Accueil / Non classé / العولمة الرأسمالية والتمويلات الدولية:

العولمة الرأسمالية والتمويلات الدولية:

 

هل الأنظمة الشمولية إلى زوال أم هي بداية ترسيخ لأنظمة أكثر شمولية؟

دور المنظمات المالية الدولية في ترسيخ النظام العالمي الشمولي الجديد؟

حقوق المواطنين وهيمنة التحكم الرأسمالي:

الدول العربية عجز غير مبرر:

زعامات وهمية وإضعاف لموقع العرب

ما هو الحل؟

Auteur: Ouaiaou Fatima

المشاريع التنموية والتمويلات الدولية، هل هي فعلا تستهدف مساعدة دول الجنوب أم أنها مجرد وسيلة لحماية مصالح دول الشمال ونفوذها؟

لا يمكن الجزم مطلقا بأن المنظمات الدولية المتخصصة في تمويل مشاريع تنموية حكومية أو غير حكومية في دول الجنوب تبتغي من تمويل المشاريع مجرد المساهمة في تنمية اقتصاديات هذه الدول، فالمتتبع لشروط التمويل يستنتج أن هناك اتفاقا مسبقا يعكس في بنوذه هيمنة الجهات المانحة أي الدول الرأسمالية الكبرى، حيث يقضي هذا الاتفاق بأن تلتزم الجهات الطالبة للدعم بتطبيق هذا الاتفاق الذي ينص على إعطاء سلطات واسعة للمستثمرين من طرف الحكومات ـ ولا يمكن لهذه الأخيرة إلغاء الاتفاق أو الطعن فيه أو إبداء تحفظ أو إلغائه وبالتالي التراجع عنه إلا بإخطار مسبق مدته 20 سنة، بمعنى أوضح فإن أي تراجع عن هذا الاتفاق يصبح صعبا إن لم نقل مستحيلا.

هل الأنظمة الشمولية إلى زوال أم هي بداية ترسيخ لأنظمة أكثر شمولية؟

إن انهيار جدار برلين، وما أعقبه من أحداث مهدت الطريق إلى الإطاحة بأنظمة اشتراكية/شيوعية في أوربا الشرقية وفي الدول التابعة للمعسكر الاشتراكي آنذاك، وكذا الحروب التي خاضتها الدول الرأسمالية الجديدة لترسيخ دعائم النظام العالمي الجديد تحت يافطة تثبيت الديمقراطية والإطاحة بالأنظمة الشمولية. إن كل هذه الأحداث السياسية المرتكزة والمدعومة بالمصالح الاقتصادية، لم تؤدي إلا إلى إرساء دعائم نظام شمولي آخر أكثر ديكتاتورية باعتباره يشكل نظاما أحاديا بقيادة زعيمة الهيمنة الامبريالية الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية.

إننا الآن نعيش عصر أنظمة شمولية والتي يمكن تسميتها بالأنظمة المعولمة والمرتكزة أساسا على العولمة الاقتصادية والتي تعمل على إخضاع الحقوق السياسية، الاجتماعية وكذا الثقافية للمواطنين لمنطق العولمة الاقتصادية القائمة على المنافسة والتي كما نراها اليوم تبتعد كل البعد عن المنافسة الشريفة وعن مصالح المواطنين.

دور المنظمات المالية الدولية في ترسيخ النظام العالمي الشمولي الجديد؟

لا يمكننا أن نغفل الدور المتعاظم للمنظمات المالية الدولية الكبرى والتي تقوم بدور رئيسي في التحكم في اقتصاديات الدول النامية بعد أخذها بزمام الحكم المالي (والذي يشكل الدعامة الأساسية للحكم السياسي في الخريطة الدولية الحالية) في الدول المانحة أي الدول المتحكمة في النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. إن تحمس هذه المنظمات ينبع من السلطات الواسعة التي يجب أن تمنحها الدول المستفيدة من الاستثمار الأجنبي على أراضيها، والتي وبحكم الاتفاقيات السرية تصبح بنوذا مفروضة على الحكومات.

حقوق المواطنين وهيمنة التحكم الرأسمالي:

ما لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه هو أن هناك مشاريع تنموية موازية لمشاريع الحكومات والتي تنجزها منظمات غير حكومية، والتي تعمل في مجال المجتمع المدني والتي في أغلبها لا تخرج عن قاعدة الرضوخ لشروط الجهات المانحة والتي عموما تدور في فلك المنظمات المالية الكبرى، هذه الشروط التي تتجاوز في بعض الأحيان استقلالية هذه الجمعيات وتجعلها خاضعة، كما الحكومات، لقوة تمركز السياسة المالية الدولية المدعمة للنظام العالمي الجديد في عولمة اقتصادية متوحشة تهدف إلى جعل الدول النامية تابعة لنظام العولمة الشمولي، خاصة وأن هذه الدول لا تشكل قوة تفاوضية ضاغطة داخل الأسواق المالية، وفي نفس الآن تبقى كثير من هذه الدول الفقيرة وحيدة في مواجهة مصير متفكك ومتأزم تطبعه المجاعات والأوبئة إضافة للتفكك الاجتماعي والحروب الأهلية.

الدول العربية عجز غير مبرر:

منذ أن اخترع زعماء النظام العالمي الجديد وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح “الشرق الأوسط” أصبحت هذه المنطقة تشهد إضعافا وحربا ضروسا تستهدف التقويض من قوتها الاقتصادية ووزنها السياسي وكذا قدرتها المالية بفعل المبادلات النفطية. إن منطقة الشرق الأوسط تحدد جغرافيا وسياسيا ب: دول الخليج، الأردن،إسرائيل،”غزة أريحا” وتركيا، باعتبارها ستشكل قوة داعمة للنظام العالمي الجديد ولهيمنة العولمة المالية والاقتصادية.

والمتتبع للأحداث المتعاقبة على المنطقة، سيلاحظ أن هناك مخططا ممنهجا لإضعاف الدول المصدرة للنفط (دول الخليج) وذلك عن طريق شن حروب متتالية في المنطقة حيث سهلت السيطرة على القرار السياسي لهذه الدول وذلك بتركيعها وقبولها بأهداف النظام الجديد، تحت التهديد بالحرب والمحو لهذه الدول من على خارطة المنطقة، وكذا تهديدها بقلب نظام حكم الأمراء فيها في حالة عدم رضوخها لتعليمات نظام العولمة السياسية الجديد.

هذه الحقائق والأوضاع المستجدة دفعت أغلب هذه الدول على عقد اتفاقات عسكرية مع أمريكا انطلقت بموجبها مشاريع تنفيذ برامج التسلح وصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، مما تسبب في تراكم الديون على هذه الدول، حيث وصلت ديون المملكة العربية السعودية مثلا إلى 33 مليار دولار. والمفارقة العجيبة في هذا التوجه هو أن إسرائيل ظلت على رأس قائمة الدول المستفيدة من المساعدات تصل سنويا إلى 3 مليارات من الدولار.

ومما زاد من إضعاف الدول العربية هو ابتعاد أنظمتها عن سن سياسة تهدف إلى ضمان مصالح شعوبها، بدل التركيز على الحماية من السخط الشعبي وذلك بالتوجه للإنفاق المتزايد على التسلح وعسكرة أجهزتها بدل سن سياسات اجتماعية تنهض بمستوى شعوبها وتحقق التنمية الشاملة. وإذا أضفنا لهذه العوامل ما شهدته المنطقة من احتلال للعراق وإضعافه خاصة وأنه كان يشكل خطرا على إسرائيل، وكذا الانقلاب الاقتصادي في أسواق النفط، هذا الانقلاب الذي دبرته الدول الصناعية الكبرى منذ سنة 1980 والذي أدى إلى تراجع كبير في مداخيل الدول العربية المصدرة للنفط، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية(كانت مداخيل السعودية تتجاوز 13 مليار دولار سنة 1981 لتتراجع سنة 1991 إلى 22 مليار دولار، أما إنتاج النفط فنزل بدوره سنة 1997 إلى 7 ملايين و300 ألف برميل فقط).

بالإضافة إلى ذلك فإن الحروب المتتالية على المنطقة وتماشيا مع الاتفاقات المبرمة مع دول التحالف فإن السعودية ستثقل كاهلها بدين وصل إلى ما يفوق 70 مليار دولار بسبب الإنفاق الحربي.

ورغم هذا الإضعاف فإن دول الخليج شهدت ظهور طبقة من المستثمرين الرأسماليين الجدد الذين شكلوا باستثماراتهم فجوة كبيرة وتنافرا قويا بين الأغنياء والفقراء على امتداد خارطة الوطن العربي وداخل بلدانهم أيضا، وفي المقابل سيساهمون في تثبيت مصالح أمريكا وإسرائيل والرأسماليين الأمراء وأتباعهم.

هكذا سينهج أصحاب القرار داخل الدول النفطية العربية سياسة التبعية والخضوع وسيضيعون فرصة إيجاد مكانة مستقلة وقوية للتفاوض داخل الأسواق المالية الدولية والضغط باتجاه حماية مصالح شعوبها، ليصبح الشعب العربي فقيرا وهو يعيش على منطقة غنية بثرواتها الطبيعية والبشرية.

زعامات وهمية وإضعاف لموقع العرب

إن ما يشهده العالم الآن من تحولات تميزت بتوجه أغلب الدول إلى البحث عن تكتلات إستراتيجية تقوم بالأساس على المصالح الاقتصادية والمالية، لم تؤثر بعد وبشكل قوي وإيجابي في عقلية الكثير من الزعماء العرب، الذين مازالوا يعيشون على وهم الزعامات القديمة تستمد قوتها من العشائرية والقبلية، ومازال هاجس الحكم المطلق مسيطرا على أذهانهم، مما يجعلنا دائما أمام وطن عربي مفكك ذا موقع ضعيف في العلاقات الاقتصادية الدولية، فزعماء الدول العربية مازال أمامهم خيار واحد ووحيد لربح الفرصة التاريخية من أجل خلق اقتصاد عربي ذا وزن داخل المؤسسات المالية الدولية.

لكن ورغم محدودية التفكير عند أغلب الحكام العرب، فإن الشيء المثير للاستغراب والدهشة أيضا هو أن الخبراء في العالم وفي الوطن العربي كذلك استخلصوا أن دروس التاريخ لم تعد نافعة، وبأن كل المجتمعات يمكن تشكيلها وحكمها من خلال القوانين الاقتصادية المحضة وبالتالي إخضاعها لتعليمات خبراء البنك الدولي، وذلك باستغلال الإعلام الأحادي الرؤية والخطاب.

ما هو الحل؟

يمكن اقتراح حلول، لكن أيا من الحلول المفترضة لا يمكنها أن تكون ناجحة وناجعة إلا إذا انطلقت من رؤية واضحة وعميقة لمفهوم الحل، الذي لا أراه شخصيا إلا أن يكون نابعا مما هو محلي، والسؤال الذي يطرح نفسه : كيف؟

إن الرؤية الشمولية العالمية لقضايانا ولمشاكلنا الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية لا تعني بالضرورة إلغاء الخصوصية المحلية، والبحث عن رؤى محلية يمكن أن تطرح بدائل عالمية.

إن الرأسمالية العالمية والعولمة المالية الجديدة المسيطرة على القرار السياسي العالمي، لا يمكن مواجهتها إلا بإيجاد قوى مضادة شعبية عالمية قادرة على تطوير النظام الرأسمالي الحالي وخلق بدائل من داخل هذا النظام المهيمن، وذلك بالاتجاه نحو نظام ديمقراطي حقيقي يكفل العدالة والمساواة في الإنتاج وفي توزيع الثروات بين الشعوب كافة.

إن الحل العالمي لا يمكن أن يبدأ إلا عبر اقتراح حلول محلية والتي يجب أن ترتكز على العولمة الفكرية المستمدة من واقع الشعوب محليا خاصة وأن كل شعوب الأرض أصبحت تعيش مشاكل وإكراهات متشابهة بفعل ثورة المعلوميات وانتشار الإعلام الفضائي وكذا بسبب انتشار الشركات العالمية الكبرى العابرة للقارات، ما نختلف فيه جميعا كشعوب وهو في نفس الآن ما يثرينا هو تمثلنا وتأثرنا وأيضا تأثيرنا المختلف لهذه المشاكل والمظاهر التي تكتسحنا شرقا وغربا.

لم يعد التفكير في الواقع المعاش خاصا بكل شعب على حدة، ولم تعد مواجهة التكتل والهيمنة للنظام الرأسمالي العولمي ذات فائدة في غياب التضامن والتعاون الإنساني بين كل شعوب الأرض وعلى الخصوص شعوب العالم الثالث التي عليها أن تخلق إطارا للنضال والمقاومة ضد تيار العولمة الرأسمالية الجارف من أجل تحقيق تنمية حقيقية ومكانة متميزة على خارطة العالم الجديد.

* صحافية وفاعلة حقوقية وجمعوية / طنجة