Accueil / Non classé / واقع الجامعة المغربية ورهاناتها المستقبلية من خلال برنامج حوار

واقع الجامعة المغربية ورهاناتها المستقبلية من خلال برنامج حوار

Auteur: د. حبيب عنون

 

كان من المنتظر أن تكون حلقة برنامج حوار الأخيرة من بين أنجح الحلقات التي يقوم بتنشيطها مولاي مصطفى العلوي، الذي أرغب في تلقيبه بصحفي الجيلين، خصوصا وأن الموضوع يتعلق بثاني أهم قضية وطنية من حيث الإجماع الذي تحض به لدى المغاربة قاطبة ومن حيث كونه المسلك الوحيد الضامن لربح رهانات المستقبل.

 

خصوصا كذلك وأن ضيف الحلقة رجل من الضروري، أعتقد ذلك، أنه يجب أن يكون قد لم من الحنكة السياسية ما يكفيه ليكون شاهدا على عدة تجارب في مجال تقويم وتأهيل البحث العلمي، لكونه يعمر في منصبه مدة تفوق تلك التي يعمر خلالها وزير ما في منصبه، وأن يكون مميزا بمؤهلات فكرية قد أهلته ليتشرف برئاسة ثاني أعتق جامعة مغربية، بعد القرويين العريقة بفاس.

 

كما تكمن أهمية هذا الموضوع كذلك في الظرفية التي يطرح فيها ذلك أن الرقي بمنتوج الجامعة هو مفتاح نجاح الأوراش الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي أعلن عنها جلالته طيلة العشرية الأخيرة: ورش توسيع الطبقة المتوسطة وورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وورش إصلاح القضاء وأوراش البنيات التحتية المتعددة وورش الجهوية الموسعة… كلها أوراش أساس نجاحها منتوج جامعي مغربي أي شباب فكريا قادر على أن يكون فاعلا وسندا وعونا لجلالته بهدف إنجاح هذه الأوراش.

 

من المعتقد أن تنصل ضيف برنامج حوار من الانسياق في حوار سياسي بخصوص واقع الجامعة المغربية ورهاناتها المستقبلية كان صوريا وجزئيا ذلك أن معظم أجوبته كانت تارة ملغومة بلباس سياسي حينما يكون الأمر عاميا إذ نجده يطالب الحكومة بالقيام بواجبها، وتارة أخرى، حين يكون الأمر غير ذلك، يقتبس صفة أخرى تجنبا الاصطدام أو دفاعا عن رفاق الأمس وأصدقاء اليوم وتحالفاتهم حينما كانوا يتقلدون تدبير الشأن العام وخصوصا تدبير شأن التعليم بكل مستوياته والثقافة والشغل إلخ. وكما تم التصريح بذلك عبثا دون سند ولا مرجع ولا إحصاءات، كان الحزب وحلفاءه يضمون أكبر عدد من مثقفي البلاد آنذاك الذي كانوا يعتنقون الفكر السياسي الاشتراكي . فعمدوا، حينها، على شحن كل دروسهم التي كانوا يلقونها لطلبتهم بنكهة الاشتراكية. إلا إن الإشكالية والتناقض التي سقط فيها هؤلاء المدعون بالمثقفين الاشتراكيين، مع بعض الاستثناءات أمثال “أنا احمار أو بخير”، أنهم حين تقلدهم لمسألة تدبير الشأن العام بعد صراخ صاخب وتنديدات واحتجاجات …، أثبت الواقع أنها كانت دون جدوى، “شعبية” وموهمة…، وجدوا أنفسهم غير مؤهلين لتفعيل ما وعدوا وما كانوا يصرخون به. لقد كان جلهم حاضرا في البرنامج ويعوون كل الوعي ما صنعوا وما افتروا على شباب الأمس إن على المستوى العام أو على مستوى الجامعات، بل لكل منهم قصاصات غريبة وأخرى يندى لها الجبين سواء مع من صوت عليهم أو مع طلبتهم.

 

هل لكي تلقب بالمثقف كان بالأمس القريب من الضروري أن تكون اشتراكيا واليوم هل أصبح من الضروري، لكي تلقب بالمثقف، أن تكون ضده وتتنصل من مبادئه، أم أن تتجمد عضويته تنجلي الضبابية؟ هذه “الفتوى” مردودة على أصحابها لكونها تنعدم للموضوعية العلمية وتنحوا منحى سيطرة الفكر الوحيد والانتهازية والمراهنة على عنصر الوقت فقط. وبالتالي فإننا نلمس نوعا من النفاق السياسي في الخطابات السياسية الراهنة.

 

أعتقد أن هذا التقديم، لو تم أخذه بعين الاعتبار، كان قد يشكل جزء من الجواب الذي كان على ضيف الحلقة تقديمه لمنشط البرنامج والمشاهدين لشرح عدم مصداقية المشهد السياسي. بل لماذا جمد هو ايضا عضويته من الحزب مع الحفاظ بالحنين إليه؟ بل السؤال الأعمق في ما يقصد بالحديث اليوم بالذات عن عدم مصداقية المشهد السياسي؟ ولماذا هذا النعت الذي تم إلصاقه بالمجال السياسي؟ ولماذا كثرت تجميدات وضعية بعض القياديين الأعضاء؟ هل حين تقلد اليسار تدبير الشأن العام كان المشهد السياسي ذا مصداقية؟ هل من قبل هذه الحقبة كان يوصف بها فتخلخلت الأوضاع اليوم؟ ما الذي خلخله؟ ففي الوقت الذي كان فيه منشط الحوار يصر على أجوبة سياسية مؤمنا ومتأكدا من كون الجامعة جزء لا يتجزء من المشهد السياسي، إذ لم يكن مشتله الحقيقي والفعلي، كانت رغبة ضيف برنامج حوار مجانبة ومغايرة لهذا المنحى ومعتنقة أسلوبا متسما بالمراوغة السلبية حيث لم تنعكس للمشاهد وزن وثقل رئيس جامعة، حيث عمد في حواره إلى تغييب كل موضوعية وواقعية جاعلا من البرنامج وخصوصا موضعه البالغ الحساسية، برنامجا ذا مضمون خيالي وأجوف. حتى الأجوبة على أسئلة الصحفيين كانت دون إشباع أو بالأصح دون قيمة مضافة فكرية.

 

ومن خلال الخطاب العام، قد يصر البعض أن السبيل الأقوم لرقي الجامعة المغربية يكمن في ضرورة تجنب تسييسها. في حين يجد فيها البعض الأرضية الخصبة لزرع ما سيتم حصده غدا. ليس المهم تسييس الجامعة من عدمها بل المهم هو عدم فرض وإلزام الطلبة على تبني الفكر السياسي المتبنى من طرف أساتذتهم. ما هو إيجابي هو جعل الطالب، خصوصا إذا كان طالبا من شعبة العلوم السياسية، ملما بكل التيارات الفكرية السياسية السالفة والسائدة ليحيط بها وليتمكن من اختيار السبيل السياسي الذي يرى أنه يساير تطلعاته أو ربما ليتمكن من تجاوز هذه التيارات “الملقنة” داخل الجامعة وابتكار منهج سياسي يراه أكثر فعالية لمعالجة قضايا وطنه.

 

إلا أننا نجد أن الرؤيا الإلزامية هي المعمول بها وهي السائدة بل تطغى حتى على البحوث العلمية وجديتها، بل وتطغى، كما أسلفت نشره في إحدى المقالات تحت عنوان: إقحام مصطلح “السيادة” يفقد الجامعة مصداقيتها”، على كل جوانب الحياة الجامعية لتصبح الجامعة كخشبة مسرح يمثل فيها كلا الفاعلين، المتلقي والملقن، كما لو أنهما على نفس النهج ليكون المهم، بالنسبة للمتلقن، هو نيل الشهادة. والغريب أن ضيف البرنامج يتحدث عن جامعات أجنبية عريقة وما أنتجته من علم، دون أن يشير أن المثقفين الحقيقيين بها لا يجعلون من الجامعة مسرحا للجدلية السياسية الرخيصة، لكون من يؤدي ثمنها البخس هو الطالب لوحده، بل مسرحا للجدلية الفكرية المنصبة على الابتكارات العلمية التي تكون نتيجتها الرقي بمستوى الطالب والاطمئنان على من سيعهد إليه تدبير الشأن العام مستقبلا. وهذا ما كان يجب الاستشهاد به. وكيف كان بإمكانه أن يجزم بأن عدم رغبة النوابغ المغربية المتواجدة في الخارج في عدة مجالات تكمن في ضعف الامكانيات المادية؟ مؤكدا على ضرورة عمل الحكومة على إيجاد صيغة لجلبهم إلى وطنهم. ما يجب قوله في هذا الصدد، أي إشكالية هجرة الأدمغة، هو أن هذا الموضوع جد متشعب من حيث حيتياته ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في الامكانيات المالية. فهذا منطق جد ضيق…وإذا كان جلب المؤهلات المغربية من الخارج ضروريا، فهذا اعتراف جلي بضعف المؤهلات الفكرية المتواجدة داخل الوطن وفي نفس الوقت احتقار لمجهوداتها وتكوينها ومن تكفل بتكوينها. يا له من تناقض صارخ، تارة يعترف بهزالة المؤهلات الوطنية وضرورة المناداة على المؤهلات المغربية من الخارج، وتارة أخرى نجده يستشهد ويفتخر بالجامعة المغربية لكونها تمكنت من خلق عدة مسالك وتخصصات. ثمة شيء ما غامض في أجوبة ضيف الحلقة. إنها الضبابية المتعمدة في الخطاب والتي اعتبرها البعض حنكة سياسية وما هي بالحنكة بل بمنهجية حوار أسيء اختيار تبنيها لكونها أعطت صفة لا تليق بمقام من يدبر شأن مؤسسة أصبح المغرب حاليا أكثر مما مضى في أمس الحاجة إلى الرقي بمنتوجها. وهذا له علاقة وطيدة بمفهوم التطور الذي أشار إليه ضيف حلقة حوار ذلك أن المفهوم الذي أعطاه لتطور الجامعة من خلال تعدد المسالك والتخصصات هو مفهوم سطحي ولا جدية فيه والمنتوج شاهد على هذا. والواقع أن الجامعة أصبحت شبيهة بالمشهد السياسي من خلال تعددية أحزابه، فالواقع يشهد أن كل أستاذ يسعى لخلق مسلك (حزب) خاص به لا يضم إلا الأساتذة الذين لهم نفس التوجه السياسي أو الإيديولوجي. لن تجد مسلكا علميا يضم أساتذة مختلفي الإيديولوجيات أو التوجهات لأنه من الفروض أن يرق البحث العلمي عن هذا المنحى ويتجه صوب التكامل والجدلية في الأفكار والتنافس، كما تمت الإشارة إليه، لكي تتمكن جامعاتنا من إنتاج بحوث ليس كما نعتها الكثيرون وأكدها منشط البرنامج، وهو صائب في قوله، ” بمجموعة بحوث مستنسخة أو مترجمة أو مستوردة أو أعدها شبان غير صاحب البحث بالمقابل طبعا لينتهي الأمر بالبحث في رفوف خزانة الجامعة دون أية قيمة مضافة”. لا تقاس علمية ومصداقية الجامعة بتعدد وتكاثر مسالكها بل بإشعاع ما أنتجته على الصعيد الدولي من بحوث عملية أو بعبارة أخرى كم من بحث شاع صيته لدرجة المطالبة من الخارج بترجمته والاستفادة من نتائجه؟ علاوة على هذا المعطى؟ كيف يمكن الزعم بكون الجامعة المغرية في تطور وهي آخر ما يفكر اللجوء إليه التلميذ المغربي الحاصل على الباكلوريا؟ والتساؤل البديهي الذي يطرحه ليس فقط كل من تابع هذا الحوار بل أيضا يطرح الشارع المغربي يكمن في التساؤلات التالية: جل أو كل الدكاترة والوزراء والمستشارين وغيرهم من ذوي الحظ المادي يبعثون أبناءهم للدراسة بالخارج؟ بل هناك من يبدأ في إعداد أبناءه منذ البداية بإدماجه ضمن المؤسسات التعليمية التابعة للبعثة الفرنسية أو الاسبانية أو غيرها.هذا ليسا عيبا ولكنه استعداد ونية لهما دلالتهما إذا كانت الجامعة كما يقول ضيف البرنامج تتوفر على مسالك عدة، بل، وهنا يكمن مشكل تحول لغة التدريس التي لم تعطاها أهمية ضمن الحوار لأنه مشكل سياسي والجواب عليه هو سياسي لكن للأسف لم يجرؤ ضيف الحلقة على اعتماد الحديث السياسي، كما ساعده هذا التوجه في تجنب إبداء تفسير أو وجهة نضر حول السؤال الذي وجهه إليه احد الصحفيين عقب إعلانه عن إحصاءات تهم الطلبة المتخرجين، خاصة حول أولئك الطلبة الذين ينتهي مسارهم بالوقوف أمام مجلس البرلمان. أما الأستاذ الذي زعم أمام الملأ أنه كم من مرشح تمت المناداة عليه عقب نجاحه في مباراة ولوج الجامعة كأستاذ ولم يلبي الطلب. هذا، افتراء، ألا يعلم المرشح كم سيتقاضى عند ولوجه الجامعة كأستاذ جامعي مساعد؟ أم كان هذا نداءا، بطريقة غير مباشرة، ودعوة للزيادة في أجور الأساتذة الجامعيين؟ لا يدمج المرشحون حسب المؤهلات ولا على حسب البحوث التي قاموا بها ولا على حسب خبرتهم في التدريس… بل حسب معايير أخرى تحتفظ اللجنة ذات “السيادة” بكواليس وخلفيات تحديدها لا مجال لتكرارها لكوني قد نشرت في المقال المشار إليه أعلاه حيتيات التوظيف بالكلية. هناك العديد من الأساتذة الذين “تقاعدوا” عن البحث العلمي منذ إدماجهم في الجامعة إذ لم يحرروا لا مقالا ولا بحثا بل هناك من كان يرفض حتى تأطير بحوث الاجازة…كلما ما قام به وما يزال هو تدريس بعض فصول أطروحته وإحالة الطلبة لافتحاصها.

 

أهذا هو التطور الجامعي؟ أ هذا هو البحث الجامعي الذي يطالب بالزيادة في غلافه؟… أ هذا هو الأستاذ الجامعي الذي يطالب بالزيادة في أجره في الوقت الذي لا يستوفي فيه حتى الحصص المحددة قانونيا له.

 

لو كانت الأموال هي من يدفع بالبحث العلمي إلى الرقي لما برزت أعمال ابن سينا والفارابي وغيرهم من ليس الأساتذة بل العلماء المبدعين المعتمدين ليس على الماديات أو استغلال المثقفين الشباب والانترنيت… بل معتمدين على فكرهم وقريحتهم. إذا كانوا فعلا غيورون على هذا الوطن فلينادوا ليس برفع أجورهم أو الغلاف المادي للبحث العلمي ولكن بإغناء وإدراج تخصصات بكليات أخرى غير متوفرة على أبسط التخصصات المعترف بها. وجب المناداة بإنشاء كليات جديدة بمناطق هي في أمس الحاجة إليها.

 

للأسف لم تعرف الجامعة كيف تدبر استقلاليتها بل جعلت من الطالب الطارق على أبوابها، بتصرفاتها السياسوية، يشمئز من خوض غمار مسالكها بعدما كانت بالأمس القريب الحلم الوحيد والأوحد لكل مجتاز لسلك الثانوي. هذا ما يجب التمعن فيه. فبعدما كان الطالب يحلم ويفتخر بكونه يدرس بالجامعة، أصبح اليوم ينفر منها لتكون آخر ملجأ يفكر فيه بل أسوء من ذلك هناك من إزاحتها من مخيلته ليلج عالم الشغل ليصطدم بواقعه، أي مجال الشغل، لكونه يتطلب مؤهلات كان من المفروض أن توفرها له الجامعة، ليحتضنه الشارع في آخر المطاف خاصة إذا كان ينتمي لطبقة غير ميسورة لتعوضه يأسه باللجوء إلى مؤسسات ومعاهد القطاع الخاص.هذا هو الواقع الجامعي خاصة والتعليمي عامة في بلادنا وليس بالخطاب ألتيئيسي كما ادعى ذلك ضيف البرنامج لكونه اعتمد في خطابه على ما ورد عليه وهو جالس في مكتبه.إن الخطاب الواقعي هو ما عبر عنه جلالته، في خطاب العرش ليوم الجمعة 30 يوليوز 2010، حين قال جلالته: فإن النظام التعليمي، الذي طالما واجه عراقيل ديماغوجية، حالت دون تفعيل الإصلاحات البناءة، سيظل يستنزف طاقات الدولة، ومواهب الفئات الشعبية، في أنماط عقيمة من التعليم، تنذر بجعل رصيدنا البشري عائقا للتنمية، بدل أن يكون قاطرة لها.

 

من بين المسائل الايجابية التي أجاد بها برنامج حوار على متتبعيه هو أنه، على الأقل، مكن المشاهد العام من معرفة ومشاهدة مباشرة شخصية رئيس جامعة أكدال التي درسوا بها وتخرجوا منها دون بالتأكيد لا سابق معرفته ولا مشاهدته. لا نرغب في بلوغ زمن يختلط ويمتزج وربما يتشابه فيها المشهد العلمي المعرفي بالمشهد السياسي الحالي. فإذا كان جلالة الملك نصره الله وأفراد الأسرة العلوية، حين كان أميرا، قد ترعرعوا في أحضان الجامعة المغربية فلماذا أنتم أيها الدكاترة والمسئولون والميسورون والمدراء السامون وغيركم تنفرون منها لترحلوا أبناءكم إلى الخارج؟ ما الذي تغير؟ أو من الذي تغير؟ الضمير وعدم الثقة في المؤهلات الفكرية للبلاد. وعندما ينادي ملك البلاد بضرورة التشبيب، فإن جلالته ينادي بضرورة تشبيب ليس الأشخاص، لكونهم صور لا أقل ولا أكثر، ولكن تشبيب وتفعيل وتجديد الأفكار التي ليس بمقدور “الصور” أن تبدعها لكون جلها شاخ بكثرة اللعب في الماء العكر.