Accueil / Non classé / إنتاج المجال

إنتاج المجال

 

إنتاج المجال: من التعمير الاجباري إلى التعمير التوافقي  » جودة المجال جودة الحياة » عادل جعفر

تقــديـــم

لقد أثبتت التجربة الميدانية محدودية المقاربات المعمول بها في ميدان التعمير، في ضبط النمو المجالي والاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، فهي لا تواكب مبادئ الحكامة التشاركية، ولا تستجيب لمتطلبات فئات المجتمع.

ولعل أهم المشاكل التي أضحت تعوق عمليات إنتاج وإعداد وتدبير المجال المديني هي تلك المتعلقة بكيفية وأساليب وتقنيات الإنتاج، فمسألة تدبير المجال المديني تعد إحدى المشكلات التي أصبحت مثيرة لانشغال بصورة متزايدة، نتيجة للوفرة في الأزمات التي يعرفها هذا المجال، الواضحة بقوة في أشكال التنافر بين الإنسان والمجال، المترجمة في التمرد على الشكل والمضمون من طرف المستهلك، الذي يبحث من خلال منطقه الاجتماعي عن مستوى للتعايش مع الفضاء، الذي أنتج من خلال مقاربات تقصي جانب المعرفة والفهم في الإطار المنطقي المنظم لمراحل تطور المجال الحضري – الإنتاج، الإعداد والتدبير- .

ومن جهة أخرى، فغياب التذويب الميداني لثقافة المجتمع في مراحل التطور الحضري، يجعل معظم المتدخلين يواجهون حالات من الأزمة، ويجعل هذا القطاع مختلا على مستوى المخرجات والممارسات، فمن السهل أن نجد كثيرا من مظاهر الأزمة مرتبطة أساسا بالمبادرات الاستعجالية – أحياء إعادة الإسكان- في مجال التعمير، التي تكشف للملاحظ ما يعاني منه مجال التدبير الحضري من خلل على مستوى مقارباته ومبادئه وفلسفته.

إن الهدف من هذا المستوى من الفهم والتحليل، هو التأكيد على حتمية ما يمكن اعتباره طريقة جديدة في إنتاج المجال المديني ،تسعى إلى جعل إنتاج المجال غير مفروض، بل توافقي وتشاركي مع المجتمع المعني، ومؤسس على الفهم والمعرفة بالثقافة والأفكار السائدة للمستهلك والمستفيد .

في هذا السياق، وبعد ما يلاحظ من مظاهر الأزمة الممثلة أساسا في التنافر بين الإنسان والمجال، نفتتح القول ونسهل عملية الفهم بتقديم مجموعة من الأسئلة الموضوعية. إذن بعد تحرير المبادرة الفردية في إنتاج المجال، ما هي النتائج هذه المقاربة؟ وما موقع الثقافة والخصوصية المحلية والجهوية في مبادئها؟ ما هي مقومات وشروط وآليات الإنتاج، التي تطور مستوى الصانع، وتجعل من شخصية المجال والمجتمع الحضريين متقاربة؟ وبشكل عام، ألا يجدر بنا التساؤل حول من هو صاحب القرار في الإنتاج؟ بأية صفة؟ وبأية مقاربات ؟ تطرح هذه التساؤلات قضية الحكامة الحضرية التشاركية، في إنتاج وإعداد وتدبير المجال، بمعنى مجموعة أدوات وآليات أساسية لإنتاج وإعداد وتدبير المجال المديني، كما تثير مسألة التعمير التوافقي، وتؤكد على حتمية تحسين أداء الصانع للمجال (المهندس، المعماري، المقاول…) عن طريق إيجاد آليات تدبيريه تعطي للمستهلك الحق في المشاركة في الإنتاج والتعبير عن رغباته وأولوياته واقتراح نماذج لترجمتها في المنتوج.

I.المدينة بالمغرب: تنافر الشكل والمضمون

يعرف إنتاج المجال بالمغرب تطورا مهما وتحولات مهمة في مقارباته ومبادئه، أفرزتها عوامل سوسيو-اجتماعية مهمة كالهجرة والنمو الديموغرافي…، وقد أفضى هذا التطور إلى إفراز ثنائية مجاليه تتجلى في بروز مجالات تتسم بالعقلانية في التدبير محكم بمجموعة من المتغيرات الثقافية والاجتماعية، ومجالات تتسم بالتلقائية وتفتقر إلى مقومات التعمير المنظم من حيث الشكل والمضمون.

1- أزمة الإعداد: أزمة الشكل

تطور المجال بالمغرب عبر مراحل كرونولوجية مختلفة من حيث فكر الإعداد ومقاربات التدبير، فالأهم المدن المغربية يمكن لمس هذا التطور بها بشكل واضح في تفاوت شكل المعمار، الذي يعتبر مرآة تعكس ما لصانعه من منطق علمي وعملي في توظيف مدخلات الاستقرار المديني، فالمدينة القديمة (في مدينة الدر البيضاء، طنجة، مراكش…) كأول نواة حضرية أنتجت وتطورت في سياق تاريخي له خصوصية اجتماعية وثقافية متميزة وواضحة في شكل المعمار ومورفلوجية المجال، العاكس بامتياز لثقافة المنتج المؤسسة على التضامن والحوار وحسن الجوار والمحترم للخصوصية الدينية في ما يحمله من أشكال البساطة في المعمار، الذي لا يعبر عن المستوى الاجتماعي للقاطنين بشكل واضح، والكاتمة لأفعال وسلوكيات الأفراد اليومية ، انطلاق من انغلاق المنازل على الخارج وانفتاحها على السماء من الداخل.

هذا النموذج في الإعداد سيعرف اختلاف وتطورا مع بداية الاستعمار، الذي سيعمل في كثير من المدن المغربية على تأكيد حضوره الثقافي وعلى رغبة في الاستقرار الثقافي من خلال إنتاج وإعداد وتدبير المجال الاورومغربي، الحامل في شكله ما وصل إليه المنتج من تطور في مجال الفن المعماري، والعاكس للخصوصية الثقافية للصانع، والمحترم من جهة أخرى للثقافة المحلية من خلال ما حاول أن يطبع به معماره من ثقافة الأخر، تعبيرا على القبول بالحوار والثتاقف الاجتماعي. انطلاقا من اعتماده القرمود والزليج كناصر أساسية في تزيين الكثير من البنايات، والتي توحي للملاحظ بطغيان المقاربات الفنية والثقافية في الإعداد.

تستمر سيرورة تطور إنتاج المجال الحضري من حيث الشكل لتظهر بعد الاستقلال المدينة الحديثة أو المدينة المغربية، التي تأسست وتطورت في سياق اجتماعي يعرف الوفرة في المشاكل، مما كان له الأثر في تحرير المبادرة في البناء بهدف امتصاص الأزمة الحاصلة في السكن خاصة، تتأسس هذه المبادرة عموما على مقاربات ومبادئ تحقيق الربح ، التي تبنتها لوبيات يتعارض منطقها مع منطق التدبير الحضري ويتوافق مع منطق وقواعد الليبرالية التي تحقق الربح على حساب الأزمة، وكمنتوج عرف المجال ظهور مجموعة من التجمعات السكنية التي تحمل في أشكالها الخارجية جميع متغيرات التفاهة واللاثقافة من حيث الألوان والأشكال الهندسية التي تظهر كزوايا قائمة تعبر عن رغبة الصانع في الربح . الشكل كأهم متغير يوضح الخصوصية في الثقافة الحضرية، نجده في مدينة الدار البيضاء كنموذج هو شكل أزمة في العديد من التجمعات السكنية، يوضح البعد عن كل ما هو ثقافي واجتماعي والقرب من التعمير التلقائي التي مجلات تفتقر إلى مقومات الثقافة وتتوفر فيها شروط التفاهة.

2- أزمة الإعداد أزمة المضمون

المضمون من مقاربة إنتاج وإعداد وتدبير المجال، هو كل ما يوفره المجال للإنسان من متطلبات وملتزمات تلبي أهم حاجياته اليومية والروتينية الأساسية والثانية والمتوافقة مع ثقافته وخصوصية السوسيو-اجتماعية، تتحدد متغيراته الإجرائية داخل المنزل في اتجاه الدرب ليهم الحي ثم المدينة، هذا العنصر الأساسي هو مكون الرفاهية والتوازن بين الإنسان والمجال، يعرف الوفرة في الأزمة والتي إذا استقرائنا المجال الواقع الحضري بالمدن المغربية نجده من حيث كرونلوجية تطور المجال يتجه من وضع الإيجاب في اتجاه السلب، المعبر عنه بوضوح فيما أنتج بعد الاستقلال من طرف المبادرة الحرة ، التي اعتمدت في مبادئها الميدانية أسلوب التلقائية والسرعة في إنتاج التجمعات السكنية.

فالمجال الحضري في تطوره الزمني، إذا لاحظنا واقعه في المدينة المغربية الحديثة، هو تعبير واضح عن ضعف المعرفة بالوقع السوسيو-اجتماعي للفئة المستهدفة من صناعته، ننطلق من داخل المنزل لنجد أننا تطرنا من الدار المغربية -العربية-الامازيغية-الأندلسية-الإسلامية بالمدينة القديمة، على الشقة التي تتوفر فيها كل متغيرات الراحة من جانب المساحة وتوزيع المرافق إلى التهوية والتشميس في المدينة الأورومغربية، لنقف على تفاهة السكن في المدينة الحديثة التي لم تأخذ في مراحل الإنتاج لها سوى بعد استغلال المساحة لاستخراج أقصى ما يمكن من صناديق للسكن تكاد توصف في منطق الرفاه الاجتماعي كصناديق للموتى من حيث المساحة والشكل الداخلي الذي لم يراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع في كل مكوناته.

واقع يوضح الأزمة والتفاهة في فكر الإعداد ومقاربات الإنتاج الذي تعرب الإنسان المستفيد من متنوجها كمفعول به فاقد للأهلية والخصوصية، ومستهلك لا منتج وهدف لا محور من كل عملياتها، هذا نلمسه فيما يعرف بأحياء إعادة الإسكان التي أنتجت لتدبير الأزمة التي تعرفها الحواضر ولعل أقرب مجال يوضح لنا التنافر في المضمون والحاجيات هو مجال التشارك: الذي أنتجه مدبرو التراب المديني لإعادة إسكان قاطني كريان ابنمسيك الواضح فيما خضع له من تغيير على مستوى المضمون الذي لم يتوافق ويتطابق ولو نسبيا مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لهذه الشريحة من السكان، فمجموع الشقق تحولت شرفاتها على غرف للتخزين في أحسن الأحوال وللسكن في أقصاها، فالمدبر لهذه العملية والواضع لتصورها الهندسي لم تكن له من المعرفة ما يكفي بحاجيات هذه الساكنة وبأولوياتها وبخصوصياتها الديموغرافية والثقافية، مما أثر بشكل سلبي على استغلال المجال، فالتغيير في المضمون يعتبر في منطق المستغل كرد فعل ضد إقصاء حاجياته في الإنتاج، فهل يحتاج ساكن التشارك في ثقافته اليومية إلى الحمام اليومي أم يحب حمام الدرب الذي يعتبر بالنسبة غليه مجالا لتبادر الآراء والأفكار والنقاش حول مشاكله اليومية العائلية والاجتماعية مع الجيران.

لنتقدم أكثر في تقديم أزمة المضمون بالفهم ، ننتقل إلى الدرب ثم الحي، الذي نجده في واقعه يقصي ثقافة التضامن الاجتماعي التي تميز المغربي، فمجموع التجمعات السكنية تكاد تخلو من مجلات الترفيه كالمساحات الخضراء التي تغيب في حي التشارك والتي عبر مجموعة من قاطنيها عن رفض إقصائها في عمليات الإعداد بالتمرد على المجال وعلى تصميمه بوضع مجموعة من المساحات الخضراء تنطلق من المبادرة الفردية لتعم المبادرة الجماعية التي يشارك فيها أبناء الدرب تعبيرا عن ثقافتهم، وهذا أقل ما يمكن القول عن واقع المضمون، الذي يعكس لنا مقاربة الصانع.

الشكل والمضمون متغيرين يوضحان الأزمة في الإعداد بامتياز ويعكسان مقاربة التطبيق المعياري في إنتاج المجال، بدل مقاربة المعرفة والفهم، فالمهندس والمقاول والمعماري في المدينة المغربية لم يتحكم ويحتكم في رؤيته وتصوره للمجال للمتغير البيئي والاجتماعي والثقافي، واهتموا بالبحث عن أقصى ما يمكن صناعته لاستغلال المجال واضعين في تمثلهم تقنيات الرسم والخطوط و البناء.

النتيجة واضحة في التنافر بين الإنسان والمجال وفي ما أنتج من سلب في مخرجات الإعداد، تنطلق من التمرد على المنتوج بالتغيير والتعديل إلى العنف الاجتماعي والإجرام وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية بالأحياء الهامشية، إلى تحول المجال في التمثل والتصور من مجال معاش إلى مجال مدرك يعرفه الإنسان في حركته اليومية ويرفض الانسجام مع مكوناته المعمارية والاجتماعية.

II.الثقافة الحضرية

تعتبر الثقافة الحضرية في قاموس الجغرافية الاجتماعية كمكون إجرائي للثقافة الاجتماعية، وهي مجموعة من القيم والأفكار التي ينتجها المجتمع بناء وتأسيسا على مدخلات دينية وتاريخية وبيئية ، تسهل عملية اندماجه بالمجال وتعامله مع الزمان وتواصله مع الأفراد، فهي كل القوانين التي ينتجها الفرد وينقلها بالتربية والمعاشرة إلى مكونات المجتمع، الذي يعكسها على مجاله المعاش في الشكل والمضمون.

1- الثقافة الحضرية: الشكل

الثقافة الحضرية من حيث الشكل هي كل ما يميز المجال المديني من خصوصيات في الإعداد، تميزه عن باقي المجالات ، وتتحدد ملامحها بمجموعة من المدخلات البيئية والاجتماعية والثقافية ، وهي تعبير واضح عن اندماج وتجانس وتواصل الإنسان المديني مع مجاله بامتياز، هذه المقاربة حكمت إنتاج المجال عبر التاريخ والواضحة بقوة مظاهرها في المجال المديني القديم، الذي يعتبر مرآة تعكس خصوصية الصانع ونمط تفكيره ومنطق تعامله مع الأخر، وتواصله مع التراب، كلها عناصر يطبعها ويصورها الفرد كمعماري أو مهندس أو ساكن ويؤكدها المجتمع بالتداول في الشكل والألوان والمورفولوجية العامة.

هذه المقاربة تبدو واضحة إلى حد كبير في ما يعرف بالمدينة القديمة، التي تعكس لملاحظ ثقافة المنتج والمستهلك بوضوح، دون حاجة له بمعاشرة قاطنيها لفهم طباعهم وحمولتهم الثقافية والدينية والاجتماعية والبيئية، فشكلها المحاط بأسوار يعكس فلسفة التدبير لدى المجتمع ويفهم بعهده التخطيطي، وفي مورفولوجية أوقتها تعكس ثقافة التعامل من متغير البيئة، وتوضح أن مبدأ التضامن والتعايش مؤسس لمجتمعها، وألوانها وشكلها الخارجي على مستوى المعمار والألوان هو نتاج مجتمع كان يتمتع بنمطك عيش راق لم يعبر عن المستوى المادي بتفاوت متنام ، فالساكنة عكست مبادئ التواضع السائدة في المجتمع، فكانت تكتم غناها المادي الذي لا يظهر إلا « من خلال أشكل هندسية داخلية « ، فلم تكن تعرف ما يميز المديني عن الأخر ولا الفقير عن الغني.

تطور المجال مع المجتمع وتعدد المتدخل والمنتج خلال فترة الاستعمار، الذي رغب في تأكيد وجوده وتوضيح ثقافته على مستوى المجال، فكانت المدينة الأورومغربية التي تحمل في شكل معمارها ومورفلوجيتها ثقافة منتج حديث ورؤية تقدمية في تدبير المجال تنطلق من الخصوصية المحلية التي أصبحت للمجال وتنتهي على نتيجة التأكيد على الأهمية الوظيفية للتراب، ولعل شارع محمد الخامس وشارع الجيش الملكي وساحة محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء لتأكيد واضح على هذا.

الشكل هو مرآة تعكس الثقافة الحضرية بامتياز وتؤكد للملاحظ الخصوصية المحلية الثقافية والاجتماعية والبيئية للمنتج، وتفسر الوظيفة التي أنتج المجال من أجل تلبيتها.

2- الثقافة الحضرية: المضمون

المضمون عنصر أساسي في لجغرافيا الاجتماعية، دراسته وتحدده يوضح لنا مدى حضور التطبيق المعياري للمتغيرات الثقافية الحضرية للمجتمع المحلي، في إنتاج وتدبير المجال.

المضمون هو كل ما يحمله المجال في شكله من العام انطلاقا من المدينة، الحي|، الدرب إلى المنزل من خصوصية تميز المجتمع من حيث طابعه الحضري والثقافي، ويشمل التجهيزات الاجتماعية العمومية والتجهيزات داخل المنزل، وهو أهم مدخل يمكن من استنتاج مدى حضور ثقافة المجتمع في المجال ، ويسهل عملية تعايشه وتواصله ، وهو مكون قابل للتطور حسب الزمان ليلبي الحاجيات المرحلية للمجتمع، بشرط أن يبقى محترما في تطوره لخصوصية المجتمع والأفراد الدينية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية… الثقافة الحضرية في المضمون نجدها حاضرة بقوة إذا تتبعنا المجال من جديد كرونولوجيا، فالمدينة القديمة نموذج قوي نستدل به من جديد في هذا الإطار التحليلي، فإذا تتبعنا المضمون ورصدناه مجاليا، نجد أن إعداد وتدبير المجال داخل أسوار المدينة القديمة يخضع لمنطق الخصوصية ولنمط العيش، فالتجهيزات الاجتماعية مثلا نجدها موزعة بشكل عقلاني وحكماتي تشاركي، وتخضع لأولويات وللحاجيات الظرفية والمستقبلية للمجتمع، فهي موزعة بين أماكن العبادة والتعليم ومجالات الترفيه والاقتصاد، وتتموقع في وسط المدينة حيث يسهل الوصول إليها من كل الأطراف، فهي كانت إلى جانب دورها المؤسساتي والاقتصادي تلعب دورا مهما في التضامن الاجتماعي وتسهل الحوار بين كل فئات المجتمع الذي يدعو إليه الدين الإسلامي.

نفس المنطق في إنتاج وتدبير المضمون، نجده حاضرا في المنزل، انطلاق من « السور الأعمى المنفتح على فناء كبير الذي يتطلع إلى السماء ويقوم بدور التشميس والتهوية والإضاءة ثم يسهل التحرك ما بين الغرف والمرفق الداخلية للمنزل ويستعمل لاحتفالات واللقاءات العائلية الاجتماعية والدينية كالأعراس… »

هذا المضمون هو نتاج مجتمع كان يتمتع بنمط عيش متميز دينيا واجتماعيا وثقافيا، تحكمه مبادئ التضامن والتواضع والتعايش والإيمان بالحوار الاجتماعي، سيعرف كذلك تطورا من حيث انعكاسه على مجال كنتيجة لتطور الحاجيات وتغيير المبادئ في الإعداد، لتظهر المدينة العصرية أو ما يعرف في أدبيات إعداد المجال بالمدينة الاورومغربية، التي تلبي في مضمونها مرفولوجيا حاجيات مجتمع عصري تقدم في أنشطته الاقتصادية والاجتماعية، فأنتجت الحديقة العمومية كمجال للترفيه والشارع ذو الأروقة كفضاء للأنشطة الاقتصادية والمسرح كمجال للتعبير الفني العصري والسينما كفضاء للحوار والتثاقف…

عموما يمكن أن نخلص على أن الثقافة الحضرية كمكون أساي حاضر بقوة القانون الاجتماعي في المجال من حيث الشكل ومن حيث المضمون، نجده بالمدينة القديمة في اتجاه المدينة العصرية « الاورومغربية ليبدأ في التدهور والتفاهة نحو المدينة الحديثة التي لم تتأسس في منطقها الإنتاجي والتدبير على مقاربات حكماتية تشاركية تشاورية تنتج بناء على المعرفة وتدبر على حساب الأولويات والحاجيات الاجتماعية والثقافية للمستهلك، من هذا يمكن القول إن الأزمة حاضرة بقوة، وأن الانتقال من حلة السلب إلى حالة الإيجاب في إنتاج وتدبير المجال يتطلب الانتقال من التطبيق المعياري إلى التطبيق التشاوري والتشاركي،أو بعبارة أخرى من التعمير الإجباري إلى التعمير التشاوري التوافقي.

III.إنتاج المجال: من التعمير الإجباري إلى التعمير التشاوري التوافقي

« المدينة من إنتاج الإنسان ولصالح الإنسان، ذلك أن خصوصيتها: إعداد الألوان ، حجم وقيمة جغرافية تجعل من المديني شخصية تتباين عن الأخرى بثقافة حضرية معينة، إنها إذن عمل فني صنع من طرف الحضري ونقل من مديني لأخر في أوقات وظروف مختلفة ليطبعها بطباعه خصوصا إذا كان يتمتع بشخصية قوية » هذا المستوى من الإنتاج رهبن بتبني مقاربات علمية وعملية جديدة، تكون كفيلة بتغيير موقع الأزمة من السلب إلى الإيجاب، تبنيها واحتضانها سيقوي شخصية المجال سيرفع من مستوى المنتوج ويذيب الحدود بين المنتج (المعمار، المقاول والمهندس..) والمستهلك (الساكن…) ، تقوم هذه المقاربة على تذويب الحدود بين أطراف العملية في إنتاج وتدبير المنتوج من خلال التشارك والتشاور والتوافق على طبيعة وخصائص المخرج من كل العمليات، تتأسس في أهم مراحلها على مبادئ الفهم والمعرفة لكل المدخلات السوسيو-اجتماعية والبيئية للمستهلك والمستقبل واعتباره فاعلا بدل مفعول به فاقد للأهلية والخصوصية.

الفهم والمعرفة: الملائمة والمرونة في إنتاج المجال

الفهم والمعرفة هي مبادئ مؤسسة لموضوعة الحكامة ولازمة لها عندما نتحدث عن التنمية الاجتماعية، التي يعتبر من بين مكوناتها إنتاج وإعداد وتدبير المجال، الفهم والمعرفة في هذا السياق هي مؤشرات استعجاليه يمكن لتفعيلها و أجرأتها أن يعمل على معالجة الخلل القائم في جميع المستويات، والواضح في تنافر الإنسان والمجال، والذي يعرف في قاموس إعداد المجال بالأزمة الحضرية، التي لها علاقة جدلية بمقاربات التدبير الكلاسيكي الموجه والمحدد في إطاره المنطقي باديولوجية اقتصادية تعتبر الإنسان في خدمة الاقتصاد لا العكس، وبالتالي فهو هدف وليس محور وطرف مشارك في مختلف عمليات الإعداد.

إذن لتحقيق التوازن لابد من حضور الإنسان في مختلف مراحل الإنتاج، خاصة في مرحلة الفهم والمعرفة، أي التشخيص الأولي الذي يهدف إلى معرفة مكونات المجال من حيث الأفكار والثقافات السائدة المتحكمة في حركية الفاعلين، مما سيمكن الفاعل من التموقع ضمن الشأن الثقافي المحلي بمختلف عناصره، وفهم منطقه لإدراك المجال ومتطلباته للتعايش مع مورفلوجية وشكل ومضمون الإنتاج، فالمهندس والمعماري والمقاول كفاعلين أساسيين في عملية الإنتاج مطالبين وملزمين في ظل الأزمة، العمل على وضع قاعدة بيانات تتقاطع فيها العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية ، لتشكل أرضية تتحكم في القواعد المسيرة لمختلف عمليات الإنتاج المعماري، فالمهندس مطالب بالاهتمام بالعلاقة الجدلية الكائنة بين التطورات الطبيعية والتحولات الثقافية، وترجمتها إلى رسوم وخطوط وتقنيات.

إن إعطاء الأهمية لكل من الفهم والمعرفة في عملية إنتاج وإعداد المجال، لأمر هام لوضع أسس ثقافة المجتمع في المجال، حتى ننتقل من المجال المدرك إلى المجال المعاش المؤسس حسب إدراك الفرد وتصوره، حسب فكره وثقافته.

إذن فالفهم والمعرفة للأفكار والثقافات السائدة، سيمكن من إنتاج المجال المحلي بناء على حاجيات المستهلك في الشكل والمضمون، ويمكنه من التعايش مع المجال بدل إدراكه وفرض الذات عليه، ومن زاوية أخرى سيمكن هذا المنطق في الإنتاج من تحقيق مبدأ الملائمة والتلاؤم ثم التوازن بين الإنسان والمجال والزمان. الفهم والمعرفة كآليات إجرائية في عملية إنتاج المجال ستنتج الملائمة بين الثقافة المحلية والمجال ، وستؤدي إلى تحقيق الاستدامة في سيرورة التوازن فمن خلالها سيحدد المعماري والمهندس والمقاول الاتجاه العام لتطور المجتمع ، الثقافي والاقتصادي والديموغرافي – الكيفي والكمي- ليطبع مكونات المجال بمبادئ المرونة والاستباق، بهذا سننتقل من مجال الأزمة ومن المجال المدرك إلى المجال المعاش. التشاور والتشارك: التوافق والتوازن

أهم المبادئ التي يجب أن يعتقد ويؤمن ثم يتشبع بها الفاعل في إنتاج وإعداد وتدبير المجال المديني، هي مبادئ التشاور والتشارك التي يعتبر تفعيلها مدخل استراتيجي وحتمي للوصول إلى ذوق المستهلك ونمط عيشه الحقيقي، فمبادئ من هذا النوع سيكون لتبنيها نتيجة التحكم في سيرورة التحولات التي يعرفها المجتمع، أو بمعنى أخر ستمكن من في مراحل متقدمة في عملية إنتاج المجال من الاستجابة للحاجيات المتجددة للمواطنين – الكمية والكيفية – بناء على الخصوصية الجهوية والمحلية.

في هذا المستوى من الإنتاج سنتحدث عن التهيئة الديمقراطية بدل التطبيق المعياري لتقنيات المهندس ورغبات المقاول والمستثمر على حساب الأزمة، فتفعيل فلسفة من هذا النوع سيعرب المستهلك كفاعل به بدل مفعول به، وسننتقل إلى مستوى التهيئة التشاورية-التفاوضية بدل التهيئة الإجبارية، وسيعرف اللانتاج في قاموس التعمير بالمشروع الحضري الذي يحمل في إطاره المنطقي رغبات المستهلك مترجمة في أهداف وعمليات ونتائج ومؤشرات تقييم تشاركية توافقية المجتمع، هنا ينتقل المهندس والمعماري  » على الإبداع وقت وضع الخطوط والأشكال والألوان للمجال » لترجمة أولويات وحاجيات المديني هذه المقاربة ستمكن كذلك من الوصول إلى مستوى التوافق بين مختلف الفاعلين، أو بمعنى ستمكن من إعداد الأفكار ، وخلق التوازن بين ثقافة المنتج وأفكار المستهلك، وكمخرج لهذا سيتم التحكم في إشكالية المديني الجديد الذي يجدب إلى الوسط الحضري للتضارب ثقافته البدوية مع محتويات المجال الحضري، وستحد من ردة فعله التمردية ضد مكونات المجال الحضري.

إن تحقيق مدينة فعلة وتنافسية يتطلب حكامة حضرية، قوامها الإشراك والتشارك واستشراف المستقبل بناء على التوافق من أجل التوازن، وهذا يستوجب إضافة إلى ما سبق تقديمه بالفهم، اتخاذ مجموعة من المقاربات كمعتقدات وقوانين يتبناها المنتج والمستهلك للمجال المديني.

الفهم والمعرفة، التشاور والتشارك، مدخل لإعداد الأفكار وأساس لإعداد المجال، وبالتالي التأسيس لتعمير يسهم فيه الجميع ويمنح المواطن حق المشاركة الفعلية في إعداد المشروع ويمكنه من التفاعل في اتخاذ القرار والتأثير في بلورة التوجهات المتعلقة بالإنتاج والتدبير، ويرسخ الاحترافية في قطاع التعمير ويطور التخصص في ميدان التنمية الحضرية.

إن الهدف من هذه المقاربة هو إيجاد الحلول الملائمة والمستديمة لإشكالية التكتلات العمراني، لجعلها ذات قدرة تنافسية تمكن من التعايش بين الإنسان والمجال والزمان، وتوافق بين الحداثة والارتقاء بالهوية الوطنية والخصوصية الجهوية والمحلية.

هذا يوفر إطارا مرنا للتوفيق بين الشكل والوظيفة في عمليات الإنتاج، بناء على التوافق وسيتحكم في حدة الأزمة الحضرية ويمكن من التوازن بين الإنسان والتراب، وسيكون المنتوج المديني مرآة تعكس المحتوى الثقافي والفكري للمستهلك.

أحسن ما يمكن إنتاجه في ظل هذه المبادئ هو المعمار « الديمقراطي » الذي يستطيع التوفيق بين الثقافة والفكر والحداثة بحثا عن المدينة المعبرة عن الثقافة الشعبية بواسطة الأشكال والألوان والمضمون والوظائف.

خــــاتـــمـــة

أظهرت مستويات التحليل والفهم، أن أزمة المجال ومجال الأزمة الواضح في تنافر وتمرد الإنسان على المجال، هو نتيجة وترجمة لمقاربات التطور الحضري التي تتخذ كمنهج لها التطبيق المعياري السهل لأهداف الشبكات الاقتصادية المستثمرة في إنتاج المجال على حساب الأزمة، ويليق بالقرار الإداري المتبني للمقاربات الترقيعية كحل للمشاكل، والتقني المتناسي للثقافة المحلية، مما يعطي مجالا مدينيا يعرف الوفرة في السلب، ويتدبدب بين أزمة المدينة المفروغة من المحتوى الفكري والثقافي ومدينة الأزمة التي لا يبحث المنتج عند بنائها إلا عن الصنع المربح، مقاربة يعرب الإنسان في قاموسها كمفعول به في خدمة الاقتصاد.

أظهرت نتائج التحليل كذلك بأن الإشكالية المرتبطة بسياسة إنتاج المدينة غير محصورة فقط في المعالجات الترقيعية التقنية، فاليوم في ظل تطور الأزمة، أصبح من الضروري تبني مقاربة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والفكرية والثقافي – الكيفية والكمية- في الإنتاج والإعداد والتدبير.

هذه المقاربة المندمجة تطرح التحدي الأكبر والمتعلق بتحقيق الأهداف المتوخات ضمن الإعداد الذي يستجيب لحاجيات مستعمليه، والذي يتفاعل في مقاربته المجتمع بثقافته والمهندس والمعماري بتقنياته والمقاول برأسماله والقرار الإداري بمعرفته وفهمه العلمي والعملي الأولي للمجتمع ، بهذا سيتم التعامل بمرونة وبمنطق علمي مع المجال يضمن انتقال الإنسان من موقع المستهلك المتمرد بثقافته وأشكاله على المجال، إلى موقع الفاعل والمؤمن بما يوفره المجال.

هذه المقاربة يجب أن تؤدي على تحول من حيث محتوى العمليات المهيأة دائما بطريقة تقنية وقطاعية، وتلزم على وجه الخصوص أصحاب القرار والفاعلين في إنتاج المجال على تغيير الأفاق ودمج المعادلة الحتمية التالية:  » جودة المجال جودة الحياة » ضمن مشاريعهم.

انفتاح هذه المقاربات قد يبدو معقدا بعض الشيء لكن هذا التعقيد هو الذي يمكن أن يضمن تحقيق مبادئ المجال المعاش بدل المجال المدرك، وبالتالي ضمان العيش الكريم للمجتمع.

À propos Responsable de publication