Accueil / Non classé / قراءة في تعليق العمل بدليل تقييم الأداء المهني لموظفي وزارة التربية الوطنية / محاولة لفهم حيثيات القرار

قراءة في تعليق العمل بدليل تقييم الأداء المهني لموظفي وزارة التربية الوطنية / محاولة لفهم حيثيات القرار

Auteur: Abdelaziz Senihji

عبدالعزيز سنهجي/مركز التوجيه والتخطيط التربوي/الرباط/ المغرب

 

مدخل:

أثار دليل تقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي انتقادات وردود أفعال ومواقف متباينة في الأوساط المدرسية والتربوية والاجتماعية، مما جعل وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي – حسب ما ورد في بيانات جل الفاعلين الاجتماعيين- تعلق العمل بهذا الدليل في مختلف مصالحها ومؤسساتها التعليمية والتكوينية في انتظار تعميق النقاش بصدده. لكن المهم في كل هذا، هل ستستطيع أن تطرح الجهات المعنية على نفسها السؤال المؤرق الذي يفرض نفسه في نازلة من هذا القبيل: ما هي الأسباب الحقيقية التي جعلتها تقدم على اتخاذ قرار دون التفكير في تبعاته وشروط وظروف وضمانات تنفيذه؟

 

وتلك من بين الأسئلة، التي نطمح لمقاربتها وتحليل حيثياتها من خلال هذه الورقة، آملين أن نقدم عناصر إجابة يسترشد بها في منهجية اتخاذ القرار، وذلك من خلال المحاور التالية:

 

 ما المقصود بعملية اتخاذ القرار في المجال التربوي، وما هي مداخله الإستراتيجية؟ 

 ما هي المراحل الأساسية لعملية اتخاذ القرار؟ وكيف دبرتها الجهة المسؤولة عن بناء دليل تقييم الأداء المهني؟ 

 تساؤلات وآفاق للتفكير والتأمل حول عملية اتخاذ القرار.

 

كثيرة هي القرارات التي نتخذ في حياتنا اليومية والمهنية، وقبل الإقدام على ذلك تراودنا الشكوك والحيرة التي غالبا ما تعمق لدينا الغموض، مما يدفعنا إلى المزيد من التقصي والبحث عن المعلومات المفيدة والنافعة تفاديا للتبعات السلبية وتجنبا للمشاكل المترتبة عن قرارات غير محسوبة العواقب والنتائج والمخاطر.

 

من هنا، تصبح عملية اتخاذ القرار ليست بالأمر الهين وإنما عملية تتطلب تأهيلا ومهارات وكفايات واستراتيجيات، بدونها يفقد القرار عقلانيته وحكمته ويدخل الفعل في دائرة الارتجال.

 

ليس من السهل إتقان عملية صناعة القرار، وهناك من ينجح في هذه العملية ويتفنن فيها أكثر من غيره، وهناك من يفشل لسوء تقديره لحيثيات ومستلزمات بناء القرار. إن عملية اتخاذ القرار سيرورة متواصلة ومعقدة يصعب تحديد بدايتها ونهايتها، تراهن بالأساس على “انتقاء أحسن البدائل الممكنة من خلال ترجيح الأصوب والأفضل والأقل ضررا”.

 

وبالرجوع للمجال التربوي، تصبح عملية اتخاذ القرار من بين أهم الوسائل المتاحة للمسؤول التربوي/ الإداري قصد تطوير فعالية ونجاعة النظام التربوي عبر جميع مستوياته وحلقاته. وفي هذا الباب يمكن توظيف مجموعة من الاستراتيجيات لعل أهمها:

 

الاستراتيجية الإفرادية:

حيث ينفرد المسؤول باتخاذ القرار، نظرا لما يتوفر عليه من رصيد للثقة والحكمة وبعد النظر، ويستعمل في ذلك كل الإجراءات والتقنيات التي تجعل منفذي ومدبري القرار ينخرطون ويقبلون بتطبيق القرار؛

 

الاستراتيجية التوافقية:

يتم الحرص من خلال هذه الاستراتيجية على تنظيم لقاءات عمل تجمع بين جميع حلقات المنظومة التربوية سواء من مدبرين ومؤطرين و منفذين، بغية بلورة تصورات وقيم وتمثلات مشتركة حول الموضوع المتوافق حوله. مما يفضي إلى الالتزام المتبادل بين الأطراف بتحمل المسؤولية كاملة في الإعداد والتنفيذ والتقييم؛

 

الاستراتيجية التفاوضية:

تتم وفق وضعيات تفاعلية دينامية تتجسد من خلال عرض وتبادل وتقريب وتكييف وجهات النظر، وتستخدم في ذلك كل أساليب التبرير والإقناع والدفاع وذلك من أجل الحفاظ على مصالح كل طرف والحصول على منفعة تحافظ أو تحسن موقع كل طرف، والتفاوض الناجح هو الذي يجلب المصلحة للجميع و لنظام التربوي أولا وأخيرا.

 

الاستراتيجية التدخلية الميدانية:

تمكن هذه الاستراتيجية المسؤول من اعتماد نتائج البحوث التدخلية في الميدان التربوي كمدخل لبلورة وبناء قرارات تستحضر إكراهات وصعوبات الواقع وتستجيب لطموحات الفاعليين التربويين. ولا يكتفي الباحث في هذه الاستراتيجية بالملاحظة والرصد والتتبع والتحليل والاستنتاج، وإنما يصبح فاعلا مندمجا في سيرورات البحث إعدادا وتنفيذا وتقييما. ولعل من أهم فوائد هذه الاستراتيجية إرساء نسق علائقي تفاعلي دينامي بين المتدخلين يكون ضروريا لمجريات البحث، ومنتجا لمعلومات أكثر موثوقية وصدقا والتصاقا بالواقع.

 

إن بناء قرارات ناجحة وعادلة واستراتيجية في المجال التربوي، لايتطلب فقط التحكم في المساطر والاستراتيجيات والانتباه للسياق، ولكن قبل ذلك يجب الانتباه للمراحل الأساسية لتخطيط وبناء القرار. فكل فشل في تخطيط ذلك هو تخطيط في نهاية المطاف لإفشال القرار. فما هي إذن هذه المراحل؟ وكيف تم تدبيرها من طرف الوزارة؟

 

إن عملية بناء القرار يجب أن تمر من ثلاث مراحل أساسية:

 

مرحلة الإعداد:

 

إنها مرحلة حاسمة ومهمة في بناء القرار لما تتطلبه من إرادة واعية بأهمية القرار، ودراسة جدواه وتجريبه قصد تعديله وتطويره، واختيار الوقت المناسب لتنزيله. وكل فشل في هذه المرحلة يمكن أن يعصف بالمرحلة الموالية ويشكل خلالا في الانطلاق وينعكس سلبا على مسار ومآل القرار. وعليه، من الصعب أن نجزم بأن الجهة المسؤولة عن بناء “الدليل” توفرت لديها استراتيجية محددة ومعلنة كما تم الإشارة لذلك آنفا في التعاطي مع قرار يمس الأداء المهني. فكان يفترض إعلان وتعميم نتائج الدراسات إن وجدت حول أهم الاختلالات التي صاحبت تشخيص تقويم الأداء المهني، وفتح باب النقاش قصد بناء رأي عام تربوي مهيأ أكثر للتفكير في الحلول البديلة والوسائل والبنيات المزمع إنشاؤها ترسيخا وقبولا بثقافة الاستحقاق والإنصاف المراهن عليها. وكان مطلوبا أيضا، في هذه المرحلة بالذات التركيز على بناء مرجعيات الكفايات والمهام لمختلف الفاعلين في المجال التربوي، عبر إشراك الأخصائيين في مجال تقييم الأداء المهني، والانفتاح على كفاءات أخرى ذات طبيعة اجتماعية وتربوية، من أجل بناء حلول بديلة متوافق ومتعاقد حولها، لتأتي بعد ذلك مرحلة تجريب المشروع الأولي بغية التحكم في مجموعة من المتغيرات. وهنا لا يفوتنا أن ننوه بتجريب الدليل في بعض جهات المملكة، لكن مع كامل الأسف لم يتم إبراز وبسط نتائج التجريب أمام الرأي العام التربوي، من خلال توفير عناصر إجابة على التساؤلات التالية:

 

هل الآليات التي يطرحها الدليل قابلة للإنجاز في سياق المدرسة المغربية؟

هل بعض شبكات التقييم المقترحة مناسبة من حيث الطول والمضمون؟

هل المؤشرات المنتقاة قابلة للقياس والملاحظة والأجرأة؟ وإلى أي حد تم الفصل بينها في حالة تعدد الجهات المسؤولة عن التقييم؟ وما هي دلالات وأهمية هذا الفصل إن وجد؟

ما هي التكلفة الزمانية والمادية التي تتطلبها كل شبكة على حدى؟

هل ترسخ شبكات التقييم الهوية المهنية للفاعلين التربويين في النظام التربوي؟

هل شبكات التقييم تخلق الحافزية والطموح والتحدي لدى المستهدفين بها؟…

وعليه، تعتبر مرحلة التجريب من المحطات الحاسمة في سيرورات اتخاذ القرار، لأنها تأسس للقرار وتنبه للمتغيرات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تعصف بالقرار. وهنا، لابد من الانتباه بشكل جيد لظرفية تنزيل القرار، وخاصة أن هذه الظرفية تميزت بمجموعة من الاستحقاقات المجتمعية التي يمكن أن نشير للبعض منها:

 

الانخراط في تنفيذ مقتضيات البرنامج الاستعجالي وما يتطلبه ذلك من أجواء تربوية محفزة وداعمة لإنجاح هذا الاستحقاق المجتمعي؛

تزامن الدليل مع النقاشات التي فتحها تقرير المجلس الأعلى وخطاب رسمي حمل مسؤولية فشل الإصلاح لبعض الفاعلين التربويين، مما أعطى الانطباع بأن صيغة التقييم الجديدة تروم الضبط والتأثير على الفاعلين التربويين أكثر من العمل معهم لتحقيق المصلحة العامة؛

الاحتقان الذي حصل في نظام الترقية حيث وقع تراكم يصعب تداركه بالكوطا العددية المعمول بها لحود اليوم؛

التعبئة والاستعداد لربح الرهان الانتخابي للجن الثنائية، وهي فرصة استثمرتها الفعاليات الاجتماعية لرص صفوفها من خلال المطالبة بسحب الدليل.

مرحلة التنفيذ:

 

ترتبط هذه المرحلة بالمرحلة السابقة، وتأتي كتتويج لمنطق السيرورة الذي يحكم القرار، وتقتضي وضع القرار موضع تطبيق. ولقد تم ذلك فعلا بعد صدور المذكرة الوزارية رقم 4، بتاريخ 12 يناير 2008، الملزمة بتطبيق شبكات التقييم الجديدة.

 

و تقتضي هذه المرحلة منهجية وعملا من جميع المعنيين بالقرار، وتكثيف التواصل مع جميع الأطراف المعنية قصد الإعداد النفسي لتنزيل الدليل. وبالفعل، لقد بدأت بعض العمليات التواصلية من هذا القبيل في بعض الجهات؛ لكن هذه اللقاءات على أقليتها تحولت في غالب الأحيان إلى التعريف والإخبار بمضامين وشبكات الدليل، دون الإجابة عن الأسئلة الحرجة مما ترك الانطباع بعدم الاقتناع بمضمون وجدوى الدليل. وهنا، لو تم إشراك حقيقي لجهاز التفتيش بمجالاته المختلفة في سيرورة القرار، لكان سيلعب دورا استراتيجيا في تبسيط الدليل و الإقناع بمضامينه وتدليل الصعوبات في تنزيله. مرحلة التقييم: تعتبر هذه المرحلة من المراحل المهمة في سيرورة القرار، حيث يتم الانتباه من خلالها للاختلالات والنقائص التي تعترض الفعالية الظاهرية والداخلية للقرار بعد أجرأته قصد القيام بالتصحيحات والتعديلات المناسبة. ومن السابق لأوانه التطرق لكيفية تدبير هذه المرحلة نظرا لتوقف سيرورة القرار لعدة اعتبارت نأمل أن نكون قد توفقنا في الإمساك بالبعض منها.

 

سيلاحظ القارئ، بأن تقديمنا لسيرورة اتخاذ القرار تم بمنهجية تظهر وكأنه يتم بطريقة ميكانيكية وخطية. في حين أن الأمر ليس كذلك لأنه يمكن إعادة النظر في كل مرحلة على أساس المعلومات المتوفرة وعلى أساس الحاجيات الجديدة والمستجدة التي قد تبرز في كل مرحلة على حدى.

 

في الختام، لا يفوتنا أن نعترف بتعقد الموضوع وتشابك أبعاده وعناصره، ودخوله ضمن الحقول المعرفية الأكاديمية التي تهتم بسوسيولوجيا القرار داخل الإدارة والتنظيمات، وقصدنا في ذلك إماطة اللثام عن بعض العناصر التي تحكمت في الأمر، من أجل إنتاج مقاربة أولية كفيلة بفهم حيثيات قرار سحب دليل تقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي. ومن أجل تعميق النقاش حول ذلك كله، نطرح بعض التساؤلات والآفاق الجديرة بالتأمل و التفكير حول عملية اتخاذ القرار.

 

هل انتبه مهندسو هذا الدليل لمعطيات الزمان والمكان ؟ وهل قرءوا بشكل فاحص عناصر السياق العام؟ أو لم يكن من الحكمة النظر إلى الأمور من زاوية الربح والخسارة بالنسبة للنظام التربوي وتأجيل القرار واتخاذ قرار من قبيل “اللاقرار” ؟ ألم يكن من الأفيد إدماج كل ذلك في منظور استراتيجي نسقي للتغيير داخل قطاع التعليم المدرسي؟

إلى أي حد تم الاشتغال وفق مقاربة علمية سواء كانت نسقية أو مؤسساتية أو تنظيماتية في إعداد وتطبيق وتدبير قرار تقييم الأداء المهني في شكله الجديد؟ وإلى أي حد تم بناء الدليل انطلاقا من دراسات وأبحاث مشخصة للواقع المهني؟

إلى أي حد تم إشراك حقيقي للفاعلين المعنيين بهذا القرار في تحديد الاختلالات وطرح البدائل قبل اتخاذ هذا القرار؟

ألم يحن الوقت بعد لهيكلة بنيات البحث بمؤسسات تكوين الأطر، لتساهم انطلاقا من مواقعها في عقلنة وترشيد مختلف القرارات من خلال جعل بحوثها التربوية والأكاديمية آليات لإعداد وصناعة القرارات التربوية والإدارية على جميع مستويات وأصعدة المنظومة التربوية والتكوينية، مع تحديد مجالات اشتغالها انطلاقا من سياسة بحثية تراعي متطلبات المدرسة المغربية وطموحات الإصلاح التربوي المأمول ؟

الرباط في: 11 مارس 2009