Accueil / Non classé / كيف تحب أن تكون كليتك؟

كيف تحب أن تكون كليتك؟

في سياق النضال الطلابي .. إلى طلبة الجامعة المغربية

سؤال مطلبي وجوهري في حد ذاته. صحيح، كيف تريد و تحب أن تكون كليتك وعلى أي شكل و صورة؟ دعني الآن من المطالب الطلابية من تعميم و الزيادة في المنحة الجامعية و إلغاء بند الطرد التعسفي و تأجيل الامتحانات و توسيع المسجد و مجانية الكتب الجامعية … فكل هذا من حقك أن تطالب به و تناضل من أجله حتى تبقى جامعتنا تنبض بالحياة لأنه حق الطالب “المقدس” ..

 

لكن ما أطلبه منك هو أن تقف بضع دقائق فتتصور و تتخيل الكلية النموذجية و المثالية التي تتوق نفسك مزاولة دراستك و أنشطتك و حياتك الطلابية فيها على خير حال: تخيل أسوارها، أبوابها، أشجارها،مراحيضها و مدرجاتها وقاعاتها، مسجدها، ثم تخيل بعدها عميدها و نائبته، وإدارتها و أعوانها، وأساتذتها و طلابها .. هاه ! كيف هي الصورة المثالية عندك؟ لا شك أنن الحلم عندك مكتمل و صورته في مخيلتك وأنت تود في كل لحظة أن تضع هذا الحلم نصب عينك أن يتغير كل شيء في هذه الكلية ابتداء من أصغر شيء فيها.

 

لكن، دعنا نترك أنا وأنت هذا الحلم جانبا لوهلة قصيرة، لأقول لك أخي وأختي إن الكلام عن النموذجية المتصورة لحال الكلية في مخيلتنا كلانا هو مطلب ذاتي ، بمعنى “حق” : ولأن المطالبة بالحق أمر ضروري و هو بذاته حق مشروع، فإن هذا الجانب وحده لا يكرس الشخصية المتكاملة المتوازنة و المطلوبة من الإنسان المسلم المواطن الحر، لأننا إذا وقفنا عند حد المطالبة بالحقوق – بغض النظر عن مدى مساهماتنا فيها – فنحن بهذا نحوم في حلقة “الأنانية الذاتية” أي مفاهيم الأخذ و المطالبة، الوقوف و الجلوس، الشد و القبض و الضمّ، أما الشخصية المتكاملة المتوازنة فهي التي تنظر بعينين مبصرتين اثنتين ، وتتحرك في مسيرها بذراعين وساعدين يضبطان توازنك في الحياة : ساعد “الحقوق” بمفهوم الأخذ وذلك بأن تأخذها و تطالب بها، وساعد “الواجبات” بمفهوم العطاء وذلك بتأديتها. وباعتبار هذا لساعد أي الواجبات المحور الأساسي في تكامل و نضج الشخصية الإنسانية في تعاملها مع المجتمع بما يحمله هذا المحور من مفهوم المدّ و الإنفاق، المشاركة و المساعدة، المبادرة والصعود …

 

فهل تخيلت حينها أن للكلية أيضا “تصورا نموذجيا” اتجاهك قبل أن تطالب أنت بتغيير حالها إلى الأحسن، وهو من حقها ولها أن تطالب به بكل حرية!

 

نعم، فكأني بالمدرج يتصورك ذاك الطالب الذي يحرص على دروسه و محاضراته من دون غياب و تهاون، و كأني بالقاعة تأمل فيك طالبا يحافظ على أوقات الحصص النظرية والتطبيقية حتى إذا حضرت ساعة الامتحان توكلت على الله وسألته الإعانة واستعنت بعد مولاك على ما بارك الله له فيك من حفظ و مراجعة عوض الغش أو تموه غير شرعي، وكأني أيضا بالمراحيض (أعزك الله) تحلم بذاك الطالب الذي يعتني برونقها و طهارتها ولا يسرف في مياهها و ينظف داخلها.

 

كأني بمسجد الكلية يتخيلك ذاك الطالب الذي يحافظ على الصلوات في أكنافه، ويلبي نداء “الله أكبر” تاركا كل لغو أو مشغل تافه، ويحافظ فيه على سكونه و قدسيته و نظافته.. كأني بالخزانة تأمل فيك الطالب المواظب على المطالعة فيها، ذاك الطالب الذي يحترم و يقدر زملائه الطلبة من حوله فلا يصخب ولا يرفع صوتا، يتأدب بآدابها ويجتنتب كل ما قد يسئ على الطلبة جو المطالعة و المذاكرة.. كأني بأسوار وحيطان الكلية تحلم بذاك الطالب الذي يتابع كل إعلان معلق على أستارها، ذاك الطالب الذي لا يبسط يده خلسة لنزع إعلان بحجة أنه لا يعجبك أو ليس من مذهبك .. كأني بالكلية كلها تأمل فيك ذاك الطالب الواعي ، الراشد والمؤمن، الملتزم و الجاد، القوي و الناجح و المثابر، يحترم الآخرين بحسن سلوكه و حسن ملبسه المحترم: ذاك الطالب الصالح المصلح.

 

نعم، هذا هو ميزان الاستقامة في الشخصية المسلمة المتكاملة، أن تعطي باليد اليمنى وتأخذ بالأخرى، أن تنزل لتصعد، أن تجلس لتنطلق، أن تجري لترتاح، كأنك كما تدين تدان و لأن الجزاء من جنس العمل. واعلم أن ليس هناك عملا لا أجمل ولا أروع ولا أرقى ولا أنقى من عمل يبني على نية صالحة خالصة فيكون بذلك البذل و العطاء و المساعدة و المساهمة و المشاركة كشجرة طيبة لا تعطي إلا طيبا، حتى إذا سُلب منك حق أو أنقصتك مسألة كنت جديرا بالمطالبة بها وحقك مشروع حينها و مطلبك مستحق لأن ما ضاع حق وراءه طالب أدّى واجبه.

 

واعلم أخي أن مبدأ أداء الواجبات الذي تحدث عنه من داخل الكلية هو مبدأ منوط في جزء كبير منه بالعمل الجامعي و الترابط الطلابي الصادق، وأكبر واجب وجب تأديته في الرحلة الطلابية من داخل الجامعة بعد تحصيل العلم هو “الإصلاح” بكل معانيه، الإصلاح بما هو واجب ذاتي ينطلق من ذات التي ترضى بكل خير فتعمل به و تدعو له، وتنفر من كل سوء وشر وخبث و دناءة تتجنبه وتحذر منه..

 

قال الله تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ المائدة2

 

وللإشارة فقط، مسألة أن تتخيلك الكلية باعتبارها جماد أمر وارد .. ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ الإسراء44

 

بقلم طارق بنهدا [email protected]