Accueil / Non classé / الوضعية العقارية للأراضي بالمغرب

الوضعية العقارية للأراضي بالمغرب

 

الوضعية العقارية للأراضي بالمغرب (*)

نورالدين الوردي

إن الوضعية العقارية للأراضي بالمغرب جد معقدة لأنها تنقسم وتتوزع على أنواع متعددة لانتماءاتها لسجلات ثقافية واجتماعية متناقضة، نجد هناك نوعية الأراضي الجماعية أو السلالية (أي ما يعرف بأراضي الجموع أو العرشية)، وأراضي أملاك المخزن، وأراضي الأحباس، وأراضي الموات، وهناك نوعية أخرى هي أراضي الكيش تلك التي تم منحها من طرف المخزن لفائدة بعض القبائل الحمائية للمدن التي تحيط بها من أجل استغلالها _في مقابل تقديم خدمات عسكرية_ لكن دون التمكن من تمليكها، وأخيرا هناك أراضي في ملكية خاصة يتصرف فيها أصحابها، وأراضي الزوايا والشرفاء.

أملاك الخواص: يقصد بها الأراضي التي توجد في ملكية خاصة- يتملكها أصحابها من خلال الإرث أو البيع والشراء أو… وتثبت في سجلات قانونية(عقود عدلية موثقة أو شهادات صادرة عن المحافظة العقارية)- يتصرف فيها ملاكيها بكل حرية وفق ما تحدده مصالحه أولا.

الأملاك المخزنية: وهي كل الأراضي التي توجد في ملكية الدولة، تتصرف فيها السلطة المخزنية عن طريق استغلالها أو تفويتها للغير من أجل الانتفاع مقابل دفع ضرائب ومكوس لبيت المال أو بيعها؛ وتشمل أنواعا كثيرة من الأراضي البورية والسقوية والمغروسة (الملك الغابوي) وكل الأراضي التي لا ملاك لها أو يجهل ملاكيها الأصليين(أراضي الموات).

أراضي الجموع: هي تلك الأراضي المعروفة بأرض “اجماعة”، السلالية، العرشية؛ التي ترجع ملكيتها للقبيلة وليس للفرد، يتم استغلالها والانتفاع منها عن طريق تنظيم “اجماعة” كأداة تنظيمية مؤطرة دخل القبيلة لفائدة العائلات المكونة لها وفقا لمنطق متكون من تقاليد وأعراف خاصة بها، قبل أن تتدخل الدولة في تدبير شؤون هذا النوع من الأراضي بخلق جهاز تابع لوزارة الداخلية، أصبح هو الوصي عليها بدل “اجماعة” مع صدور الظهير المنظم لأراضي الجموع بتاريخ 06 فبراير 1963. أراضي الكيش: وهي أراضي تدخل في ملكية السلطة المخزنية تم منحها لفائدة بعض القبائل الحمائية مقابل تقديم خدمات عسكرية والمساهمة في الحركات المخزنية لردع كل القبائل المتمردة والرافضة لدفع وأداء المكوس لفائدة بيت المال وذلك من أجل الانتفاع منها دون التمكن من تملكها.

أراضي الموات: وهي كل الأراضي التي لاتعرف استغلالا فلاحيا من طرف أي كان ولا توجد في ملكية أي أحد سواء كان فردا أو جماعة، وهذه النوعية من الأراضي أصبحت الدولة هي الكفيل والمسؤول عن تدبيرها وبالتالي إقحامها في دائرة الأملاك المخزنية. أراضي الأحباس: وهي كل الأراضي التي تسهر على تدبير شؤونها وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، وتخصيص ريعها في سبيل كل الخدمات الإحسانية والخيرية والدينية؛ وهي الأراضي التي تم وقفها من طرف أفراد أو جماعات أو سلطة مخزنية دون الحق في التملك، والوقف يأخذ نوعين: الأول هو الوقف العمومي الذي لا يضع فيه صاحبه شرطا بشأن الانتفاع من ريعه، والثاني وهو الوقف الحصري الذي يحدد في خدمة معينة على مجال أو مؤسسة ما.

أراضي الشرفاء والزوايا: هي الأخرى تندرج ضمن الأراضي التي يمكن توصيفها بأراضي الجموع السلالية ذات وازع ديني، يجعل منها نوعا عقاريا قائما بذاته، وهو ناتج عن وقف بعض الأفراد أو الجماعات أو السلطة المخزنية لريع بعض أراضيهم لفائدة زاوية أو طريقة ما بالنظر لرمزيتها الدينية التي تدخل في بؤرة المقدس. في ظل هذه الوضعية المتشابكة والأكثر تعقيدا، ومع بداية عهد الحماية الفرنسية في العقد الثاني من القرن العشرين، حين امتدت أطماع المعمرين في الاستحواذ على الأراضي الفلاحية واختيار الأجود والأخصب منها من أجل إقامة وتحقيق مشاريع اقتصادية ذات بعد استعماري، صادفتهم في تحقيق غاياتهم تلك وضعيات العقار الأكثر تعقيدا، فعمدوا إلى ابتكار أساليب لا تخلو من الحيل القانونية لكي يتمكنوا من بسط نفوذهم عليها وبالتالي تملكها؛ فكانت بدايتهم بالعمل على إنجاز مخططاتهم الاستعمارية المتجلية في مطالبة أصحاب الأرض وملاكيها بالحجج والإثباتات في ذلك من عقود عدلية مصادق عليها من طرف قاضي التوثيق، والتي غالبا ما لم يكن يحتكم على حيازتها العديد من المغاربة، بمعنى أنهم لم يكونوا يتوفرون على سندات شرعية أو قانونية، مما ساهم في تسهيل عملية استحواذ المعمرين عليها، بعدما كانوا يشككون في القيمة القانونية للعقود التي كان يحررها العدول، فعملوا جاهدين على خلق ووضع مجموعة من الترتيبات التي عرفت بإصلاح النظام العقاري، فتم صدور ظهير خاص بإثبات الملكية في 12 غشت 1913، فتم الاعتماد عليه قي تأسيس وظهور إدارة المحافظة؛ كانت هذه هي البدايات في محاولة حصول المعمرين على الأراضي الأحسن جودة وخلق قطاع فلاحي عصري في خدمة الاقتصاد الفرنسي، وبالتالي فقد حظي هذا القطاع بعناية كبيرة وأصبح ذا أولوية لدى الإدارة الفرنسية، هذه الأخيرة التي اقترحت على السلطان إصدار ظهائر تعزز وتدعم مخططاتها، فصدر على إثر ذلك ظهير ينص على إحداث إدارة كبرى للفلاحة والاستعمار بالإيالة الشريفة لما تقتضيه المنفعة العامة وتنمية الاقتصاد بتاريخ 15 غشت 1915؛ بذلك عملت الإقامة العامة بالرباط على ربط كل ما له ارتباط أو علاقة بالفلاحة بالكتابة العامة للحماية، وأسند لها حق التصرف في الأراضي الفلاحية مهما كانت نوعيتها، مع توزيعها بكل الأساليب والطرق التي ترتضيها لفائدة من له اهتمام بهذا القطاع من المنتمين لمختلف دول أروبا، كما خول نفس الظهير جعل إدارة الفلاحة والتجارة والاستيطان وإدارة المياه والغابات ومصلحة الأملاك المخزنية والمحافظة العقارية تحت إمرتها؛ على إثر ذلك تجندت كل تلك الإدارات، وتم صدور قرار مقيمي بتاريخ 09 نونبر 1916، تأسست بموجبه لجنة الاستيطان برآسة الكاتب العام للحماية من أجل تسهيل مساطر الحصول على الأراضي الفلاحية من الأوروبيين الراغبين في ذلك.

واليوم، وبعد مرور أزيد من خمسة عقود على تحرر المغرب من السياسة الاستعمارية، يفرض السؤال التالي نفسه: من يملك الأرض بالمغرب بعد إخراج مجموعة من التشريعات والقوانين السابق ذكرها، وكذلك بعدما عاد المعمرون من حيث أتوا تاركين وراءهم أراضي شاسعة وخصبة تم استصلاحها وتحديث القطاع الزراعي بها؟

قامت الدولة في فجر الاستقلال بتوزيع جزء منها في عهد حكومة عبد الله إبراهيم، حيث اعتبرت آنذاك ثورة زراعية حقيقية سرعان ما توقفت هذه المبادرة السياسية بعد انتهاء عمر الحكومة المذكورة التي تم من خلالها توزيع 110 آلاف هكتار، ولم تستمر وأصبحت في خبر كان يحكى ويروى عنها في الفترات اللاحقة؛ وينتج عن هذا التعقيد والتركيب في وضعية العقار بالمغرب تأثير كبير على نمط وحجم الاستغلال الذي انعكس بشكل مباشر على مستوى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، فهؤلاء الفلاحين الذين سلبت واغتصبت منهم أراضيهم في الفترة الاستعمارية أصبحوا غير مالكين، وبالتالي هم من شكلوا طبقة العمال الزراعيين في أراضيهم وأرض أجدادهم، وبعد خروج الاستعمار ظلوا يشكلون نفس الوضع بنفس الأراضي التي تم تفويتها وتوزيعها لفائدة أقلية من كبار الملاكين، وبروز ضيعات صودياSODEA وصوجيطا SOGETA، مما أدى إلى فقدان علاقة وارتباط الفلاح بأرضه، فلجأ متجها نحو المدينة بحثا عن مصادر أخرى للعيش، فاستقر في هوامشها، ازدهرت معه مدن الصفيح وكل أشكال وأطياف السكن غير اللائق التي تنعدم فيه أدنى شروط حياة كريمة، كما ظهرت أنماط حياة أريفت المجال المديني نتجت عنه باتولوجيا اجتماعية واقتصادية، سرعان ما أصبحت تتجذر في واقع الحال وبالتالي شكلت إشكالا بنيويا يهدد نهضة وتطور وتقدم المجتمع؛.مما نتج عن ذلك زيادة كبيرة في النمو الديموغرافي للمدن وتضخم عدد سكانها نجمت عن هذه الهجرة تكوين أحياء صفيحية هامشية اتخذوا منها مأوى للسكن،ومحلات لأنشطتهم التجارية فشكلت أحزمة للبؤس تحيط بالمدن وتطوقها.

(*) مقال منشور بجريدة المساء يوم الثلاثاء 01 دجنبر 2009 عدد: 993