Accueil / Non classé / إدماج التعليم في التنمية

إدماج التعليم في التنمية

 

Auteur: محمد ياسين العشاب

 

إدماج التعليم في التنمية بقلم: محمد ياسين العشاب

 

أوهنَت جسم التربية والتعليمِ أسقامٌ عنيدة، فلما طال عليها الأمَدُ وقَسَتِ القلوبُ أصبحت وسائلَ يُعتَمَدُ عليها في الإصلاح، وتحوَّلَ الترياق الناجع الذي كان من قبلُ أمنيةً تُرتَجَى إلى سُمٍّ ناقع، وتحولت ” الهوية ” التي كانت مرجع المُرَبِّينَ وموئل المصلحينَ إلى ” تنميةٍ بشرية ” سَلَّتِ الروحَ من الجسد، وسلَّمَتْ جسمَ الأمةِ كلَّهُ للسماسرة الأجانب يقتسمونه فيما بينهم، وأفرَغَتْ خزائنَها واستنزفت قُوَاهَا لإثرائهم، وما نَشَدَتْ بعد ذلك مما أَغْرَتْ به إلا السراب، وضاعت ” الهوية ” المنشودةُ في المتاهات التنموية، ثم عَمَدَ أُسَاةُ اليوم مرضى الأمس إلى جسم التعليم العليل فكشَفُوا على الملأِ أعراضَ عِلَّتِه، والتربيةِ المُمْتَهَنَةِ كرامتُها فأنهَلُوهَا بدعوى العلاج من أدوائهم، فزادوها سَقَامًا على سَقام. قبل الشروع في إعداد ” الميثاق الوطني للتربية والتكوين “، صرح رئيس اللجنة المكلفة به بأرقام كارثية، هي حصيلة سنواتٍ عِجَافٍ من السياسة التربوية الفاشلة التي أودت بمستوى المغرب، ليصل إلى الرقم المخزي: 125!

 

تقول الإحصائيات: إن نسبة الأمية في المغرب قد بلغت 55% سنة 1995، منها 75% بالعالم القروي، تتوزع بين 90% من القرويات، و50% من العاملين، كما أن نسبة التمدرس الإجمالي غير كافية ما دامت لا تتجاوز 77% ، لأننا نجد حوالي مليوني طفل من 7 إلى 15 سنة خارج المدرسة.

 

ويقدم الميثاق بيانات دقيقةً حول تطور ميزانية التربية الوطنية، ذلك أنه في سنة 1972 بلغت هذه الميزانية بالدرهم الجاري (مليون) 827,8، لتنتقل سنة 96/1997 إلى 16373، دون أن ينعكس ذلك إيجابا على المردودية.

 

كما ورد في نفس الميثاق عن مؤشرات التربية لسنة 1995:

 

إن عدد سكان المغرب بلغ 26,524، وبلغت النسبة المائوية للإنفاق العام 5,6% ، والأمية 56,3% ، لتعطي نسبة التمدرس 72% ، فإذا ما قارنا المغرب بفرنسا التي تبلغ ساكنتها 58,104، وتنفق على مجال التعليم 5,9، ونسبة 0,00% من الأمية، ونسبة تمدرس تصل إلى 99% ، فإننا ندرك جيدا هول المفارقة.

 

أما المردودية الداخلية، فإن الأرقام تشير إلى أن نسبة الهدر تجاوزت حدَّ الاحتمال، ذلك أن 75% من الأشخاص يغادرون النظام في كل سنة في حال رسوب، ومن أصل 100 مسجل بالسنة الأولى أساسي، نجد 5 فقط من التلاميذ يحصلون على دبلوم عال، وفي دوامة هذا الوضع الخطير لا يمكن لنسب التكرار إلا أن تكون مرتفعة، فقد بلغت في الابتدائي 13,2% ، وفي الإعدادي 19,5% ، وفي الثانوي 17,1% ، وفي التعليم العالي بلغ معدل الحصول على الإجازة 9,3 سنوات!

 

أما بالنسبة للتعليم الابتدائي والإعدادي، فقد سجل الميثاق أن 28 تلميذا ينقطعون بين الأولى والخامسة أساسي من أصل 100 تلميذ في السنة الأولى، و7 في السادسة أساسي من أصل 72 تلميذا، و10 في السابعة أساسي من أصل 65 تلميذا، و12 في التاسعة أساسي من أصل 48 تلميذا، مما يفيد أن 35 تلميذا لا ينهون الابتدائي، و29 لا ينهون الإعدادي، و6 منهم يلتحقون بالتكوين المهني.

 

ومن أصل 36 تلميذا في الأولى ثانوي، و21 تلميذا في الثالثة ثانوي، لا ينهي 15 تلميذا دراستهم الثانوية، 7 منهم يلتحقون بشُعَبٍ قصيرة أو بسوق الشغل، ومن أصل 13 تلميذا يحصلون على البكالوريا، نجد 11 إلى 12 يلتحقون بالجامعة، 5 منهم يحصلون على شهادة جامعية، و7 ينقطعون دون الحصول على شهادة.

 

أما على مستوى المردودية الخارجية، فقد سجل ” الميثاق ” تدنيَ مستوى التحكم في اللغات، بما في ذلك اللغة العربية، كما أن نوعية التكوينات فيها لا تلائم سوقَ الشغل، مع ضعف القدرات على التواصل والتعبير، وضعف مهارات استعمال المعلوميات، وغياب الاستئناس بمناهج التنظيم والعمل.

 

وبالنسبة للاندماج في الحياة العملية، نكتشف ارتفاع نسبة بطالة الخريجين، مع عدم رضى المشغلين، ونقص الثقة في النفس وروح المبادرة .

 

ربما يبرر واضعوا الميثاق بهذا الواقع الأليم الذي أمعنوا في ذكرِ تفاصيله مشروعَهم الإصلاحي، وأنه قد أَزِفَ وقت إدماج التربية والتعليم في ” التنمية الشاملة “، فقد جرت العادة عندنا ألا نكترث بالدروس الماضية، وأن نقفز على المشاريع السابقة ونتهمها بالقصور وأنها سبب الفشل الحاصل، ثم نشرع في الإصلاح من نقطة الصفر، لتتعالى أصوات المصلحين الجُدُدِ بعد ذلك بالوعود، فمن التلويح بتخفيض نسبة انتشار الأمية إلى 20% من الساكنة عام 2010، إلى التبشير بإقامة عقد جديد بين المجتمع والمدرسة يربط بين الانفتاح على الحداثـة واستبـاق التطورات، وأثنـاء ذلك تكون العشرية الممتدة بين 2000 و2010 مخصصةً لإعادة الهيكلة الشاملة لنظام التربية والتكوين وتجديد البنيات، وتصحيح العجز الذي تسببت فيه البرامج الفاشلة السابقة، وجاء البرنامج الطموح الصلب الجديد ليصلح ما قد فسَد!

 

بغض النظر عن صحة الأرقام ومدى استيعابها لكل الواقع، وبعد ترسُّبِ الفسادِ سنينَ وعشوائيةِ التسيير وفراغ المشاريع الإصلاحية، لا يكون للإصلاح الجديد جدوى، ما دام لا يبحث في أسباب الفساد الحقيقية، ولا يتحلى بالشجاعة الكافية لمساءلة الواقع والاعتراف بمكامن الضعف في البناء التعليمي، بدل الاكتفاء بعرض الحالة دون تشخيصٍ للمرض أو تعليلٍ لأسبابه، وإلا فإن اختيار الدواء من دون ذلك سيكون في غير محله، لأنه سيزيد الحالة تأزما وتعقيدا، كما حدث عندما تم استعراض الواقع ثم تجاهله بعد ذلك مباشرة، وإسقاط مشروع جديد عليه يسبح في تقديرات الخيال.

 

والدليل الملموس أنه بعد بضع سنينَ من الإصلاح الجديد الذي حلَّ لاجتثاث الفساد القديم، تنتقل الإحصائيات إلى مستوى جديد أيضا، وتخبرنا منظمة اليونسكو بأن المغرب قد عرف سنة 2004 أكبر نسبة من الهدر المدرسي في العالم العربي، وتشير إحصائيات الوزارة الوصية لنفس السنة بأن الذين يصلون إلى السنة السادسة هم فقط 620 من أصل 1000 تلميذ مسجل في التعليم الابتدائي.

 

وتقول الإحصائيات الجديدة أيضا: إن نسبة تمدرس الفئة العمرية 4ـ5 سنوات قد انخفضت من 55.2 في الموسم الدراسي 1999/2000 إلى 51.3 في الموسم 2004/2005، مع العلم أن ” الميثاق ” كان قد راهن على تعميم التعليم الأولي سنة 2004، كما راهن على تعميم تمدرس كل الأطفال البالغين 6 سنوات سنة 2002، وكانت النتيجة عدم تجاوز نسبته 89.58 سنة 2005.

 

وفي الجماعات القروية لم تتجاوز نسبة التغطية على مستوى التعليم الإعدادي 40 % و 10 % بالتأهيلي، أما التعليم التقني، وبعد المراهنة عليه وعلى إدماج التعليم في الحياة المهنية، نجد أن عدد تلاميذه لا يمثل إلا 4.83 % من مجموع تلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي حسب الموسم الدراسي2003/2004 .


 

ذلك غيض من فيض، وهَبَّةٌ من ريحٍ أطفَأَتْ شمعة العهد الجديد التي لمَّا تَتَّقِدْ بعد، فلا حرية ولا عدل ولا كرامةَ مما بَشَّرَ به المبشرون، وإذا كلُّ شيءٍ لم يتغيَّر، وإذا الأحداث المؤلمةُ الجديدةُ تكشف القناعَ عن الواقع الجديد/القديم، واقعِ الفقر والضياع الاجتماعي الذي وَلَّدَ الانفجار في شوارع الدار البيضاء، وتفضحُ وضعًا أليمًا جُوبِهَ برفع درجات التأهب الأمني والهاجس المخابراتي، ثم أقبَلَتْ علينا التقارير الدولية من جديدٍ لتُعَرِّيَ الوضع العام بما لم يَدَعْ له حَيِّزًا للاختباء، وجاء تقرير البنك الدولي ليعلن أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق بالمغرب قد انتقلت من 6,6 % إلى 11,7% داخل المناطق القروية، وأن عدد الأسر المعوزة قد انتقل بدوره من 56,8 % إلى 60,5 %، وأن المعدل الاجمالي للفقر على المستوى الوطني قد انتقل هو الآخر من 13,6 % إلى 22,1% !!!

 

ورطةٌ حقيقيةٌ لم تُجْدِ أساليب التعتيم والبهرجة الإعلامية في إخفائها تارةً، أو إبدائها تارةً أخرى بخجل، والدعوة في المقابل إلى إعادة تفعيل البرامج التنموية لتدارك الخلل.

 

وفجأةً! وفي غمرة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وفشل السياسة التربوية، يتصدَّرُ الخطابَ السياسيَّ إعلانُ الملك في ماي 2005 عن بشرى ” المبادرة الوطنية للتنمية البشرية “، بشرى المشروع الطموح الذي يسعى إلى تشييد صرح المجتمع التنموي الحقيقي، وتحليةِ مرارة الوضع العام المتأزم.

 

مشروعٌ تنموِيٌّ وطنيٌّ شاملٌ لا يستثني ميدانًا، ويُسَخِّرُ في خدمته الإعلامَ والتعليمَ من أجل التوعية والتأطير، وحسب المذكرة التي تحمل رقم 76 بتاريخ 9 يونيو 2005، يعلن الجهازُ التربوي الرسمي عن انخراطه في المخطط الحكومي للتنمية البشرية، ويَشْرَعُ الأبواب للحديث عن إدماج قطاع التربية والتعليم في المبادرة التنموية، لينجليَ هذا النوع من الخطاب في جل المذكرات التربوية، كما نجد مثلا في المذكرة رقم 89 المتعلقة بالدخول المدرسي لموسم 2005 ـ 2006: «يدخل مسلسل إصلاح منظومة التربية والتكوين في الدخول المدرسي 2005 ـ 2006 سنته السادسة، وهو إصلاح يتجلى أساسا في تحسين جودة التعليم انسجاما مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، من خلال إعادة صياغة أدوار المدرسة وجعلها فضاء للتنمية البشرية والاندماج، تشارك وتتواصل فيه مختلِف الهيئات التربوية والإدارية مع مكونات المجتمع المدني والقطاعات المنتجة».

 

وما تشير إليه من جديد المذكرة رقم 126 الخاصة بتأطير وتتبع الدخول التربوي للموسم الدراسي 2006/2007، تحت شعار ” الأسرة والمدرسة: معا لبناء الجودة “:

 

«…حرصا على مواصلة تجنيد كل الطاقات والاستفادة من الإمكانات والموارد التي تتيحها أوراش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتعميق انخراط مختلف مكونات المنظومة التربوية في دعم وتحسين الخدمات التربوية والرفع من جودتها». لقد كان جهاد العلماء والوطنيين الأوائلِ والأفاضلِ الأحرار يطمحُ إلى رفع أصفاد التبعية الثقافية وذُلِّ الازدواجية عن التربية والتعليم، فدافعوا بقوة عن مفهوم ” الهوية ” تحصينا لمكونات الثقافة الوطنية الإسلامية، لأن تحسين أوضاع التعليم والرُّقِيَّ به إنما يتم من داخل الخصوصية الحضارية، حتى إذا ظَهَرَ عليها مفهوم ” التنمية ” جَعَلَ الأولويةَ في النهوض بالتعليم من خارج الإطار الحضاري، لأن الأمر إنما يتعلق في حقيقته بتمريرٍ جديدٍ لأساليب التبعية الثقافية والولاء للأجنبي، ومزيدٍ من تكريس التوَغُّلِ الفرنكفوني في جسم التربية والتعليم، ومداراة الواقع وتزويدِ الأفق المظلم بشعاعٍ جديد، لكن هذه المرة باسم ” التنمية البشرية ” وتَجَاوُزِ رواسب الماضي المتخمِ بالفشل، ووضعِ سلسلة من الرهانات التنموية أمام المستقبل المنشود، فمن مراهنةٍ على تعميم التعليم إلى مراهنةٍ على التأهيل الاقتصادي والمهني وإعدام الأمية، وبعد الفشل في ” تنمية التعليم ” تمَّ قلبُ المعادلة، فتحوَّلَت إلى ” تعليم التنمية “، وأصبح ” تعليم التنمية ” أداة مُسَخَّرةً في خدمة المشروع الوطني التنموي.

 

واقتحم مفهوم ” التنمية البشرية ” مجال التربية والتعليم فحَوَّلَ مسارَه، وبدَّلَ من بعد أن غَيَّرَ اتجاهَ المفاهيمِ أدوارَه، فأصبح التعليمُ خادمًا للتنمية، بدلاً من أن تكون التنميةُ خادمةً للتعليم، وغَلَبَ مفهوم ” التنمية ” على مفهومِ ” الهوية ” ليسلخَ المنظومة التربوية برمتها من معناها، ويجعلها في خدمة برامج محاربة التخلف من جوانبها الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية بعيدًا عن المحتوى الإنساني، وبين غربة الإنسان وضياع الهوية تُكَرِّسُ التنميةُ المنشودةُ انكسارَ الشخصية والازدواجيةَ وإهمالَ الاختيارات الوطنية.

 

لقد كان الدور المرتقب والمفترض للتنمية الشاملة أن تكون تنميةً للإمكانات الخاصة، ونهوضًا بالتربية والتعليم من منطلق حِفْظِ الهوية وتحصينها، وعلى النقيض يُدْفَعُ بقطاع التعليم دفعًا ويُزَجُّ به في خِضَمٍّ لا طاقة له بخوضه، فالمؤطرون التربويون ليس لديهم التكوين الكافي، والوضع التربويُّ فوضى دائمةٌ ورتابةٌ مكتبيَّةٌ وعبثٌ في تدبير الموارد البشرية، وأين الاستقرار السياسيُّ والحرية في استصدار القرارات التربوية بعيدا عن الوصاية الفوقية؟

 

إن النظام التعليميَّ في الواقع هو الذي يحتاج إلى تنمية، وكان الصواب أن تُعْكَسَ الآية، وأن تتوحد الجهود وتشارك الطاقات والكفاءات الوطنية في استصلاح ما بقي في الإمكان استصلاحُه، وإلا عاجَلَهَا الطوفانُ فجَرَفَهَا جميعا، فلا يبقى من سبيلٍ للإصلاحِ إلا اجتثاث الفساد من جذوره.

 

بقلم: محمد ياسين العشاب