Accueil / Non classé / التوأمة بين المدن و التنمية أية علاقة؟

التوأمة بين المدن و التنمية أية علاقة؟

 

التوأمة بين المدن و التنمية أية علاقة؟

رغم ما يمكن أن يقال عن التوأمة أنها علاقات رمزية وشكلية، فإنها قد شكلت الشكل الأول للتعاون بين المدن في العالم، هذا الشكل تطور بصورة ملحوظة في السنين الأخيرة ليتجاوز بذلك الزيارات الرمزية وزيارات البرتكول، والتوأمة هي طريقة للتعاون بين المدن ذات قيمة خاصة فيما يتعلق بالاتصال بين مدينة وأخرى، ليس فقط بين المنتخبين المحليين ولكن بين الشعوب كذلك.

 

وتتعدد المحاولات التعريفية للتوأمة رغم أنها لا تختلف كثيرا في مضمونها، فتعرف بأنها عادة أو عرف يرتكز على إعلان توأمة مدن واقعة في بلدان مختلفة بهدف تحقيق التعاون في جميع الميادين. وتمر التوأمة عبر عدة مراحل، ولكي تصبح قائمة بصفة قانونية لا بد من احترام بعض الشروط، كاحترام إرادة الأطراف المشاركة، وكذلك إحترام جملة من المبادئ التي تقوم عليها.

هذه المبادئ متعددة، فالتوأمة لا بد أن تقوم على مبدأ التضامن الذي يسعى لإعطاء الأولوية للجماعات غير المحظوظة ولمجابهة المشاكل المستمرة لبلدان العالم الثالث، فالتوأمة بهذا المفهوم فرصة للتنمية والتطور المتبادل ومورد ومصدر للإغناء المتبادل، كما تقوم التوأمة أيضا على مبدأ عدم التدخل في شؤون المدن الأخرى وهو مبدأ تم نقله إلى تنظيم العلاقات بين المدن والجماعات في إطار المنظمات الدولية غير الحكومية بحكم ارتباطها باتفاقيات توأمة أو بحكم إنضمامها إلى هذه المنظمات، وهناك مبدأ آخر متمثل في عدم التمييز أي المساواة القانونية بين المدن المتوأمة، إضافة إلى أن مبدأين آخرين هما الثقافة أو ترابط الشعوب، ومبدأ الثنائية اللغوية أو الترابية المزدوجة.

وقد إرتبطت التوأمة وحركية المدن بالمواجهات العالمية التي طبعت القرن العشرين، إذ لا يخلو بحث عن أصول التوأمة من الإشارة إلى الحربين العالميين الأولى والثانية كسبب جوهري لربط علاقات صداقة بين مدن تنتمي لدول مختلفة، وترجع بعض الأبحاث بداية العلاقات الأولى بين المدن إلى سنة 1918 وذلك عندما نشأت علاقات بين جماعات من الجنوب الفرنسي وأخرى من الشمال البريطاني، وبين أخرى سويدية وفنلندية، ثم تكاثرت أعمال التوأمة بعد الحرب العالمية الثانية نظرا لبروز أهميتها، رغم أنها ارتكزت على أساس خطاب رومانسي إنساني ينظر إلى الجماعات المحلية المحلية كآلية لدعم السلام بأوربا خلف الحدود السياسية للدول.

لكن ورغم الضعف الواضح لمضمونها فإن هذه التوأمات كانت لها نتائج جد إيجابية فهي على الأقل سمحت بانفتاح الجماعات المحلية على بعد دولي لم يكن متاحا لها من قبل، مستفيدة في ذلك من بروز المنظمات الدولية غير الحكومية للمدن والمتخصصة في هذا المجال كالفدرالية الدولية للمدن المتوأمة ، والفدرالية الدولية للأحياء المتحدة، والجمعية الدولية للمدن الجديدة ، وتعمل هذه المنظمات على تحقيق نوع من سياسة التضامن الدولي للجماعات الترابية، وتتحمل مهام تسهيل التضامن والتعاون بين الراغبين فيه، ومن أجل ذلك فهي تقدم مثلا الاستشارات والمعلومات والمساعدة التقنية، خاصة للشركاء في دول الجنوب.

وسيتطور المضمون الرمزي للتوأمة خلال مرحلة الستينات، وكذلك امتدادها الجغرافي، إذ ستأخذ بعدا تضامنيا من طرف الجماعات المحلية الأوربية تجاه نظيرتها في الدول النامية المستقلة حديثا. نفس الأمر إنطبق على المغرب، حيث إنطلقت أعمال التوأمة بين المدن المغرية ونظيرتها الأجنبية منذ بداية الستينات، حيث تعتبر توأمة فاس مع مدينة فلورنسا الإيطالية سنة 1963 أول تطبيق مغربي لهذا الشكل التعاوني، ثم تطورت بعد ذلك بشكل كبير. وعلى كل حال فإنه رغم تطور عمليات التوأمة من حيث العدد، فإنها بقيت محدودة الأداء والفعالية..

إن التطور الذي شهده العالم في مختلف الميادين، واكبه تطور لأشكال وعلاقات التعاون على المستوى الدولي، فتطورت ونمت أشكال جديدة للتعاون بين الدول وأيضا بين المدن، من أجل مواجهة المشاكل التي تعاني منها وخصوصا دول العالم الثالث، التي تعمل جاهدة من أجل تحقيق التنمية.

وهو ما أثر بشكل أو بآخر على المدينة ومختلف العلاقات التي تربطها بالعالم الخارجي، مستفيدة أيضا من دورها المتنامي ومن الصلاحيات التي ما فتئت الدولة تمتعها بها، فالحركة العامة لدمقرطة الحياة العامة المحلية والاستقلال الذاتي المتنامي للجماعات المحلية بالإضافة إلى الشمولية على المستوى العالمي، كل ذلك سمح للمدينة بالقيام بالخطوات الإيجابية في مجال التعاون العالمي غير الممركز، إن المدينة إلى حد ما في بداية استعادتها لكفائتها العالمية التي صودرت منها من قبل الدول وهو ما يمكن تسميته بانبثاق المدينة. وفي نفس الاتجاه سارت المدينة المغربية، التي لعبت على مر التاريخ دورا حاسما في تنمية العالم الحضري، حيث أخرجت إلى النور شبكة حضرية أثرت على عدة مدن، فالمدينة المغربية كانت ولا تزال أماكن للتبادل وخلق الهوية الثقافية وترسيخ الحضارة.

فالمدن المغربية خلال العشرين سنة الأخيرة لم تبقى على هامش حركة التوأمة النشيطة، بل أكدت حضورها القوي والمكثف، وهو ما جعلها تعمل على عقلنة عمليات التوأمة وعلى محاولة تجاوز بعدها الرمزي من أجل أن تستفيد منها قدر الإمكان، بحيث أن المدة الطويلة التي أقامت فيها المدن لعلاقات توأمة مع مثيلاتها الاجنبية جعلتها تحاول الاستفادة من برامج أكثر فاعلية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وقد دعم تطور اللامركزية في دول أوربا الغربية وتنميتها كخيار عالمي في الدول المستقلة حديثا إمكانيات تطوير علاقات التبادل بين هذه الجماعات، في اتجاه تدبير مسؤوليات اللامركزية، فكانت الجماعات الأوربية مقتنعة بأن من الممكن الاستفادة من كفائتها وتجربتها لدعم اللامركزيات الجديدة في دول الجنوب، وهو ما جعل التوأمات التقليدية بين المدن تتحول تدريجيا إلى مشاريع حقيقية للتعاون من أجل التنمية. ذلك أن التوأمة كقناة تواصلية بين المجتمعات المحلية تسمح بربط أشكال متعددة من العلاقات بين هذه المجتمعات، متجاوزة بذلك إتفاقية التوأمة كإطار شكلي لتعاون الجماعات، فتعاون المجتمعات أشمل من ذلك، أي أن التوأمة بعد عملية التطوير والعقلنة التي شهدتها تتحول إلى شبكة منسوجة تشرك جميع الفاعلين في الحياة المحلية مع نظرائهم في المدن الشريكة، لأن التآزر بين هؤلاء الفاعلين هو الذي يشكل مفتاح أي تطور .

ويبدو واضحا هنا مدى تأثير انفتاح الجماعات المحلية الأوربية على نظيراتها في دول الجنوب وكذا التعاون الحدودي في أوربا على تطوير مواضيع الإتصال وتطعيم التوأمة بمفاهيم التضامن والتعاون من أجل التنمية المحلية .

وتعتبر توأمة مدينة الدار البيضاء مع مدينة بوردو الفرنسية نموذجا رائدا للتوأمة المعقلنة والمتجاوزة للإطار الرمزي إذ أنها منذ إبرامها في 3 نونبر 1988 فتحت الباب لمجموعة من الاتفاقيات والشركات بين مختلف المكونات المجتمعية للمدينتين، مستفيدة في ذلك من الخصائص المتشابهة للمدينتين، إذ أنهما تعتبران ميتروبولان متشابهان في عدة أوجه منها الجغرافية والطبيعة والبيئة، وهو ما افترض إمكانية تطبيق حلول متشابهة لعدة مشاكل تعوق مسيرة التنمية بهاتين المدينتين، الشيء الذي ترتبت عنه نتائج جيدة جعلت هذه التوأمة نموذجا يحتدى به.

من هنا فإن عقلنة التوأمة واستغلال مختلف أبعادها يساهم بشكل كبير في المسيرة التي تقطعها الدولة والجماعات المحلية من أجل تحقيق التنمية وخصوصا الاجتماعية، رغم الجدال الذي يثار فقهيا حول الأشكال الجديدة المتولدة عن تطور اتفاقيات التوأمة.