Accueil / Non classé / الجامعة والمجتمع

الجامعة والمجتمع

Auteur: محمد ياسين العشاب

 

في الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة، كانت الآمال العِرَاضُ قد تَمَلَّكَتْ عقولَ وقلوب الآباء، فدفعتهم إلى الإقبالِ بأبنائهم وبناتهم على المدارس يسابق بعضهم بعضا، لعل من بينهم يكون الوزراءُ والمُدَرَاءُ الذين يُسَيِّرُون البلاد، ومن يتقلدون المناصبَ العليا للدولة فيساهمون بهم في النهوض بالوطن وإصلاحه، دون أن يُبَدِّلَ ذلك من أخلاقهم وولائهم لدينهم ولغتهم شيئا، ثم ما لبثت تلك الآمالُ الواسعة تُقَلِّصُها الأزمة الاجتماعية المُطِلَّة، والأخلاقُ والقيمُ تنكسر على صخرة الاستلاب الفرنكفونيِّ الصلبة.

 

واستمر التدفق بقوة على المدارس، والطاقةُ الاستيعابية ضعيفةٌ وعدد المقاعد قليل، ولا مناص من سرعة الاستجابةِ والوصولِ إلى الغاية بأيِّ وسيلةٍ كانت، وبعد التعليم الابتدائيِّ تَوَسَّعَ حجمُ التعليمين الإعدادي والثانوي، فارتفع كمُّ الطلب الاجتماعيِّ على استكمال الدراسة وولوج الجامعات، يواكبه ارتفاعُ الحاجة إلى الأطر التي تهم كافة القطاعات الاجتماعية من إدارة وتعليم وصحة ومجالات إنتاجية وخدماتية متعددة، لاسيما والمغربُ قد بدأ يطمحُ إلى إقامة الدولة العصرية بما تستلزم من مؤسسات.

 

وبالرغم من مشاق التأطير والحاجة إلى المجهودات والاستثمارات الضخمة، وبالرغم من المصاعب المتعددة التي ترتبط بالتقلبات السياسية والاقتصادية، فإن الضرورة التي أَذْكَتْ جَذْوَتَهَا أجواءُ اللهفة والتسرع، قد دفعت إلى الشروع الفوري في تأسيس الجامعات بشكلها العصري، واعتماد النماذج الجاهزة والحلول المحتملة المُفَصَّلَةِ على غيرِ قياسِ متطلباتنا الخاصة، وتمَّ تنزيلها على أرضية التعليم دون تمهيدٍ مسبَق، ففي بلد كاليابان مثلا على ما يزخر به من خبراءَ وأُطُر، إستغرق إصلاح الجامعات والتعليم نحو عشر سنوات، بينما اكتفى خبراؤنا في مدة وجيزة بنسخ تجارب أجنبية تَوَلَّدَتْ من معطيات اِجتماعية واقتصادية وسياسية خاصة، ولم يُجْدِ نفعًا بعد ذلك ما قامت به مديرية تكوين الأطر بمصالحها وأقسامها من مجهودات لسد الخصاص بالنسبة للأطر المتوسطة والعليا، لأن برامج التكوين التي اعتمدتها كانت تفتقر إلى الجودة، والسبب هو التسرع وشحُّ الموارد المالية مع قلة الأطر المؤهلة.

 

إن أزمةَ الجامعة المغربية هي أزمةُ انطلاقٍ وممارسةٍ معا، لأن التأسيس في البداية قد جاء كما رأينا طفرةً واحدةً من غير تخطيطٍ أو مواكبةٍ لواقع التطور المجتمعي، والأدهى من ذلك اعتمادُ المناهج الأجنبية ذت المنطلقات والمرجعيات والظروف الخاصة، لتَحْتَجِبَ عن الأنظار الفوارق الشاسعة بينها وبين الواقع العلمي الذي نحياه، ومدى قدرتها على الاستجابة لحاجيات المجتمع بحسب نوعية ثقافته وقيمه ودرجة نضجه المعرفي، وإلا فإن تأسيس الجامعة كان ينبغي أن يراعيَ كلَّ ذلكَ مع وضوح الرؤية والأهداف والوظائف، لكن الذي جَرَى أن الجامعة المغربية فَرَضَتْ عليها التحولات المفاجئةُ والتسرُّعُ أن تتراكم من غير أن تتهيأ لها التربة الملائمة، أو تُحَدَّدَ لها الأهداف التي تتأسس من أجلها. وبين تاريخ إحداث أول جامعة مغربية في 21 يوليوز 1959، وتاريخ صدور الإصلاح الجامعي الجديد 00.01 منذ أربع سنوات، وبعد ثلاثة عقود من الجمود لم يَتَخَلَّلْها أيُّ إصلاح، ظلت الجامعة المغربية تغدو وتَرُوحُ بين برامجَ ومناهجَ ومحاولاتٍ للتجديدِ لم يكن منطلقُها وطنيا محضا، لأنها كانت تنظر إلى وضعية التعليم العالي بمنظار الآخرين، وتقارب مشاكل الجامعة بمقارباتٍ اِنفرادية واختزاليةٍ بمعزلٍ عن الأوضاع الأخرى، مع أن الارتباط بينها قوي وأساسي، كما اتسمت بعدم الشمولية، وتغليب جانب الكم على المضمون، فانعزلت الجامعات عن المجتمع.

 

وعندما تكون الانطلاقة غير صحيحة تتراكم الأزمات، وهكذا ومنذ مستهل السبعينيات فقط تراجعت القدرة الاستيعابية للمؤسسات الجامعية، وبدأت تتضاءل بالتدريج فرص الإدماج المهني لخريجي الجامعات في سوق الشغل بالنسبة للقطاع العام، فبدأت تتشكل قطيعة تدريجية بين الجامعة والمحيط الاجتماعي، وتبيَّنَ أن الجامعات إنما تكوَّنَتْ تلبةً لحاجيات آنيةٍ سرعانَ ما انقَشَعَتْ فأفقَدَتْها أدوارَها، وانحسر دور التعليم العالي العصري رغم حداثة نشأته، فلم يعد قادرا على الاندماج الكامل في النسيج المجتمعي وتوجيه الفكر والممارسة، أو بمعنى آخر لم يستطع أن يؤدي دوره المنوطَ به في النهوض بالفكر والبحث العلمي وتأطيرهما، والنتيجةُ عجزُ التعليم الجامعي عن إدماج المتخرجين منه في محيط الشغل واندماجه في الواقع الاجتماعي، والأبعادُ الخطيرة التي تولَّدت عن ذلك العجز وامتدت لتشمل سائر الميادين.

 

لقد تَبَيَّنَ أن الجامعاتِ والمدارسَ إنما نُصِبَتْ لها غايةٌ محدودة، أُعِدَّ لها من الوسائل ما يكفي مقدارَ الحاجةِ من الغاية، وبعد زمنٍ يسيرٍ اِنْسَدَّ أفقُ الغايةِ المَرْجُوَّة من غيرِ توسيعٍ لها أو تغيير، ثم انصرفت الإصلاحاتُ إلى توسيعِ حجمِ الوسائل، فكَثُرَ الطُّلاَّب، وتراكمتِ الأفواجُ المتخرجةُ فوجًا تلوَ فوجٍ تبحثُ عن الغايةِ فَتجدُ نطاقَها أضيقَ من أن يَسَعَ سَيْلَهَا المُتَدَفِّق، فتَرْقُبُ وتَتَرَقَّبُ ومن خلفها أفواج متتاليةٌ لا تتوقف، وأخرى غاديةٌ رائحةٌ لا يدري السابق منها اللاحِق، وفي غَمْرَةِ الغُدُوِّ والرَّوَاحِ لا يَتَّضِحُ لكثيرٍ من الجامعاتِ المُشَيَّدَةِ والمدارس والشُّعَبِ المفتوحةِ أيُّ معنًى.

 

ويواكب العجزَ عن اندماج الجامعة في المجتمع تسجيل إحصائيات خطيرة، فنسبة الهدر الجامعي وصلت إلى نسبة 50% من الطلبة الذين يسجلون في السنة الأولى ويغادرون خلال السلك الأول، كما أن %10 من طلبة كلِّ فوجٍ هم الذين يحصلون على الإجازة، ويرتفع معدل سنوات الدراسة للحصول على الإجازة من ثلاث إلى تسع سنوات.

 

كيف يمكن للجامعة أن تقوم بدورها في تنمية المجتمع إذا كانت في انفصالٍ وبعدٍ عنه؟

 

لقد أصبحت كثير من المناهج المعتمدة في الجامعات ذات مضامين معزولة عن المجتمع وطبيعة القيم والمفاهيم المتداولة داخلَه، ذلك أنها تأسست في الغالب من منطلقات وكليات أجنبية عن الثقافة المغربية، والحقيقةُ المُغَيَّبَةُ أنَّ مناهجَ التربية والتعليم على جميع المستويات تعكس بالضرورة الانتماء العقدي والقيمي والأخلاقي للمجتمع، وحتى عندما يتم الاقتباس فإنه يقترن بالضرورة بالتأمل والنقد الكفيلين بتحقيق الانسجام مع المكونات الثقافية والحضارية الخاصة، غير أن الذي يحصل دائما هو ضعف العلاقة التي تربط مضامين المناهج التعليمية المعتمدة بالمفهوم التربوي من منطلق المفهوم الثقافي الخاص، فتضعف العلاقة بين التربية والمجتمع بافتقاد المناهج التعليمية والقرارات التربوية للمصداقية المجتمعية، وهو أمر يزكيه ” الميثاق الوطني للتربية والتكوين ” الذي يشير إلى بعض القيم الوطنية بخجل، ثم لا تجد لها في قلب محتوياته رائحة، ورغم إصدار وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي للمذكرة رقم 88 بتاريخ 5 / 6 / 2006، والتي تتعلق بإحداث وإرساء هياكل ” مرصد القيم “، فإن الواقع العملي يشهد باتساع الهوة بينه وبين الواقع الأخلاقي التعليمي المتأزم.

 

لقد كان من المفترض أن تكون مؤسسات التعليم الجامعي هي المؤطر للقيم داخل المجتمع، غير أن الثقافة الجامعية السائدة حالت دون ذلك، لأنها تعاني في جل المؤسسات الجامعية والتربوية من غياب وحدة تصورها وتنظيم مكوناتها في إطار خصوصي بعيدا عن آفة الاستلاب، الأمر الذي يَحُدُّ من دورها المفترض في الإرشاد الموجِّهِ للفكر والقيم والممارسة، والجامعةُ إذا كانت منظومة القيم التي تعمل وفقها تشكل قطيعة مع المجتمع وثقافته فإنها لا تؤثر فيه، والعكس صحيح، ونمثِّلُ لذلك بجامعة القرويين وكيف كانت تمارس وعلى مدى قرون تأثيرًا قويا ومباشرا على المجتمع، ثم انفصلت عنه عندما طال عليها الأمد دون إصلاح، وأُرِيدَ لها أن تزدادَ انعزالاً وانزواءً عن الميدان الذي تتبدَّلُ أحوالُهُ في كلِّ ساعةٍ ولا يتحرَّكُ منها ساكِن، ولو واكبتِ الجامعاتُ التطورَ الحاصلَ دون تجاوزِ الإطار القيمي والحضاري للمجتمع لساهمت بشكل قوي في النهوض به، لأن الجامعة إذا انطلقت من ثقافة المجتمع الذي تأسست فيه وانبنت مضامين مناهجها وعملها على احترام قيمه والتفاعل معها، تمكنت من أن ترقى بهذه الثقافة وتلك القيم وتزيدها نضجا وتضيف إليها ما يؤهلها للاندماج في الواقع العالمي دون إفراط أو تفريط.

 

إن إصلاح واقع التباين الحاصل بين الجامعات والتوجه القيمي للمجتمع يتطلب بالضرورة هامشا من الحرية، وهو الأمر الذي لا يتيحه عامل الهيمنة السياسية والاقتصادية النَّاشبة بمخالبها على التعليم قلبًا وقالَبًا، فالاستبداد السياسيُّ من جهةٍ يخنق أنفاسه بتوجيهه الوجهة التي تخدم النظام وتحقِّقُ مصالحَه، والاقتصاد من جهة أخرى يُصَفِّدُهُ بأصفادٍ ثقيلةٍ من التوجُّهِ الرأسماليِّ الجشِعِ نحو استغلال التعليم في الربح والمنافسة لصالح المتمولين الكبار، وبين هذا وذاك تنتفي علاقة التوافق الممنهجة الهادفة بين ” سلطان المعرفة ” الذي أَوْهَنَتْهُ استطالة النفوذ السياسي عليه، و” سلطان الدولة ” الذي أربك المؤسسات التعليمية بسيطرة قراراته على مسارها، وكان من المفترض أن يكون ” سلطان المعرفة ” أقوى وأشدَّ تأثيرًا في المجتمع من ” سلطان الدولة “، بل إن من بين أهم أدواره التي ينبغي أن يقوم بها مساهمته في ترشيد القرار السياسي وتوجيه الدولة والحدِّ من سلطتها، وإلا فإن نتيجة هذا الخلل في طبيعة الأدوار بين الطرفين كانت على حساب المعرفة نفسها، وهو ما يفسر التدهور الخطير الذي ترزح تحته مكانة البحث العلمي بالمغرب، وفراغَ المضمون العلمي لآلاف الرسائل الجامعية والأطروحات والعروض المقدمة على جميع المستويات، والدليل أنها لا تتقدم بالمستوى المعرفيِّ لبلادنا شبرًا واحدا! ونرجع إلى قانون الإصلاح الجامعي الأخير 00.01 فنجده يُقِرُّ باستقلالية الجامعة، ويعتبرها مؤسسة عمومية ذات شخصية معنوية عامة ومتمتعة بالاستقلال المالي والإداري، ونجد في المادة الخامسة من ظهير 01.00.199 المتعلق بتنفيذ القانون 00.01: ” تتمتع الجامعات في إطار مزاولة المهام المسندة إليها بالاستقلال البيداغوجي والعلمي والثقافي “. غير أننا لا نجد لتلك الاستقلالية المنشودة على أرض الواقع العملي مكانًا، وإنما يزداد طغيان السلطة الوصية التي لا تتورع عن التدخل في الشؤون البيداغوجية والعلمية والثقافية للجامعات! والنتيجة أن نشاط الجامعة المغربية لم تتجسد فيه خدمة المجتمع بشكل واضح، ما دامت منفصلةً عن ثقافته خاضعةً لإملاءات السلطة الوصية من جهة، والإملاءات الدولية المهيمِنةَ من جهةٍ أخرى، وما دامت تجتر باستمرار مناهجَ متقادمةً في التلقين والإشراف والبحث، حتى أصبحت الجامعة «قلعة منغلقة على نفسها، لا تعير أية أهمية لما يحدث حولها» ، أو هي عند البعض بمثابة «قبور حية» .

أما الشبابُ الجامعي فليس يعي بهذا الأمر أو يخطر له ببال، لأن المناهج المبنية على أسلوب التلقين وشحن الذاكرة والحفظ الجامد علمته أن ينحصر تفكيره في الامتحانات والنقط والنجاح، ويصطبغ سلوكه بأسلوب المداهنة والتحايل بحسب أمزجة الأساتذة ومدى تواضعهم أو تعاليهم على الطلبة، وأن يعكف على إعداد التقارير والعروض قصدَ إرضائهم بحسب ما يميلون إليه، بعيدا عن أية مراقبة أو توجيه فعلي، لذلك فإنه يجهل كثيرا عن ذاته ومكونات محيطه الاجتماعي والثقافي الذي يَحْيَى فيه، فيصعب عليه التموضع في سياق المحيط، هذا إن أُتِيحَتْ له الفرصة أصلا، ولا يتمتع بالإرادة العلمية والحرية الفكرية التي تتبلور بها اتجاهاته وميولاته، لأنه في استعداد للتضحية بها في أي لحظة مقابل رضى الأساتذة والحصول على نقط زائدة! وفي الحين الذي يجب فيه على أساتذة الجامعات أن يفتحوا نقاشا مباشرا مع المجتمع المحيط بهم، وأن يُقبِلوا بكليَّتهم عليه ليساهموا بأبحاثهم في التعريف بمشاكله ومحاولة النهوض به، يتَّخِذُونه وراءهم ظِهريًّا ويجرون دراساتهم وحواراتهم خارج المغرب، ويتزودون من فرنسا وبلجيكا وغيرهما بالمعلومات عن مجتمعهم وكيفية التعامل معه، ليربح السماسرة الأجانب مقابل تلك الوساطة أموالا طائلة!

أخيرا وليس آخرا، فإنه ما كان لمبادرات الإصلاح أن تتحرك شبرًا واحدا حتى تُشْرِكَ معها المجتمعَ بكافة أطيافه، ونقصد هنا من يمثلون ثقافة ذلك المجتمع وقيمَهُ التي لا ينبغي أن تغيب عن مناهج التعليم وطرائقِ التفكير، ثم يليهم من يمثلون الطلبة من أساتذة وآباءَ وإداريين، والحاصلُ أن جُلَّ الأساتذة الجامعيين لم يشاركوا في إعداد وصياغة ومناقشة مشروع الإصلاح الجامعي، أما الآباء والطلبةُ فأنَّى لهم أن يساهموا في أمرٍ يعنيهم ويخُصُّهُم، وإنما تُفرَض عليهم المناهج الجديدة من فوق، ويُدْمَجُونَ في المناخ التربوي الجديد من غير أن يفقهوا له معنى، وما ذاك إلا نتيجة لتغييب أسلوب الحوار المستمر والمثمر.