Accueil / Non classé / قراءة في دليل تقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي/ ملاحظات واقتراحات/مفتشي التوجيه نموذجا

قراءة في دليل تقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي/ ملاحظات واقتراحات/مفتشي التوجيه نموذجا

Auteur: سنهجي عبدالعزيز /المغرب/الرباط

قراءة في دليل تقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي/ ملاحظات واقتراحات/مفتشي التوجيه نموذجا

صدر مؤخرا دليل لتقييم الأداء المهني لموظفي قطاع التعليم المدرسي، ولقد أثار هذا الدليل نقاشا كان في بعض الأحيان ساخنا بين صفوف الفاعلين التربويين والاجتماعيين، وخاصة بعد صدور المذكرة الوزارية رقم 4، بتاريخ 12 يناير 2008، الملزمة بتطبيق شبكات التقييم الجديدة. وبعيدا عن الأحكام الجاهزة والمتسرعة، نعتبر بأن صدور دليل من هذا القبيل مسألة إيجابية وخطوة أساسية يجب أن تتبعها خطوات أخرى ترمي إلى المراجعة والتعديل والتصحيح.

ومساهمة مني في إثراء هذا النقاش المهني الذي يسلط الضوء على مسألة مصيرية وحاسمة في تطوير الأداء المهني للموارد البشرية بمنظومة التربية والتكوين، أود أن أدلي ببعض الملاحظات حول هذا الدليل وخاصة في جانبه المتعلق بمفتشي التوجيه التربوي. لكن، قبل الدخول في مضمون هذه الورقة، أذكر ببعض المبادئ الضرورية لكل فعل تقييمي، لأنتقل فيما بعد لتسجيل بعض الملاحظات الجوهرية حول الدليل، لأختم هذه الورقة ببعض الاقتراحات العملية الكفيلة بترسيخ الهوية المهنية للمفتش، وتدليل بعض الصعوبات المنهجية في تطبيق الدليل.

كل عملية تقييمية تراهن على الموضوعية والعلمية والمصداقية، لابد أن تتوفر فيها بعض المبادئ الأساسية، لعل أهمها:

 

  لا يجوز اعتبار عملية التقييم غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة تروم تطوير الأداء وتجويد المنتوج وحفز الموارد البشرية؛ 

  يجب أن تحقق عملية تقييم المورد البشري تكافؤ الفرص والإنصاف، وتقوم على التعاقد المفضي لتحديد الأهداف والآليات والاستراتجيات؛ 

  يجب عقلنة آليات التقييم من خلال إخضاعها للمرجعيات العلمية المتعارف عليها، وضمان استمراريتها في الزمان والمكان وتنويع مصادرها وآلياتها؛ 

  التقييم مناسبة لترسيخ الهوية المهنية للفاعلين التربويين في المجال التربوي .وعليه، يبقى من الضروري استيعاب المهام والواجبات المطلوب القيام بها من خلال مؤشرات قابلة للملاحظة والأجرأة ثم القياس.

 

فيما يخص الملاحظات الجوهرية حول تقييم أداء مفتشي التوجيه التربوي فيمكن إجمال أبرزها، في المستويات التالية:

 

 على مستوى المشروعية العلمية والقانونية للدليل:

 

في غياب تحليل علمي لمهنة المفتش، يسلط الضوء على المهام والمجالات والمكونات وحدود وامتدادات هذه المهنة عبر مستويات النسق التربوي، يصعب وضع تقييم علمي وموضوعي للأداء المهني للمفتش. وعليه، قبل الانكباب على صياغة شبكات التقييم كان يفترض أن يدشن نقاش علمي أكاديمي حول “براديكم” مهنة التفتيش بأبعاده النظرية والعملية والسلوكية، يفضي إلى إخراج دليل توصيفي للمهام والكفايات، والذي يجب أن يعكس هوية وسحنة (Profil) المفتش، حينئذ يمكن بناء شبكات مكيفة ومستجيبة لعناصر التوصيف المهني. أما وقد تم استصدار هذا الدليل فهذا يضع العربة أما الحصان بكل ما يعنيه ذلك من صعوبة في الانطلاق واختلال في المسار والمآل.

 

أما حول المشروعية القانونية للدليل، فيكفي أن نتساءل عن مدى احترامه للمرسوم رقم2.02.854، بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، والوثيقة الإطار المنظمة للتفتيش الصادرة بتاريخ 16 أبريل 2004 ،والمذكرة الوزارية رقم 117 الصادرة بتاريخ 21 شتنبر 2004 حول موضوع تنظيم التفتيش في التوجيه التربوي، والمذكرة الإطار رقم 91 حول الإطار التنظيمي لمجال الاستشارة والتوجيه الصادرة في 19 غشت 2005 . مما سيخلق ارتباكا وغموضا في التعاطي مع المراسيم والمذكرات الصادرة عن الوزارة، وسيفتح باب التأويل والفهم المتفاوت على مصراعيه، الشيء الذي سيغذي الصراعات المهنية ويمس في نهاية المطاف بمصداقية عملية التقييم وانعكاسها الإيجابي على النماء المهني والتحفيز والتأطير المؤسساتي.

 

 على مستوى الاستقلالية الوظيفية لجهاز التفتيش:

 

إن جعل تقييم أداء جهاز التفتيش بمجالاته الخمس من اختصاص النائب أومدير الأكاديمية من أجل المصادقة، لمن شأنه أن يضرب في العمق مسألة الاستقلالية الوظيفية لهيأة التفتيش. وعليه، يبقى من بين نقط ضعف هذا التصور هو عدم تركه مسافة معقولة بين جهاز التفتيش و هياكل وبنيات منظومة التربية والتكوين، ليمارس صلاحياته بموضوعية ومسؤولية واستقلالية، بعيدا عن إكراهات وضغوطات وإغراءات الاندماج في دواليب الأجهزة الإدارية والتربوية، لأن التماهي مع الأجهزة الإدارية يصبح محرجا ومعرقلا للمهام في أحيان كثيرة.

 

وسيكون مفيدا لنظام يراهن على الشفافية والموضوعية، لو تم هذا التقييم من طرف هياكل وبنيات جهاز التفتيش وفق الترسيمة التالية: المفتشية العامة — بنية التنسيق المركزي — بنية التنسيق الجهوي— بنية التنسيق الإقليمي. بحيث كل بنية تقيم أداء المفتش المتواجد بداخلها، ويمكن أن تتعدد بنيات التقييم بما فيها التقييم الذاتي للمفتش من أجل تقليص هامش الخطأ في عملية التقييم.

 

 على مستوى موقع مفتشي التوجيه في النظام التربوي:

 

لحدود اليوم، لم يتم الحسم في موقع مفتشي التوجيه التربوي داخل النظام التربوي المغربي. فمقاربة الموارد البشرية تؤكد من خلال النظام الأساسي ودليل تقييم الأداء المهني لنونبر 2008، أن مفتشي التوجيه لا ينتمون لجهاز التأطير والمراقبة التربوية. في حين مقاربة المفتشية العامة للشؤون التربوية – من خلال النصوص القانونية التي تعمل بها- تؤكد عكس ذلك، مما يجعل موقع هذا الإطار غير واضح ومحدد وتتجاذبه تصورات ومقاربات متضاربة في المرجعيات والمنطلقات. وهذا لن يساهم في خلق أجواء تربوية ملائمة لممارسي مهام التفتيش في مجال التوجيه ولتقييم أداءهم ميدانيا.

 

 على مستوى التداخل في الاختصاصات والمهام:

 

ورد في الدليل، خلط واضح بين بعض المهام المنوطة بمفتشي ومستشاري التوجيه التربوي، بحيث نجد أن المفتشين يقومون بتتبع الحياة المدرسية وإيجاد الحلول لتعثر سيرها، وتتبع المردودية الداخلية للمؤسسات التعليمية والمساهمة في الرفع منها، وبتنظيم وتتبع عمليات الإعلام والتوجيه المدرسي والمهني، في حين أن هذه المهام هي منوطة كذلك بالمستشار والمفتش العاملين بالقطاع المدرسي حسب منطق هذا الدليل. وعليه، يجب التمييز بين مهام المفتش ومهام المستشار تفاديا لكل خلط وغموض وتداخل يمكن أن يحدث نزاعات وصراعات مهنية ينعكس كل ذلك سلبا على عملية التقييم.

 

 على مستوى فصل المؤشرات في حالة تعدد جهات التقييم:

 

إذا كان الأستاذ يخضع لتقييم من طرف المفتش المختص ومدير المؤسسة بشبكتين مختلفتين، فإن المستشار في التوجيه يخضع لتقييم المفتش والرئيس المباشر(الذي يمكن أن يكون في بعض الحالات مديرا لمؤسسة تعليمية وهذا هو توجه البرنامج الاستعجالي الذي يراهن على وضع مستشار واحد في كل مؤسسة ثانوية) بنفس الشبكة. مما يطرح مصداقية التقييم المنجز من طرف الرئيس الذي غالبا ما يكون غير منتميا لهيئة التوجيه من جهة، وإشكالية عدم فصل المؤشرات التي تخص مدير المؤسسة عن المؤشرات التي تخص المفتش المختص من جهة أخرى، علما أن هذا الطرح يعتبر من المرتكزات في التصور الذي تحكم في بناء الدليل من طرف مديرية الموارد البشرية.

 

 على مستوى المؤشرات المكونة لبعض المعايير:

 

فعندما نطلع على المؤشرات الواردة في المعيار حول القدرة على التنظيم وخاصة المؤشر الأول المتمحور حول تنظيم وتتبع مراقبة خدمات الإعلام والتوجيه وتقويمها، والمؤشر الثالث المتعلق بالمساهمة في ترسيخ الدور الاستراتيجي للتوجيه التربوي، يتضح بأن هذين المؤشرين وضعا في المكان غير المناسب، حيث يبقى المؤشر الأول له ارتباط وثيق بإنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة والمؤشر الثالث يحيل بالأساس على المردودية.

 

بناء على ما سبق من مبادئ وملاحظات، واستحضارا للتحولات التربوية والمرجعيات العلمية والقانونية المؤطرة لمهنة التفتيش في التوجيه التربوي والتي تؤكد على:

 

  التخلي عن صيغة التفتيش الإقليمي لصالح صيغة تفتيش المناطق التربوية وفق مقاربة تربوية ترى في منظومة التفتيش في مجال التوجيه التربوي جزء لا يتجزأ من ميكانيزمات اشتغال المؤسسة التعليمية ومن الحياة المدرسية بشكل عام؛ 

  المزاوجة بين التدخلات الفردانية للتفتيش و التدخلات الجماعية، تجسيدا للقيادة الجماعية والمسؤولية الفردية وما يتطلبه ذلك من توظيف مبدع لآليات العمل الجماعي وللمسعى التشاركي؛ 

  استحضار المقاربات الحديثة في مجال التـأطير والمراقبة، التي تؤكد على كيفية مساعدة المستشار في التوجيه التربوي وباقي الفاعلين التربويين على إيجاد طريقة ومنهجية في بناء وتنفيذ وتقييم برامج عملهم وفق روح تربوية يطبعها التعاقد والمصاحبة والتأطير والتكوين والتحفيز؛ 

  الانتقال من مقاربة تأطير الأفراد إلى مقاربة تأطير المؤسسات التعليمية، وهو انتقال ليس فقط في المفاهيم ولكنه تحول عميق يجب أن يلامس مناهج الإشراف والتأطير وأساليب الممارسة واستراتيجيات التدخل.

 

تأسيسا على كل ما سبق، وإذا جاز لنا التقيد بالمعايير الخمسة الواردة في المرسوم رقم 2.5.1367 بتاريخ 2 ديسمبر 2005، سوف أكتفي باقتراح بعض المؤشرات دون مناقشة المعايير الواردة في المرسوم، علما بأن عناصر قياس المؤشرات يجب أن تبرز الهوية المهنية للمفتش في التوجيه التربوي، بحيث يتم تقييمها وتوزينها بناء على دليل توصيف المهام المنتظر والذي يفترض أن يعكس السحنة (Profil) المحددة للأداء الطبيعي للمهام وفق معطيات مرجعية إما وطنية أو دولية لقياس المؤشرات.

 

بعض الاقتراحات الكفيلة بترسيخ الهوية المهنية لمفتشي التوجيه في النظام التربوي

 

  1)بالنسبة للمعيار المتعلق بإنجاز العمل المرتبط بالوظيفة فيستحسن أن يحتوي على المؤشرات التالية:

 

تأطير المستشارين في التوجيه والمكلفين بمهام الاستشارة والتوجيه العاملين ببنيات الاستشارة والتوجيه والمؤسسات التعليمية المتواجدة في منطقة التدخل التربوية ؛

مراقبة المستشارين والمكلفين بمهام الاستشارة والتوجيه العاملين ببنيات الاستشارة والتوجيه والمؤسسات التعليمية المتواجدة في منطقة التدخل التربوية ؛

تأطير ومراقبة عمليات التوجيه والإعلام بالمؤسسات التعليمية ؛

تنسيق برامج العمل مع القطاعات الأخرى( التكوين المهني/التعليم العالي/ البعثات الأجنبية…)؛

التمكن العلمي والوظيفي من مجال التخصص.

  2)بالنسبة للمعيار المرتبط بالمردودية فيمكن مقاربته من خلال المؤشرات التالية:

 

تطوير آليات التنسيق والتتبع والمواكبة لأنشطة أطر الاستشارة والتوجيه ولبنيات الاستشارة والتوجيه ؛

ترسيخ الدور الاستراتيجي للتوجيه في قيادة التغيير المخطط داخل المؤسسة التعليمية من خلال إدماج مكوناته ومجالاته في ميكانيزمات اشتغال المؤسسة ؛

تقدير المردودية الداخلية والخارجية للمؤسسة التعليمية واستثمارها في الرفع من الأداء التربوي والبيداغوجي؛

المساهمة في إرساء حكامة رشيدة من خلال الانخراط في عمليات التشخيص والتخطيط والتقييم والتتبع داخل المؤسسات التعليمية؛

المساهمة في سيرورة الإصلاح التربوي عبر الانخراط في مختلف الأوراش الإصلاحية؛

3)بالنسبة للمعيار المرتبط بالسلوك المهني فيستحسن أن يتكون من المؤشرات التالية:

 

التقيد والانضباط للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل؛

الإيجابية في التعامل مع المهنة والهندام الجيد ؛

التواصل الجيد والعمل في إطار فريق؛

القدوة في السلوك والممارسة المهنية؛

كتمان السر المهني واحترام أخلاقيات التفتيش المتعارف عليها؛

الانتظام في الأداء والتأطير عن قرب؛

عدم ارتكاب هفوة خطيرة (الإخلال بالالتزامات المهنية أو القيام بجنحة ماسة بالحق العام). 4) بالنسبة للمعيار المرتبط بالقدرة على التنظيم فيمكن مقارته من خلال المؤشرات التالية:

اعتماد برنامج عمل في التأطير والمراقبة يتضمن العناصر التالية:

مجالات التدخل ؛

الأطراف المساهمة؛

وسائل التنفيذ؛

الفئة المستهدفة؛

تواريخ التنفيذ ؛

آليات التشخيص والتتبع والتقييم؛

المنتوج المرتقب؛

النتائج المحصل عليها؛

توثيق المعطيات والإحصائيات الداعمة لبرنامج العمل إعدادا وتنفيذا وتقييما.

  5) بالنسبة للمعيار المرتبط بالبحث والابتكار فيستحسن أن يحتوي على المؤشرات التالية:

 

التمتع بالتفكير الاستباقي والعمل بتقنية السيناريوهات؛

ابتكار آليات للتدخل والمعالجة والوقاية ؛

تجديد الممارسة في مجال الاستشارة والتوجيه و إبراز المبادرات المهنية والعمل على التعريف بها وتوظيف التكنولوجيات الحديثة في الممارسة؛

البحث والإنتاج التربوي.

في الختام، آمل أن أكون قد ساهمت من خلال عناصر هذه المقاربة في فتح آفاق جديدة للتفكير والتأمل والتحليل حول كيفية تقييم أداء الذات المهنية لمفتش التوجيه التربوي، في أفق بناء دليل يستجيب لهويته المهنية، ويستحضر واقع وتطلعات المؤسسة التعليمية المغربية وآمال وطموحات الإصلاح التربوي المنشود.

 

الرباط في: 28 فبراير2009