Accueil / Non classé / التعليم والمتغيرات الاجتماعية

التعليم والمتغيرات الاجتماعية

Auteur: عبدالحق الفروكي

مداخلة حول موضوع: التعليم والمتغيرات الاجتماعية

 

عندما يريد المرء ان يتعرض للتعليم كمجال أصبح يِؤرق المجتمع المغربي ، ويؤرق الآباء والأمهات ، لما غدى يتميز به من متناقضات ،فانه يحير ويتيه في اختيار الجوانب التي يمكن ان يلامسها بغية الوصول الى معطيات واضحة لتفسير الأزمة ، ففي الوقت الذي ارتفعت فيه تكلفة التعليم بشكل مهول، انخفضت فيه المردودية ، حيث أن النتائج المتوخاة في اللغات ، في المواد العلمية ، لاتصل الى المستوى المرغوب فيه ، بمعنى أصح ان الجودة في التعليم اصبحت مفقودة ، من هنا يطرح السؤال لماذا هذا التوجه العكسي ما بين تكاليف التعليم و مابين مردوديته ؟.

 

ان طرح قضية التعليم بشكل مجرد لا يمكن ان يوضح الصورة أمام المهتم ، فتداخل المجال الاجتماعي أمر جد معقد وجد متشابك لهذا لابد من محاولة ضبط مختلف المقاربات التي أدت الى هذه المتغيرات السلبية التي يعاني منها قطاع حيوي وأساسي وجوهري في تكوين الانسان المغربي ، فرأس المال في كل الشعوب هو الانسان ، من هنا الاستثمار الذي تسخره الامم لقطاع التعليم .

 

وسأحاول خلال هذا العرض المتواضع ان ألامس بعض المقاربات التي تمثل في الوقت الراهن تحديات أمام الأباء أمام التلاميذ وأمام المؤسسات التعليمية .

 

لابد من الاعتراف بان المجتمعات العربية عامة والمجتمع المغربي خاصة ، يمر من مرحلة مرض ، فعلم النفس يؤكد ان المجتمعات تمرض كما يمرض الانسان ، ومرض الانسان كما يعلم الجميع يمكن ان يكون عضويا كما يمكن ان يكون نفسيا ، ونفس الشيء بالنسبة للمجتمع فأين يبرز مرض المجتمع المغربي ؟

 

يبرز في العنف بجميع أشكاله ، داخل المؤسسات التعليمية وعند أبوابها ، في انفلات الأبناء من سلطة الآباء ، في كثير من الظواهر الجديدة في اللباس ، في شكل الحلاقة بالنسبة للذكور والاناث معا ، في تعاطي لكثير من انواع المخدرات التي تؤدي الى الهلوسة ، عدم الاحترام المتبادل مابين المراهقين والراشدين ، في سلاسة استعمال كلمات نابية وسب علني بدون أي خجل ، الانفلات الامني .مظاهر الفساد المتزايدة .. وغيرها من علامات وبراهين المرض التي لابد لها من علاج .

 

أكيد ان هناك العديد من التراكمات التي أدت الى هذا الانحلال ، أقول تراكمات ولا أقول اسباب ، لأن الاسباب من المسببات تكون واضحة المعالم ، بينما في علم الاجتماع وخصوصا في علم النفس ،لايمكن افراز الاسباب لأنها متداخلة ومتشابكة ومعقدة.

 

1 ـ ما يعانيه المجتمع له ابعاد تاريخية مرتبطة بالمستعمر وما خلفه من انشطار داخل الجسم المغربي ، واخطرها ظاهرة ” الحمايات الشخصية ” وظهور المغربي المحمي الذي يتمتع بامتيازات لا يتمتع بها المغربي غير المحمي ، هذا الانشطار لازال قائما ولم يستطع الجسم المغربي التوحد من جديد حتى بعد الاستقلال وهو بارز للعيان في تشكل طبقات المجتمع الحالي .

 

2ـ مختلف الوعود التي قدمتها الحركة الوطنية إبان الاستعمار والتي كانت تقدم للمغاربة وعودا وردية وحياة زاهية ، غنية ، ينعدم فيها الفقر والامية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية ، ولم يتحقق من ذلك شيء رغم مرور أكثر من 50 سنة على استقلال البلاد ، فكان الاحباط وسادت روح عدم الثقة في جميع المؤسسات وبين الجميع كبار ، صغار ، مثقفين وعاديين . وزاد الانشطار ، وغابت المواطنة ، واندثرت الحكامة في جميع خلايا الدولة والمجتمع .

 

3ـ ظاهرة الهجرة القروية التي افرزت تداخل العقلية البدوية سواء الأمازيغية أو العربية بالعقلية الحضرية أو المدينية ، هذا التداخل الذي لا يكون دائما سلسا ، بل فيه صراع يمكن ان يؤدي الى احتقار او الى تعايش محتشم لايتميز بالاستقرارالدائم . ناتج عن العادات والتقاليد وعن الاعراف المختلفة مابين العقليتين ، فنلاحظ صراعا دائما في أحيائنا وأزقتنا وحتى في العمارات السكنية .

 

4 ـ ما عرفته الاسرة المغربية المدينية من تحول نحو المجهرية ،والسعي نحو الاستقلال التام عن الاسرة الأم ، الشيء الذي ادى الى تغييب لدور الجدات والأجداد في السهر على استمرار المبادئ المقوية لإستمرار المجتمع ، فبقاء المجتمعات رهين باستمرار مكوناته الاخلاقية واسسه المبادئية ، ولا يمكن لها ان تستمر الا اذا وجد ساهر على تمريرها وتمكنها من وجدان الناشئة . فغياب الجدة داخل البيت غيب الحفاظ على هذه المقوات الأساسية ، بل غيب حتى توسيع المخيلة ، فدور الحكواتي الذي كانت تقوم بها الجدات كان وراء توسيع أفق الخيال لذى الناشئة ، وهو عنصر أساسي في جميع المواد الدراسية .

 

اذا فالتفريط في الجدات لم يكن بدون ثمن حيث كان له وقع كبير في سلبية التكوين الوجداني والخيالي والأخلاقي ، التي لم تتمكن كل الوسائل الحديثة من تعويضه .

 

5ـ تراجع وأحيانا اضمحلال دور الآباء في حياة أبنائهم ، وهذه حقيقة لا يحس بها الآباء الا بعد فوات الأوان ، نعم أيها الاخوان فقد قدمنا استقالتنا من تربية أبنائنا فقدم الأبناء استقالتهم من كل شيء ، من طاعتنا ، من الدراسة ، مم ممارسة واجباتهم ، من الاعتناء بغرفهم ، وظننا مع انفسنا اننا بتوفير ما لذ وطاب من المأكولات ، وبالتجهيزات المنزلية الرفيعة وبتوجيههم نحو احسن المدارس الخصو صية ، نكون قد وفرنا لأبنائنا كل ما هم في حاجة اليه ، وبالتالي كل العلاقات الأخرى تبقى ثانوية .

 

وهذا هو أكبر خطأ ارتكبه الآباء الحاليين في حق ابنائهم ، وهو خطأ كبير بل وخطير جدا ،

 

يمكن اعتباره المشكل الجوهري فيما آل اليه المجتمع المغربي الحالي ووضعية التعليم بصفة خاصة .يمكن للطفل ان لايكون عبقرا في دراسته ولكن لا يمكن ان يكون غير متخلق اذا ما شملته تربية على المبادئ والاخلاق وقامت بتحصينه من مختلف التأثيرات السالبة .

سيقول الآباء ماذا ينتظر منا ابناؤنا اكثر مما نتعب بغية توفيره لهم في ظل الظروف الاقتصادية والغلاء الفاحش الذي يصاحبها ، اكيد ان هذا صحيح لكن لا يمكن ان نصب كميات من الماء ، على نذرته ، في تربة غير صالحة وننتظر موسما زراعيا وفيرا ،

فاذا طرحت سؤالا على الآباء وعلى الأمهات الحاضرين في هذا اللقاء ، كم عدد الساعات في اليوم التي تخصصونها لمجالسة أبنائكم ومحادثتهم والإصغاء لمشاكلهم ومعاناتهم ، لا أعتقد ان الوقت يمكن ان يتعدى وقت الوجبات الغذائية ، وبعد ذلك ينصرف كل فرد الى قضاء حوائجه ، فالام الى المطبخ والاب الى التلفازأو الى المقهى ، والبنت الى غرفتها ، والابن الى غرفته .

من سيمرر المبادئ ؟ من سيمرر القيم ؟ من سيقترب الى وجدان الأطفال ؟ ألا يخلق هذا فراغا عاطفيا ووجدانيا ، ويضرب بالروابط المتينة ما بين افراد الاسرة خصوصا ما بين الأب والابن ومابين الأم وابنتها ،وبالتالي الى من وكلت مهمة تمرير القيم والمبادئ والاخلاق الى ناشئتنا ؟ اذا تمكنا من الاجابة على هذا السؤال نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في تشخيص بعض دواعي مرض مجتمعنا الراهن وضعف تعليمنا الحالي .

الى الشارع أم الى المدرسة ؟ أو الى التلفاز ؟ أم الى الأنترنيت ؟ ماهو الجهاز او الجهة المسؤولة عن استمرار مقوماتنا ؟

6 ـ أكيد ان استمرار المبادئ والقيم المجتمعية يجب ان تكون من جهات تعزف على نفس الوتر ، والا ستؤدي الى نتائج عكسية اخطرها انفصام شخصية الناشئة وعدم ارتباطها باي توجه ،وهذا بالضبط ما تعاني منه ناشئتنا في الوقت الراهن .

فمبادئ التلفاز متضاربة ، وما تبثه مختلف القنوات العالمية الامريكية والاوربية والعربية تعمي البصيرة وتتيه بالانسان العاقل والراشد فكيف بالطفل وبالمراهق .

شبكية الانتيرنيت أتت على الاخضر واليابس في مجتمع هش ضاع وتاه في بحر لجي ليس له شاطئ .

الشارع وما ادراك ما الشارع ، فيه الغدر والخيانة ، والجهل والامية ، وغياب القيم وفيه البهتان وطغيان المادة والقيم المرتبطة بالمال ولا شيء غير المال .

المدرسة ، أؤكد لكم أن المدرسة الحالية ببارمجها وبمناهجها المعقدة ‘ قد غابت فيها القيم بحمولتها ، فحتى مادة التربية الاسلامية ، اصبحت مادة جوفاء تخاطب العقل ولا تخاطب الوجدان ، وغدا التلاميذ يسخرون في بعض الاحيان من محتوياتها ، لأنها تبدو غريبة عليهم وعلى حياتهم اليومية . فالمدرسة تكون العقل الفارغ من الروح . أي المادة العلمية المعرفية البعيدة عن الارتباط بمكونات الانسان الروحية ،العاطفية ، الوجدانية ، الوطنية ،الدينية .

المدرسة تكون ربوات لإجتياز الامتحانات الجهوية والوطنية بأعلى معدل ممكن، كيف؟ غير مهم . من هنا الاشمئزار من المواد الدراسية ، ورفضها واحيانا كثيرة مقاطعتها ، فالعديد من ابنائنا لايترددون عن قاعات الصف الا ارضاء لآبائهم .

فكيف نضع الطفل الذي يولد على الفطرة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف ، في هذا التيهان ، ونغيب نحن مقتصرين على توفير الاكل والشرب واللباس والاثاث . فاصبح الاطفال في حياتنا شيء نتباها به امام الجيران وامام العائلة ، من حيث الشكل الخارجي ، دون ان نعير العمق أي اهتمام .مثلهم مثل الأثاث الذي نزين به صالوناتنا . الا ان الفرق هو ان الأثاث تابت والطفل ينمو ، يكبر ، يطالب ، يحاسب ، يمتنع ، يثور واحيانا يضرب .

فلماذا يثور ؟، لماذا يضرب ؟، الجواب فيما سبق ، غياب الجدات ، استقالة الآباء ، تضارب التوجيهات القيمية في التلفاز ، في الأنترنيت ، في مختلف القنوات في الشارع في المدرسة ، كل يعزف على هواه ، فتصبح السنفونية تصم الاذن من ضجيجها وهذا ما اصم اطفالنا من تضاربها ، فتاهوا وفي التيهان غابت القيم والمبادئ والاخلاق وكل المقومات الجميلة في مجتمعنا ، المودة ، المحبة ، التعاون ، الاخلاص ،الاحترام ، الجد ، المثابرة ، الاجتهاد ، التضحية ،الاستمرارية في العطاء ، حب الآخرين …. الخ

6 ـ العولمة ” لقد همت العولمة كل شيء تقريبا ، اذ تعولم رأس المال والشركات والأسواق الكبرى بمقتضى حرية التجارة ، كما تعولم العلم والمعلومات والاعلام والديمقراطية وحقوق الانسان ، والدفاع عن البيئة ، وتعولم الفقر والهجرة والاجرام

والأمراض والأوبئة الفتاكة وتدمير البيئة .”

من هنا فحسب الموقع الالكتوني archrs. Org :

يتعرض الطفل العربي لتيارات وقيم غربية متباينة وأساليب متنوعة في التفكير عبر القنوات الفضائية العربية وغير العربية ، وعبر الحواسب الآلية . وتتباين قيمه الاجتماعية مع العولمة الحديثة المنقولة اليه عبر الكثير من الوسائل التي بات من الصعب السيطرة عليها ، في الوقت الذي تنحسر أدوار كل من الأسرة والمدرسة في التنشئة … مما يعرض مستقبل الثقافة العربية لمخاطر ذات الصلة بجوهرها الروحي واللغوي ، نتيجة لما يعيشه الأطفال العرب من مواقف صراع ، وبين اساليب غير قادرة على الصمود أو جذب الطفل اليها .”

7 ـ كما ان غياب ثقافة الكتاب والقراءة عامل حاسم في الكثير من الظواهر السلبية في حياتنا فالقراءة وتوسيع الخيال ، والتمكن من المعرفة من مصادرها وتتبع مسار فكر الكتاب ، كفيل بان ينمى لذى الناشئ فكر متفتح ، ناقد ، مقارن ، وبالتالي تكوين شخصية متوازنة ، مستقلة قادرة على اتخاذ القرار السليم والرد على كل التأثيرات السلبية التي تعصف بالفكر الفارغ الذي لا يتوفر علي أي مضادات حيوية . بماذا عوض الكتاب في حياتنا وحياة اطفالنا؟ بلا شيء ، لهذا يتاثر اطفالنا بكل شيء تافه وبكل القيم المستوردة الغريبة علينا وعلى مجتمعنا ويتراجع مستواهم الدراسي لأنهم يكتفون بالمقررات الجامدة الجافة التي تبث المعرفة المجردة .

من خلال هذه المقاربات نستنتج ان مجتمعنا يعرف متغريات عميقة وجوهرية ، دون ان يكون ادراك بها وتحضير للأدوات إن لم اقل للأسلحة الضرورية للتعامل معها حتى لا تقع نتائج وخيمة على مسارنا وعلى حياتنا ، على حاضرنا ومستقبلنا .

فالتشخيص جزء من العلاج ، والرغبة في الاستشفاء وسيلة للنقاهة .

الحلول الضرورية تبدأ من تحديد المسؤوليات وابراز الواجبات مع تعميق النقاش بهدف خلق قناعات لذى جميع المتدخلين تكون وراء تحميل فهم الابعاد واستجلاء النتائج والرغبة في الافضل بدون تكاليف وبدون عناء ، فالوضوح اقصرمسافة للوصول بارتياح .

من هنا لابد من مراجعة دور الآباء في تتبع كل خطوات واهتمامات ابنائهم ، لايمكن ترك مهمة مراقبتهم للأمهات فقط ، لأن العاطفة الزائدة لذى الأمهات كثيرا ماتؤدي الى نتائج عكسية ، فتواجد الأب الصارم والمتفهم في نفس الوقت ، المحاور المقنع المتعاطف ، يعوض الخصاص الذي يدفع البنت الى البحث عن صديق والولد الى التعويض بصديقة . الفراغ ما اخطره في نفوس ابنائنا .

لايعني هذا التقليل من دور المرأة ، فحاليا الزوجة هي الوحيدة التي مازالت تضحي بشكل انتحاري من اجل ان تعطي لأبنائها ـ خاصة الذكور منهم ـ أحسن ما يمكن اعطاؤه وتوفيره ، لكن هذا الانتحار الزائد والعاطفة الكرمية والعطاء بدون حدود مع سلطة الأب الغائبة ، تجعل الإبن يستغلها في نوع من اللامبالاة وفي التهاون والانزلاقات كثيرا ما تكون خطيرة .

لابد من مراجعة تعامل ابنائنا مع كل اسلحة العولمة الفتاكة ، العولمة تيار جارف ، وتعلم السباحة وحدها لا تكفي ، السباحة والذكاء في السباحة ، لأن التيار خطير والغرق محتوم امامه إذا لم يكن هناك ذكاء في استعمال السباحة .

التلفاز نعم بتقنين ومتابعة ، فكثرة مشاهدة التلفاز تِؤدي ، وحسب العديد من الدراسات الى الوهن الى الكسل الى تراجع حدة الذاكرة والى فقدان القدرة على التركيز، بل الى الاصابة بمرض الزهيمر.

الكمبيوتر والانترنيت ، نعم ، بتقنين ومعرفة ومراقبة وتحديد للمدة الزمنية مع توضيح الإيجابيات والسلبيات والاقناع بها. لاتجعلوا وسائل العولمة بخطورتها وسيلة للتملص من واجباتكم تجاه ابنائكم .

الشارع ،لتجنب تاثيره الصارخ لابد من مصاحبة الابناء ومعرفة اصدقائهم ، التقليل من ملئ الفراغ بالشارع ، لأنه غير مأمون ، وتياراته المتناقضة كثيرة وغير مرئية ، فالأحسن تجنبه بالقدر الممكن .

المدرسة . دورها اكتفى بالمعرفة والتنشئة ، وأهمل التربية ، من هنا ضرورة ملء الفراغ التربوي الموجود في المدرسة بالحضور والمتابعة والملازمة المستمرة لأبنائنا داخل المؤسسة التعليمية وفي المنزل ، بدونها لا نضمن النتائج .لاينتهي دورنا في دفع الواجبات الشهرية واقتناء الأدوات المدرسية ، هذا الجزء البسيط والسهل ، الصعب هو المتابعة اليومية المسائية ، حيث تبدأ مهمة التلميذ في المراجعة والقيام بالواجبات الدراسية ، وترك الطفل وحده أمام إغراءات ولذة مشاهدة الأفلام والسباحة في شبكة الأنترنيت ، يجعله يتخلى عن الواجبات امام جذب الاغراء ، وهذا كل يوم وطيلة السنة ، ولا ننتبه الا بعد توصلنا بنتيجة غير مرضية ، فنصب جم غضبنا على المؤسسة وعلى المعلمات والمعلمين ، في الوقت الذي لا يمكن البثة ان نلوم انفسنا ولو لمرة ونقول نحن المسؤولون ، لقد قصرنا في حق ابنائنا .

الطفل ، أيها الاخوان كمصدر ماء نقي ، اذا اردنا ان نوصل الماء من منبعه الى الجهة التي نريد ان نستعمله فيه ، لا بد من قناة تتكون من جهتين ، فاذا كانت القناة مكسورة او فيها ثقب او غير صالحة ، فان الكمية التي ستضيع تكون كثيرة ولن يصل الى الجهة المقصودة الا كمية قليلة ، وربما لن تصل اية كمية .

اذا لابد من تعاون الجميع ، ولابد من التضحية الجدية الدائمة المستمرة من اجل ناشئة تتميز بمكونات معرفية وخلقية ومبادئة كفيلة بجعلها تواجه الحياة دون ادنى صعوبة .

أطفالنا في خطر فلنكن الى جانبهم ولنآزرهم حتى يعبروا هذه المرحلة في حياتهم لأنها مرحلة التأسيس ، والتأسيس يتطلب جهدا أكبر وأوسع من أية مرحلة أخرى .

قوموا بواجبكم تجاه ابنائكم وستكون نتائجهم الدراسية مبهرة ومفرحة ومسرة ، وستحسون بسعادة لا تضاهيها سعادة ، لأنها سعادة التفوق والنجاح ، مزدوجة ما بين الآباء والابناء في نفس الأوان ، ففي الوقت الذي يفتخر الطفل بتفوقه ، يسعد الأب بالقيام بواجبه الديني والدنيوي والأسروي لأنه نجح في تمتيع المجتمع بابن صالح قادر على المساهمة في بناء وطنه وأسرته .

أتمنى أن اكون قد لامست بعض المقاربات والجوانب المتعلقة بالتعليم والمستجدات المجتمعية التي أثرت فيه وجعلته يعاني من قلة الجودة ومن تردي المستوى ومن انعدام تكافئ الفرص .

أكيد ان هناك العديد من الجوانب الأخرى لم أتعرض لها في هذه المداخلة ، لكن اذا تفهمنا واستوعبنا هذه المفارقات المذكورة واحطنا بها وحاولنا ان نعالج انفسنا واعطينا لأبنائنا المزيد من الوقت ، ولا شيء آخر غير الوقت ، فسنكون قد قطعنا شوطا كبيرا في الاصلاح ، اصلاح المجتمع وبالتالي اصلاح التعليم .

شكرا على اصغائكم . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

عبدالحق الفروكي

مراكش في 11 يونيو 2008

مداخلة حول موضوع: التعليم والمتغيرات الاجتماعية

عندما يريد المرء ان يتعرض للتعليم كمجال أصبح

يِؤرق المجتمع المغربي ، ويؤرق الآباء والأمهات ،

لما غدى يتميز به من متناقضات ،فانه يحير ويتيه في اختيار الجواب التي يمكن ان يلامسها

بغية الوصول الى معطيات واضحة لتفسير الأزمة ، ففي الوقت الذي ارتفعت فيه تكلفة التعليم بشكل مهول، انخفضت فيه المردودية ، حيث أن النتائج المتوخاة في اللغات ، في المواد العلمية ، لاتصل الى المستوى المرغوب فيه ، بمعنى أصح ان الجودة في التعليم اصبحت مفقودة ، من هنا يطرح السؤال لماذا هذا التوجه العكسي ما بين تكاليف التعليم و مابين مردوديته ؟.

ان طرح قضية التعليم بشكل مجرد لا يمكن ان يوضح الصورة أمام المهتم ، فتداخل المجال الاجتماعي أمر جد معقد وجد متشابك لهذا لابد من محاولة ضبط مختلف المقاربات التي أدت الى هذه المتغيرات السلبية التي يعاني منها قطاع حيوي وأساسي وجوهري في تكوين الانسان المغربي ، فرأس المال في كل الشعوب هو الانسان ، من هنا الاستثمار الذي تسخره الامم لقطاع التعليم .

وسأحاول خلال هذا العرض المتواضع ان ألامس بعض المقاربات التي تمثل في الوقت الراهن تحديات أمام الأباء أمام التلاميذ وأمام المؤسسات التعليمية .

لابد من الاعتراف بان المجتمعات العربية عامة والمجتمع المغربي خاصة ، يمر من مرحلة مرض ، فعلم النفس يؤكد ان المجتمعات تمرض كما يمرض الانسان ، ومرض الانسان كما يعلم الجميع يمكن ان يكون عضويا كما يمكن ان يكون نفسيا ، ونفس الشيء بالنسبة للمجتمع فأين يبرز مرض المجتمع المغربي ؟

يبرز في العنف بجميع أشكاله ، داخل المؤسسات التعليمية وعند أبوابها ، في انفلات الأبناء من سلطة الآباء ، في كثير من الظواهر الجديدة في اللباس ، في شكل الحلاقة بالنسبة للذكور والاناث معا ، في تعاطي لكثير من انواع المخدرات التي تؤدي الى الهلوسة ، عدم الاحترام المتبادل مابين المراهقين والراشدين ، في سلاسة استعمال كلمات نابية وسب علني بدون أي خجل ، الانفلات الامني .مظاهر الفساد المتزايدة .. وغيرها من علامات وبراهين المرض التي لابد لها من علاج .

أكيد ان هناك العديد من التراكمات التي أدت الى هذا الانحلال ، أقول تراكمات ولا أقول اسباب ، لأن الاسباب من المسببات تكون واضحة المعالم ، بينما في علم الاجتماع وخصوصا في علم النفس ،لايمكن افراز الاسباب لأنها متداخلة ومتشابكة ومعقدة.

1 ـ ما يعانيه المجتمع له ابعاد تاريخية مرتبطة بالمستعمر وما خلفه من انشطار داخل الجسم المغربي ، واخطرها ظاهرة ” الحمايات الشخصية ” وظهور المغربي المحمي الذي يتمتع بامتيازات لا يتمتع بها المغربي غير المحمي ، هذا الانشطار لازال قائما ولم يستطع الجسم المغربي التوحد من جديد حتى بعد الاستقلال وهو بارز للعيان في تشكل طبقات المجتمع الحالي .

2ـ مختلف الوعود التي قدمتها الحركة الوطنية إبان الاستعمار والتي كانت تقدم للمغاربة وعودا وردية وحياة زاهية ، غنية ، ينعدم فيها الفقر والامية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية ، ولم يتحقق من ذلك شيء رغم مرور أكثر من 50 سنة على استقلال البلاد ، فكان الاحباط وسادت روح عدم الثقة في جميع المؤسسات وبين الجميع كبار ، صغار ، مثقفين وعاديين . وزاد الانشطار ، وغابت المواطنة ، واندثرت الحكامة في جميع خلايا الدولة والمجتمع .

3ـ ظاهرة الهجرة القروية التي افرزت تداخل العقلية البدوية سواء الأمازيغية أو العربية بالعقلية الحضرية أو المدينية ، هذا التداخل الذي لا يكون دائما سلسا ، بل فيه صراع يمكن ان يؤدي الى احتقار او الى تعايش محتشم لايتميز بالاستقرارالدائم . ناتج عن العادات والتقاليد وعن الاعراف المختلفة مابين العقليتين ، فنلاحظ صراعا دائما في أحيائنا وأزقتنا وحتى في العمارات السكنية .

4 ـ ما عرفته الاسرة المغربية المدينية من تحول نحو المجهرية ،والسعي نحو الاستقلال التام عن الاسرة الأم ، الشيء الذي ادى الى تغييب لدور الجدات والأجداد في السهر على استمرار المبادئ المقوية لإستمرار المجتمع ، فبقاء المجتمعات رهين باستمرار مكوناته الاخلاقية واسسه المبادئية ، ولا يمكن لها ان تستمر الا اذا وجد ساهر على تمريرها وتمكنها من وجدان الناشئة . فغياب الجدة داخل البيت غيب الحفاظ على هذه المقوات الأساسية ، بل غيب حتى توسيع المخيلة ، فدور الحكواتي الذي كانت تقوم بها الجدات كان وراء توسيع أفق الخيال لذى الناشئة ، وهو عنصر أساسي في جميع المواد الدراسية .

اذا فالتفريط في الجدات لم يكن بدون ثمن حيث كان له وقع كبير في سلبية التكوين الوجداني والخيالي والأخلاقي ، التي لم تتمكن كل الوسائل الحديثة من تعويضه .

5ـ تراجع وأحيانا اضمحلال دور الآباء في حياة أبنائهم ، وهذه حقيقة لا يحس بها الآباء الا بعد فوات الأوان ، نعم أيها الاخوان فقد قدمنا استقالتنا من تربية أبنائنا فقدم الأبناء استقالتهم من كل شيء ، من طاعتنا ، من الدراسة ، مم ممارسة واجباتهم ، من الاعتناء بغرفهم ، وظننا مع انفسنا اننا بتوفير ما لذ وطاب من المأكولات ، وبالتجهيزات المنزلية الرفيعة وبتوجيههم نحو احسن المدارس الخصو صية ، نكون قد وفرنا لأبنائنا كل ما هم في حاجة اليه ، وبالتالي كل العلاقات الأخرى تبقى ثانوية .

وهذا هو أكبر خطأ ارتكبه الآباء الحاليين في حق ابنائهم ، وهو خطأ كبير بل وخطير جدا ،

يمكن اعتباره المشكل الجوهري فيما آل اليه المجتمع المغربي الحالي ووضعية التعليم بصفة خاصة .

يمكن للطفل ان لايكون عبقرا في دراسته ولكن لا يمكن ان يكون غير متخلق اذا ما شملته تربية على المبادئ والاخلاق وقامت بتحصينه من مختلف التأثيرات السالبة .

سيقول الآباء ماذا ينتظر منا ابناؤنا اكثر مما نتعب بغية توفيره لهم في ظل الظروف الاقتصادية والغلاء الفاحش الذي يصاحبها ، اكيد ان هذا صحيح لكن لا يمكن ان نصب كميات من الماء ، على نذرته ، في تربة غير صالحة وننتظر موسما زراعيا وفيرا ،

فاذا طرحت سؤالا على الآباء وعلى الأمهات الحاضرين في هذا اللقاء ، كم عدد الساعات في اليوم التي تخصصونها لمجالسة أبنائكم ومحادثتهم والإصغاء لمشاكلهم ومعاناتهم ، لا أعتقد ان الوقت يمكن ان يتعدى وقت الوجبات الغذائية ، وبعد ذلك ينصرف كل فرد الى قضاء حوائجه ، فالام الى المطبخ والاب الى التلفازأو الى المقهى ، والبنت الى غرفتها ، والابن الى غرفته .

من سيمرر المبادئ ؟ من سيمرر القيم ؟ من سيقترب الى وجدان الأطفال ؟ ألا يخلق هذا فراغا عاطفيا ووجدانيا ، ويضرب بالروابط المتينة ما بين افراد الاسرة خصوصا ما بين الأب والابن ومابين الأم وابنتها ،وبالتالي الى من وكلت مهمة تمرير القيم والمبادئ والاخلاق الى ناشئتنا ؟ اذا تمكنا من الاجابة على هذا السؤال نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في تشخيص بعض دواعي مرض مجتمعنا الراهن وضعف تعليمنا الحالي .

الى الشارع أم الى المدرسة ؟ أو الى التلفاز ؟ أم الى الأنترنيت ؟ ماهو الجهاز او الجهة المسؤولة عن استمرار مقوماتنا ؟

6 ـ أكيد ان استمرار المبادئ والقيم المجتمعية يجب ان تكون من جهات تعزف على نفس الوتر ، والا ستؤدي الى نتائج عكسية اخطرها انفصام شخصية الناشئة وعدم ارتباطها باي توجه ،وهذا بالضبط ما تعاني منه ناشئتنا في الوقت الراهن .

فمبادئ التلفاز متضاربة ، وما تبثه مختلف القنوات العالمية الامريكية والاوربية والعربية تعمي البصيرة وتتيه بالانسان العاقل والراشد فكيف بالطفل وبالمراهق .

شبكية الانتيرنيت أتت على الاخضر واليابس في مجتمع هش ضاع وتاه في بحر لجي ليس له شاطئ .

الشارع وما ادراك ما الشارع ، فيه الغدر والخيانة ، والجهل والامية ، وغياب القيم وفيه البهتان وطغيان المادة والقيم المرتبطة بالمال ولا شيء غير المال .

المدرسة ، أؤكد لكم أن المدرسة الحالية ببارمجها وبمناهجها المعقدة ‘ قد غابت فيها القيم بحمولتها ، فحتى مادة التربية الاسلامية ، اصبحت مادة جوفاء تخاطب العقل ولا تخاطب الوجدان ، وغدا التلاميذ يسخرون في بعض الاحيان من محتوياتها ، لأنها تبدو غريبة عليهم وعلى حياتهم اليومية . فالمدرسة تكون العقل الفارغ من الروح . أي المادة العلمية المعرفية البعيدة عن الارتباط بمكونات الانسان الروحية ،العاطفية ، الوجدانية ، الوطنية ،الدينية .

المدرسة تكون ربوات لإجتياز الامتحانات الجهوية والوطنية بأعلى معدل ممكن، كيف؟ غير مهم . من هنا الاشمئزار من المواد الدراسية ، ورفضها واحيانا كثيرة مقاطعتها ، فالعديد من ابنائنا لايترددون عن قاعات الصف الا ارضاء لآبائهم .

فكيف نضع الطفل الذي يولد على الفطرة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف ، في هذا التيهان ، ونغيب نحن مقتصرين على توفير الاكل والشرب واللباس والاثاث . فاصبح الاطفال في حياتنا شيء نتباها به امام الجيران وامام العائلة ، من حيث الشكل الخارجي ، دون ان نعير العمق أي اهتمام .مثلهم مثل الأثاث الذي نزين به صالوناتنا . الا ان الفرق هو ان الأثاث تابت والطفل ينمو ، يكبر ، يطالب ، يحاسب ، يمتنع ، يثور واحيانا يضرب .

فلماذا يثور ؟، لماذا يضرب ؟، الجواب فيما سبق ، غياب الجدات ، استقالة الآباء ، تضارب التوجيهات القيمية في التلفاز ، في الأنترنيت ، في مختلف القنوات في الشارع في المدرسة ، كل يعزف على هواه ، فتصبح السنفونية تصم الاذن من ضجيجها وهذا ما اصم اطفالنا من تضاربها ، فتاهوا وفي التيهان غابت القيم والمبادئ والاخلاق وكل المقومات الجميلة في مجتمعنا ، المودة ، المحبة ، التعاون ، الاخلاص ،الاحترام ، الجد ، المثابرة ، الاجتهاد ، التضحية ،الاستمرارية في العطاء ، حب الآخرين …. الخ

6 ـ العولمة ” لقد همت العولمة كل شيء تقريبا ، اذ تعولم رأس المال والشركات والأسواق الكبرى بمقتضى حرية التجارة ، كما تعولم العلم والمعلومات والاعلام والديمقراطية وحقوق الانسان ، والدفاع عن البيئة ، وتعولم الفقر والهجرة والاجرام

والأمراض والأوبئة الفتاكة وتدمير البيئة .”

من هنا فحسب الموقع الالكتوني archrs. Org :

يتعرض الطفل العربي لتيارات وقيم غربية متباينة وأساليب متنوعة في التفكير عبر القنوات الفضائية العربية وغير العربية ، وعبر الحواسب الآلية . وتتباين قيمه الاجتماعية مع العولمة الحديثة المنقولة اليه عبر الكثير من الوسائل التي بات من الصعب السيطرة عليها ، في الوقت الذي تنحسر أدوار كل من الأسرة والمدرسة في التنشئة … مما يعرض مستقبل الثقافة العربية لمخاطر ذات الصلة بجوهرها الروحي واللغوي ، نتيجة لما يعيشه الأطفال العرب من مواقف صراع ، وبين اساليب غير قادرة على الصمود أو جذب الطفل اليها .”

7 ـ كما ان غياب ثقافة الكتاب والقراءة عامل حاسم في الكثير من الظواهر السلبية في حياتنا فالقراءة وتوسيع الخيال ، والتمكن من المعرفة من مصادرها وتتبع مسار فكر الكتاب ، كفيل بان ينمى لذى الناشئ فكر متفتح ، ناقد ، مقارن ، وبالتالي تكوين شخصية متوازنة ، مستقلة قادرة على اتخاذ القرار السليم والرد على كل التأثيرات السلبية التي تعصف بالفكر الفارغ الذي لا يتوفر علي أي مضادات حيوية . بماذا عوض الكتاب في حياتنا وحياة اطفالنا؟ بلا شيء ، لهذا يتاثر اطفالنا بكل شيء تافه وبكل القيم المستوردة الغريبة علينا وعلى مجتمعنا ويتراجع مستواهم الدراسي لأنهم يكتفون بالمقررات الجامدة الجافة التي تبث المعرفة المجردة .

من خلال هذه المقاربات نستنتج ان مجتمعنا يعرف متغريات عميقة وجوهرية ، دون ان يكون ادراك بها وتحضير للأدوات إن لم اقل للأسلحة الضرورية للتعامل معها حتى لا تقع نتائج وخيمة على مسارنا وعلى حياتنا ، على حاضرنا ومستقبلنا .

فالتشخيص جزء من العلاج ، والرغبة في الاستشفاء وسيلة للنقاهة .

الحلول الضرورية تبدأ من تحديد المسؤوليات وابراز الواجبات مع تعميق النقاش بهدف خلق قناعات لذى جميع المتدخلين تكون وراء تحميل فهم الابعاد واستجلاء النتائج والرغبة في الافضل بدون تكاليف وبدون عناء ، فالوضوح اقصرمسافة للوصول بارتياح .

من هنا لابد من مراجعة دور الآباء في تتبع كل خطوات واهتمامات ابنائهم ، لايمكن ترك مهمة مراقبتهم للأمهات فقط ، لأن العاطفة الزائدة لذى الأمهات كثيرا ماتؤدي الى نتائج عكسية ، فتواجد الأب الصارم والمتفهم في نفس الوقت ، المحاور المقنع المتعاطف ، يعوض الخصاص الذي يدفع البنت الى البحث عن صديق والولد الى التعويض بصديقة . الفراغ ما اخطره في نفوس ابنائنا .

لايعني هذا التقليل من دور المرأة ، فحاليا الزوجة هي الوحيدة التي مازالت تضحي بشكل انتحاري من اجل ان تعطي لأبنائها ـ خاصة الذكور منهم ـ أحسن ما يمكن اعطاؤه وتوفيره ، لكن هذا الانتحار الزائد والعاطفة الكرمية والعطاء بدون حدود مع سلطة الأب الغائبة ، تجعل الإبن يستغلها في نوع من اللامبالاة وفي التهاون والانزلاقات كثيرا ما تكون خطيرة .

لابد من مراجعة تعامل ابنائنا مع كل اسلحة العولمة الفتاكة ، العولمة تيار جارف ، وتعلم السباحة وحدها لا تكفي ، السباحة والذكاء في السباحة ، لأن التيار خطير والغرق محتوم امامه إذا لم يكن هناك ذكاء في استعمال السباحة .

التلفاز نعم بتقنين ومتابعة ، فكثرة مشاهدة التلفاز تِؤدي ، وحسب العديد من الدراسات الى الوهن الى الكسل الى تراجع حدة الذاكرة والى فقدان القدرة على التركيز، بل الى الاصابة بمرض الزهيمر.

الكمبيوتر والانترنيت ، نعم ، بتقنين ومعرفة ومراقبة وتحديد للمدة الزمنية مع توضيح الإيجابيات والسلبيات والاقناع بها. لاتجعلوا وسائل العولمة بخطورتها وسيلة للتملص من واجباتكم تجاه ابنائكم .

الشارع ،لتجنب تاثيره الصارخ لابد من مصاحبة الابناء ومعرفة اصدقائهم ، التقليل من ملئ الفراغ بالشارع ، لأنه غير مأمون ، وتياراته المتناقضة كثيرة وغير مرئية ، فالأحسن تجنبه بالقدر الممكن .

المدرسة . دورها اكتفى بالمعرفة والتنشئة ، وأهمل التربية ، من هنا ضرورة ملء الفراغ التربوي الموجود في المدرسة بالحضور والمتابعة والملازمة المستمرة لأبنائنا داخل المؤسسة التعليمية وفي المنزل ، بدونها لا نضمن النتائج .لاينتهي دورنا في دفع الواجبات الشهرية واقتناء الأدوات المدرسية ، هذا الجزء البسيط والسهل ، الصعب هو المتابعة اليومية المسائية ، حيث تبدأ مهمة التلميذ في المراجعة والقيام بالواجبات الدراسية ، وترك الطفل وحده أمام إغراءات ولذة مشاهدة الأفلام والسباحة في شبكة الأنترنيت ، يجعله يتخلى عن الواجبات امام جذب الاغراء ، وهذا كل يوم وطيلة السنة ، ولا ننتبه الا بعد توصلنا بنتيجة غير مرضية ، فنصب جم غضبنا على المؤسسة وعلى المعلمات والمعلمين ، في الوقت الذي لا يمكن البثة ان نلوم انفسنا ولو لمرة ونقول نحن المسؤولون ، لقد قصرنا في حق ابنائنا .

الطفل ، أيها الاخوان كمصدر ماء نقي ، اذا اردنا ان نوصل الماء من منبعه الى الجهة التي نريد ان نستعمله فيه ، لا بد من قناة تتكون من جهتين ، فاذا كانت القناة مكسورة او فيها ثقب او غير صالحة ، فان الكمية التي ستضيع تكون كثيرة ولن يصل الى الجهة المقصودة الا كمية قليلة ، وربما لن تصل اية كمية .

اذا لابد من تعاون الجميع ، ولابد من التضحية الجدية الدائمة المستمرة من اجل ناشئة تتميز بمكونات معرفية وخلقية ومبادئة كفيلة بجعلها تواجه الحياة دون ادنى صعوبة .

أطفالنا في خطر فلنكن الى جانبهم ولنآزرهم حتى يعبروا هذه المرحلة في حياتهم لأنها مرحلة التأسيس ، والتأسيس يتطلب جهدا أكبر وأوسع من أية مرحلة أخرى .

قوموا بواجبكم تجاه ابنائكم وستكون نتائجهم الدراسية مبهرة ومفرحة ومسرة ، وستحسون بسعادة لا تضاهيها سعادة ، لأنها سعادة التفوق والنجاح ، مزدوجة ما بين الآباء والابناء في نفس الأوان ، ففي الوقت الذي يفتخر الطفل بتفوقه ، يسعد الأب بالقيام بواجبه الديني والدنيوي والأسروي لأنه نجح في تمتيع المجتمع بابن صالح قادر على المساهمة في بناء وطنه وأسرته .

أتمنى أن اكون قد لامست بعض المقاربات والجوانب المتعلقة بالتعليم والمستجدات المجتمعية التي أثرت فيه وجعلته يعاني من قلة الجودة ومن تردي المستوى ومن انعدام تكافئ الفرص .

أكيد ان هناك العديد من الجوانب الأخرى لم أتعرض لها في هذه المداخلة ، لكن اذا تفهمنا واستوعبنا هذه المفارقات المذكورة واحطنا بها وحاولنا ان نعالج انفسنا واعطينا لأبنائنا المزيد من الوقت ، ولا شيء آخر غير الوقت ، فسنكون قد قطعنا شوطا كبيرا في الاصلاح ، اصلاح المجتمع وبالتالي اصلاح التعليم .

 

عبدالحق الفروكي