء إلى المجتمع وإلى الأمّة. فإذا عمدت كل مجموعة ثقافية أو عرقية أو دينية إلى تحديد نفسها قبل كل شيء بما هي عليه، فكيف تحافظ الديمقراطية على نفسها عندئذ ما دام هؤلاء لا يرون في المؤسسات إلا وسائل لخدمة نخبة مهيمنة أو على العكس من ذلك لخدمة مصالحهم الخاصة؟

 

ويلتقي هذا المنهج مع سلوكات القطيعة التي تنهجها اليسارية السياسية حيث قاطعت الانتخابات خوفا من أكثرية محافظة كبيرة الحجم. ودفع ذلك البعض خاصة في ألمانيا وإيطاليا في بداية السبعينات من القرن الماضي إلى النشاط الإرهابي. وكانت هذه القطيعة مع أكثرية تُعتبر بمثابة المُستلبة خطرا يتهدد الديمقراطية التي تفترض ثقة معينة بتصويت الأكثرية. فالديمقراطية لا تتلاءم مع رفض الأقليات لكنها لا تتلاءم أيضا مع رفض الأكثرية من قبل الأقلية، ولا مع التأكيد على الثقافات المضادة والمجتمعات البديلة التي لا تعود تحدد نفسها بموقعها التنازعي من المجتمع، بل برفضها لهذا المجتمع باعتباره عنواناً للهيمنة.

 

فينبغي للمرء إذا أن يطرح بالقوة نفسها كلا من الفهم اليعقوبي للمواطنة والتعددية الثقافية المتطرفة التي ترفض كل أشكال المواطنة. ذلك انه لا وجود للديمقراطية بدون الاعتراف بحقل سياسي يتم فيه التعبير عن التنازعات المجتمعية، وتُتخذ فيه عبر التصويت بالأكثرية قرارات معترف بشرعيتها من جانب المجتمع ككل. إن الديمقراطية تستند إلى فكرة التنازع المجتمعي، لكنها لا تتفق مع النقد الراديكالي للمجتمع بأسره ولا مع التعددية الثقافية المتطرفة.

 

ليس موضوع المواطنة والتعددية في المجتمع من المسلمات والبديهيات. ومن الجلي أن لكل منطقة ولكل مجموعة بشرية شروطها الموضوعية الخاصة بها. والديمقراطية قبل كل شيء ثقافة مجتمعية ومنظومة فكرية يجب أن تشمل كافة مناحي الحياة، في المدرسة والعائلة والعمل والحياة العامة.

À propos Responsable de publication