Accueil / Non classé / محاربة الهدر المدرسي ومطلب التنمية الشاملة

محاربة الهدر المدرسي ومطلب التنمية الشاملة

 

Auteur: khattabi abdellatif

محاربة الهدر المدرسي في إقليم الحسيمة بين ضرورة الإصلاح الإداري ومطلب التنمية الشاملة

الدعوة إلى خلق مجلس استشاري للتربية في العالم القروي تفعيل مجالس التدبير يتطلب التسريع بمنح المؤسسات التعليمية استقلالها المالي.

إذا كانت ميزانية الدولة تمتص أكثر من ربعها لتغطية مصاريف قطاع التعليم فان ظاهرة الهدر المدرسي لازالت تؤرق المسؤولين عن تدبير القطاع لمواجهة هذه الظاهرة التي تعبر بكل وضوح عن عجز التسيير الحالي الذي لم ينجح في التصدي لها حسب ما يشير إليه تقرير اللجنة الخاصة للتربية والتكوين 1994/2004. وحسب مصدر لليونسيف فان الخسارة الناجمة عن هذا الهدرتقدرب . درهم 660.776.400 وإذا كان الأمر كذلك على الصعيد الوطني فانه أكثر تفاقما على صعيد إقليم الحسيمة لما راكمه هذا الإقليم من تهميش خلال سنين طوال وهو ما تفسره نسب الفقر والبطالة والهجرة إلى الضفة الشمالية بحثا عن لقمة عيش كريم. فبالنسبة لإقليم الحسيمة تدل بعض الدراسات الأولية أن الفوارق شاسعة بين المناطق التابعة لدائرة ترجيست مقارنة مع إحصائيات بلدية الحسيمة إذ يتراوح الفرق ما بين 1°/° ببلدية الحسيمةإلى 30°/° في جماعة امكزن مثلا. الأمر الذي يستدعي الوقوف عند هذه الظاهرة الصارخة والتي تضرب عرض الحائط مبدأ تكافؤ الفرص بين تلاميذ الإقليم….. إن هذا الوضع المأساوي الذي يتطلب دراسات ميدانية مدققة وعلمية لتقييم الخسائر الناتجة عن الهدر المدرسي يظل مطلبا أساسيا لوضع مخطط لمحاربة هذه الآفة التي تنخر جسم المنظومة التربوية بشكل سرطاني خطير. وبالطبع انه معروف أن إشكالية الهدر المدرسي مرتبطة بشكل قوي بوضعية الجودة التي رفعت كشعار خلال منتديات الإصلاح السابقة وبقيت بدون أية متابعة عملية وميدانية تذكر بسبب انعدام الرؤية الإستراتيجية الضرورية وأجرأتها ميدانيا في خطط عمل ينخرط فيها الجميع بكل قناعة ومسؤولية.

فالحديث عن الجودة يجرنا بدوره حتما إلى استحضار مكونات هذا المفهوم وهو ما سأتطرق إليه بإيجاز:

انه من الصعب الحديث عن جودة المدرسة في غياب حد أدنى من الشروط الضرورية التي تؤهل المتعلم لولوج المدرسة بمعارف ومهارات أولية كان في الماضي يتلقاها في المسجد أو المسيد واليوم أصبح من المفروض أن يقدمها له ما يسمى بالتعليم الأولي الذي يبقى شرطا أساسيا لتأهيل الطفل. غير أن ارتفاع درجة الفقر في العالم القروي وتشتت الدور السكنية جعلت الجماعات المحلية وجمعيات الآباء عاجزة عن التأسيس لهذه المرحلة التعليمية بعدما أن أعلنت وزارة التربية الوطنية رفع يدها عن أداء أجور المنشطات العاملات برياض الأطفال.وهو ما يطرح سؤال التزام وواجب الدولة في تقديم الخدمات التربوية للطفولة المبكرة. 

  جغرافية المنطقة ومأزق الاتصال: من المعروف أن جغرافية الإقليم تتصف بالتشتت وصعوبة المسالك وبعد المؤسسات التعليمية عن الدواوير ودور السكن ناهيك عن وضعية الفرعيات التي توجد في ظروف مأساوية تتطلب تعبئة اجتماعية وإرادة سياسية تعليمية فعالة ومتضامنة. أمام هذا المشهد الموصوف بالتشتت يطرح سؤال الاتصال والتواصل.فبعد الإدارة التربوية عن النيابة الإقليمية وضعف تأطير المدرسين يجعل المؤسسات تعيش في عزلة قاتلة يترتب عنها شعور بالإحباط عند المدرسين وتنامي ظاهرة الغياب عند البعض مما يزيد ظاهرة الهدر حدة وخسارة كبرى في الزمن الدراسي للتلاميذ فكيف يمكن لمدير يبعد عن النيابة ب150 كلم أن يصل إلى الإدارة الإقليمية كل أسبوع ليبلغ المسؤولين بوضعية التعليم المأساوية وكم ستستغرق الأوراق في دواليب الإدارة ليتوصل المعلم بالإجراء الإداري المنتظر ومتى سيتم تنفيذه؟ فهل البقاء على واقع الحال والاستسلام له يمكن أن يمهد الطريق لرفع التحدي وكسر العزلة لتمكين التلاميذ من حقهم في ولوج بوابة المعرفة الرقمية إذ تقدم التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال رهانا حقيقيا لفك العزلة وهو ما يفرض اتخاذ الإجراءات لتوسيع شبكة الكهرباء وتجهيز المؤسسات المعزولة وتكوين أطرها غير أن العكس هو الذي حصل إذ جهز المؤسسات التي تتوفر على الكهرباء لتبقى الباقية في انتظار الربط في يوم من الأيام .

  إن دمقرطة التعليم يقتضي تمكين جميع المغاربة على حد سواء بمصادر المعلومات ووسائل الاتصال فالإقرار بتميز ايجابي أمر محبذ لخلق التوازن بين العالم القروي والمدن. كما انه من عوامل الجودة إشراك الآباء في تدبير الشأن التربوي وهو ما يجرنا للحديث عن المجالس. هذا وقد أوكل الإصلاح القائم ادوار مهمة لمجالس التدبير لتقوم بتتبع الوضع التربوي والمصادقة على برنامج عمل المؤسسة غير أن التجربة أظهرت ضعفا حادا لانعدام الشروط الاجتماعية والمالية اللازمة, ففي جل الأحيان ينعدم تأسيس جمعية الآباء ويغيب المعنيون الأوائل من الحضور في تركيبة المجلس كما أن ممثلو الجماعات المحلية غالبا ما تطغى عليهم انشغالات وأولويات أخرى تجعلهم يتهربون من عبئ مطالب أسرة المدرسة التي في غالب الأحيان تفتقر إلى كل شيء.

  هذا الواقع الذي لا أحب أن أتعامل معه بلغة خشبية ,لابد من طرحه بكل شجاعة وجرأة ليتساءل كل واحد فينا عن الأدوار المنوطة به للبحث عن كيفية تفعيل هذه المجالس , بل إن اقتضى الحال البدء في التفكير في مراجعة المرسوم 376 المنظم لها لإلزام الجماعات تحمل مسؤوليتها في أفق تطوير استقلالية المدرسة ومنحها استقلالها المالي وتحريرها من وصاية النيابة التي برهنت التجربة أن الوقت قد حان لإرساء أسس تدبير جديد يقوم على مبادئ الحكامة الجيدة والإشراك والشفافية والمصداقية في التعامل. 

  إنني اعتقد بكل إيمان أن الأسرة المغربية مستعدة للتضحية بكل نفيس إذا ما استطاعت الإدارة التربوية أن تغير نفسها وأساليبها وتشرك الآباء والتلاميذ في اتخاذ القرار وتحدد المسؤوليات بشكل تعاقدي واضح, في هذا السياق أدعو رؤساء المؤسسات إلى نقاش شجاع لتشخيص مكامن الداء وتقديم الاقتراحات العملية التي يمكن أن تصاغ على مستوى التنظيم الجهوي والإقليمي والمحلي وذلك خلال منتديات الإصلاح المقبلة والتي ستخصص لموضوع الإدارة التربوية كما أعلن ذلك السيد الوزير.

 أدوار النيابة الإقليمية وأزمة المبادرة تحتل النيابة الإقليمية المفصل الإداري والتربوي بين الفرعية المنسية والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مركز القرارات الكبرى, القرارات الإستراتيجية بالنسبة لتطوير التعليم والارتقاء بجودته. غير أن واقعها الحالي لا يمكن تشخيصه إلا بالرجوع إلى تاريخ نشأة هذه الإدارة والمراحل التي مرت منها والمسؤولون الذين تعاقبوا عليها وتحليل طبيعة العلاقات الإدارية ونوع التسيير المعتمد وطبيعة الثقافة السائدة فيها.

  اللامركزية إدارة القرب : إن الحديث عن اللامركزية الذي صاحب إحداث الأكاديميات الذي اعتبره الأستاذ ساعف مرحلة جديدة في تاريخ إصلاح المنظومة التربوية يبقى حديثا شيقا ومثيرا للفضول, ذلك أن الأمر يدعو إلى القيام بمقارنة بين الوضع ما قبل إحداث الاكديميات وما بعدها, ومن وجهة نظر رجل التعليم فان الأمر لم يسجل أي تقدم ملموس وهذا ما يعبر عنه كثير من الأطر التربوية والإدارية, ذلك أن خلق مؤسسات عمومية جهوية تتمتع بالاستقلال المالي لم يكن المفتاح السحري الذي استطاع حل مختلف المعضلات التي تشكو منها المؤسسات التعليمية, وان قراءة العديد من التقارير الرسمية المنشورة على موقع الوزارة بالذات يثبت ما نقوله, ذلك انه إذا كان الغرض الحقيقي هو تقريب الإدارة من المواطنين كشعار لدمقرطة القرار التربوي فان مجهود اللامركزية واللاتمركز لا بد أن يطال المؤسسات التعليمية من جهة والجماعات المحلية من جهة أخرى ليتحول الشأن التربوي إلى شأن محلي ينخرط فيه الجميع كما هو الشأن في كل الدول التي خطت خطوات مهمة على طريق التطور الديمقراطي. من هنا اعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة المرسوم376 وخلق آليات الافتحاص وتعميمها على المؤسسات التعليمية لنكون حقا وضعنا الإصلاح على سكة الديمقراطية الحقة وتجاوز إدارة الريع.

  المطلب الشعبي في التمدرس لم يعد شعار تعميم التمدرس شعارا يقنع الرأي العام إلا في المناطق النائية التي تعرف تضخم الأقسام المشتركة بقدر ما أصبح السؤال اليوم ,هوماذا يتعلم أبناؤنا في المدرسة ؟إن توفير تعليم جيد أمر ليس بالهين إذ الموضوع يتعلق بسياسة تعليمية وتدبير فعال وبيداغوجية تستجيب لحاجات المتعلمين ومناخ يسمح ببناء الشخصية المستقلة ويؤسس لمواطنة مسؤولة. هذه الشروط لا يصنعها مرسوم أو مذكرة بل تصنعها تعبئة اجتماعية وإيمان بالرسالة في إطار مشروع إصلاحي متكامل يقوم على مبادئ التشارك والديمقراطية الصادقة. إن الاختلالات التي تعرفها بعض المؤسسات التعليمية تطرح سؤال التدبير في جوهره ويبقى مطلب المساءلة واردا لأنه لايحق لأي كان العبث بمصير أبناء الأمة.

 نحو إرساء أسس إصلاح إداري فعال إن المدرسة التي لا تستطيع تأهيل أبنائها للانخراط في الحياة العملية والنجاح في الحياة لا يمكن وصفها إلا بالمدرسة القفص.كما أن المدرسة التي تستمر في إنتاج الأمية من خلال مسلسل الهدر المدرسي والذي فشل الإصلاح الحالي في إيقاف نزيفه وذلك باعتراف اللجنة الوطنية حيت تقدم لنا أرقاما تعبر عن هذا الوضع المقلق: 

  على مستوى التعليم الابتدائي نسبة التكرار كانت 13.2°/°سنة97/98 وارتفعت إلى 13.8°/° في 2003/2004 في2003/2004وارتفعت إلى °/°19.9 بالنسبة للثانوي كانت 17.1°/° سنة 96/97 – فإذا كان الأمر هكذا على الصعيد الوطني فما هو الوضع في جماعة امكزن”نموذج الهدر المدرسي” وكل المؤسسات التابعة لدائرة ترجست.؟ وتجاوزا لكل الايجابيات التي حققها الإصلاح الحالي حيث نشعر لأول مرة بحدوث حوار وطني موسع داخل المؤسسات في إطار المنتديات والندوات والقاطرة تسير في اتجاه فرض مزيد من الشفافية والديمقراطية .

في هذا الاتجاه أقدم ضمن هذه الورقة جملة من الاقتراحات التي تمس المستوى المركزي والجهوي والإقليمي والمحلي :

  إن الحديث عن التجديد لايمكن أن ينتج من خلال أفكار جديدة سحرية يتقدم بها بعض الخبراء بقدر ما يتعلق الأمر بعمل مضني ومستمر للبحث عن الحلول الملائمة وخاصة للعالم القروي المهمش..إن تكييف البرامج مع الخصوصيات المحلية يستدعي التفكير في شراكات بين الأكاديمية والمندوبية الجهوية للفلاحة في إطار منهاج محلي لا زال يتطلب رفع حصصه الزمنية في المناطق القروية لإرساء تكوين مهني فلاحي ناجع. 

  إن الارتقاء بالبنية التحتية في العالم القروي أمر مستعجل وهو ما يستدعي سن سياسة تنموية تستهدف تنوع النشاط الاقتصادي ودعم الشبكات الطرقية ووسائل النقل والاتصال ومنظومة القروض الصغرى وإنشاء المراكز الثقافية التربوية وهو ما يستدعي مشروعا مندمجا لتنمية شاملة للمنطقة ما يدعو القائمين على إعداد المخطط الاستراتيجي الإقليمي أن يعطوا البعد التشاركي لكل الأطراف المعنية معناه الحقيقي في إطار مشاريع متكاملة مع العلم أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يجب أن تعنى بأولوية الأولويات.

  إن خلق مجلس استشاري للتربية في العالم القروي أمر محبذ لإيجاد السرعة المطلوبة لرفع التحديات التنموية وهذا ما يدعو وكالة تنمية أقاليم الشمال إلى مراجعة برامجها ووضع يدها في يد الأكاديمية الجهوية لتسطير برامج تنموية وتكوينية ذات بعد إنتاجي. 

  و إن إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية يستلزم مراجعة مضامين وأسلوب التكوين الذي يقدم بمركز تكوين المعلمين وإدخال وحدات ومجزوءات التدبيرالحديث الذي يستهدف خلق كفايات تدبيرية قوية وروح مقاولاتية تربوية لدى المديرين.

  التعجيل بإعادة هيكلة النيابات الإقليمية وإدخال إصلاحات جذرية عليها مع مراجعة النصوص التنظيمية وتحديد الاختصاصات والمسؤوليات بشكل مدقق على ضوء مراجعة كل الاختلالات التي تراكمت عبر السنوات السابقة وإتاحة الفرصة للتكوين المستمر لموظفي هذه الإدارة وخلق الحوافز المادية والإدارية للترقي والحركية. إن نجاح اللامركزية في قطاع التعليم يستلزم حتما تبني مقاربة التدبير بالكفايات يقوم على أساس

  القدرة على رفع التحديات ومواجهة المشاكل التي تعترض القطاع. 

  خلق شروط المصداقية في المؤسسات التعليمية والنيابات الإقليمية وإرساء العمل الجماعي القدرة على تلبية الخدمات التربوية للمتعلمين وليس انجاز المقررات 

  الدراسية بأي شكل كان تطوير الكفايات والذكاءات المتعددة للتكيف مع التحولات الاجتماعية السريعة 

  بلورة مفهوم جديد للموارد البشرية يقوم على أساس التقدير للأشخاص والثروة التي يمتلكونها من خبرة وتجربة.

  إن نجاح مسلسل اللامركزية في قطاع التعليم يستلزم حتما تبني التدبير بالكفايات لتمكين المسؤولين الإداريين والتربويين ليس فقط تنفبذ القرارات بل تجاوزها إلى مستوى المبادرة لما تمليه مختلف الوضعيات التي تواجه القائمين على الشأن الإداري والتربوي وهذا لا يمكن أن يتحقق في غياب شروط مناخ ايكولوجي لنمو البذرة- المشروع مما يتطلب رؤية نسقية متكاملة عند القائد التربوي على مختلف المستويات لتحقيق رهان مدرسة الجودة وبأقل درجة من الهدر المدرسي , مدرسة المستقبل,مدرسة الأمل, مدرسة المواطنة الحقة.

 

عبد اللطيف خطابي دهار نسجوم في9 فبراير 2007 [email protected]