Accueil / Non classé / نوعية الحياة وواقع الصحة النفسية لدى المترددين على السجون والإصلاحيات

نوعية الحياة وواقع الصحة النفسية لدى المترددين على السجون والإصلاحيات

 لاريب في إن الكائن البشري لا تنحصر مقومات حياته في تامين الحاجيات الأساسية والضرورية لبقائه .بل تتعدى ذلك إلى ما يشمل كل ما يحسن نوعية الحياة للفرد الذي ميزه الله وكرمه وفضله عن الكثير ممن خلق. مثل المقومات الذهنية والنفسية والوجدانية والاجتماعية، ومعتقدات دينية وقيم ثقافية وحضارية وأوضاع مالية واقتصادية تمكن المرء من تحديد ماهية الأشياء التي تحقق له السعادة والرضا في الحياة ، لذالك لا بد أن يكون في حياة الشخص الإنساني شيء من النوعية والجودة بالإضافة إلى القدرة على إعادة بناء وتأهيل الذات.

في غياب هذه الشروط قد ينطبق على الفرد قول الشاعر: يعمى المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وحسب بعض الباحثين في السيكولوجية هناك فجوات في المعرفة والإنسان يفتقر إلى المميزات التي تجعل الحياة جديرة بالتعايش ومنها الأمل والحكمة والإبداع والتفكير الايجابي في الحاضر والمستقبل والشجاعة والقيم الروحية والمسؤولية والمثابرة والاجتهاد.

وإذا كانت الغاية الأساسية للسيكولوجية الايجابية تتجلى بالأساس في قياس وفهم وبناء مكامن القوة لدى الإنسانية وفضائله المدنية، وصولا إلى توجيه الأفراد والجماعات والمجتمعات نحو السبيل الأفضل، نحو الحياة المتوازنة والجيدة بالتركيز على التمكين الشخصي وحسن الحال الذاتي في الحياة وذلك بتامين التفكير الايجابي، وتعزيز الصحة النفسية كمدخل لصياغة الحياة المبنية على الرضا والتفاؤل والأمل، والدفاعية الذاتية والسعادة والأمن النفسي والمهارات الاجتماعية – على رأي مصطفى حجازي.

فالمقصود بنوعية الحياة في هذه الدراسة (qualité of life)ذلك المؤشر الدال على الاهتمام برفاهية الفرد في المجالات كافة التي تسعى إليه المجتمعات، باعتبارها الأداة لتحسين ظروف الحياة وتحقيق الرفاهية. وحسب العمل مع الأشخاص في وضعية صعبة ومنهم أصحاب السلوكيات الإجرامية، المترددين على السجون والإصلاحيات يتبين النقص الكبير الذي تعانيه الحياة اليومية بصنفيها الكمي والنوعي، والذي ينعكس بشكل فضيع على الصحة النفسية لهذا الصنف من الناس الذين يعانون من غياب واضح لأبسط الحاجيات الإنسانية الأساسية للإحساس بالرضا عن الحياة والانفعالات الايجابية، وهو أمر يحول دون اكتشاف الحالات الفردية ذات الايجابية النوعية التي تختلف من فرد لآخر، بحسب اختلاف وتنوع المصادر التي قد تتمثل في الأسرة أو الأصدقاء أو الموسيقى أو في الرياضة أو في الجنس أو كسب المال أو في العمل.

فمعنى نوعية الحياة التي يعني منها التي يعاني من عدم إشباعها نزلاء السجون والإصلاحيات، هي مفهوم افتراضي شائع يعني إحساس الناس بالرفاه الممثل في العديد من جوانب السعادة والرضا عن الحياة بشكل عام، وهذا المصطلح يمتلك العديد من التعريفات المختلفة، فقد يعتبر لدى البعض وجود فرص للعمل وتكوين أسرة وأصدقاء ويتمثل لدى آخرين في القدرة على التعبير والتنقل ويحصره البعض في القدرة على التملك المادي مثل السكن الراقي والسيارة الفاخرة والمال الكثير، في حين يعتقد آخرون بان نوعية الحياة الجيدة ينبني على الصحة الجيدة والامتداد الأسري التضامن وقدرة كل فرد في المجتمع على النهوض بذاته وإشباع احتياجاته وتحقيق أحلامه بشكل مشروع وجوده عالية.(Hilderley 2001)

وحسب منظمة الصحة العالمية تعني نوعية الحياة إدراك المرء لمكانته في الحياة وفق سياقات الثقافة والقيم التي يعيش في أحضانها، وربطها بأهدافه الخاصة وتوقعاته ومعتقداته واهتماماته. وهو مفهوم كثيرا ما يتأثر بحالة الفرد النفسية والجسدية وعلاقاته الاجتماعية. أما الصحة النفسية باعتبارها حالة تشير إلى اكتمال الجوانب البدنية والنفسية والاجتماعية وليس مجرد غياب المرض النفسي ومن هنا نجد أن مفهوم الصحة النفسية يشكل جزءا من مفهوم التواجد الإنساني الكريم الذي يضمن للمرء التمتع بمقدار من مقومات السعادة والرضا من الحياة التي يحياها.

من خلال ما تقدم نستنتج أن هناك ترابطا وعلاقة بين الصحة النفسية ونوعية الحياة فلكي يتمتع الإنسان بصحة نفسية جيدة لابد أن تكون حياته ذات جودة ممتازة. هذا بالنسبة للشخص الذي يعيش داخل بيئته العادية بشكل متوازن. فكيف يجب أن يكون الوضع بالنسبة للشخص في وضعية صعبة كالمتردد على السجن؟

إن الباحث الميداني والعامل بشكل مهني مع الأشخاص المترددين على السجن يستطيع يوميا مراقبة حوادث مؤلمة ترتكب بحق الأشخاص في وضعية صعبة. وخاصة المترددون على السجون والإصلاحيات، وهي حوادث تؤثر على كل شرائح المجتمع بشكل سلبي، وخاصة شرائح الأطفال والناشئين والشباب. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو كيف يستطيع المترددون على السجون والإصلاحيات امتلاك التكيف النفسي مع الضوابط الصارمة المؤطرة للإقامة داخل هذه المؤسسات، وثقافة التهميش والإبعاد والمحاصرة وسلب الاعتبار داخل الوسط العادي؟ وما هو آثار ذلك على جودة هذا الصنف من الناس على المستوى الفردي؟

فمشكلة هذا العمل تتمركز حول دراسة العلاقة بين نوعية الحياة والصحة النفسية لدى المترددين على السجون بالمغرب في ضوء عدد من المتغيرات؟ فما درجة نوعية الحياة لدى المترددين على السجن؟ وما الفرق في نوعية الحياة لدى المترددين على السجن حسب العمر والجنس ومكان السكن والمنحدر المهني والاجتماعي والمستوى التعليمي للأبوين والترتيب الأسري والدخل المادي والمستوى التعليمي؟ وهل هناك علاقة ارتباط بين استجابة المترددين على السجون والإصلاحيات نحو نوعية الحياة والصحة النفسية لديهم.

فتناول واقع مفهوم نوعية الحياة وتأثيره على الصحة النفسية لدى نزلاء السجون والإصلاحيات قد يسهم في لفت الانتباه الباحثين القائمين على إنتاج السياسات العقابية الذين يعتبرون عدم تحرر نزلاء السجون من سلوكياتهم المتصارعة مع القانون أمر يعود إلى عدم القابلية لدى أولئك النزلاء. فقد يتم بناء العديد من المرافق السجنية وقد يحدث بها أرقى مراكز التعليم والتكوين لكن في غياب رصد حقيقة نوعية الحياة في ظل واقع الصحة النفسية للنزيل تبقى الانجازات والجهود مفتوحة على كل الاحتمالات، كما يبقى الضبط محاصرا في نطاق الجسد ولن يتمكن من ضبط النفس والذهن اللذين يحتاجان إلى تأهيل نفسي ومعرفي واجتماعي يركز على شخصية النزيل.

فنحن من الناحية العلمية أمام متغيرين: نوعية الحياة والصحة النفسية لدى عينة من المترددين على السجن، ثم التعامل معها بشكل قصدي باعتبارهم نماذج لأصحاب السلوكيات الإجرامية. فإذا كان لدى المتردد على السجن تقدير منخفض لنوعية الحياة، ومستوى منخفض من الصحة النفسية فمن الضروري العمل على تقديم المناهج والبرامج والإسهام بكل ما يساعد على مراجعة الفكر الأمني والقضائي، بالإضافة إلى الفكر القانوني بالخصوص، والفكر السوسيوتنموي عامة.

فالصحة النفسية بالنسبة لهذه الدراسة، هي حالة دائمة نسبيا يكون فيها الفرد متوافقا من النواحي النفسية والاجتماعية والانفعالية مع نفسه ومع الآخرين، ويشعر بالسعادة مع نفسه ومع الاغيار، ويكون قادرا على تحقيق ذاته واستثمار قدراته وإمكاناته إلى ابعد نطاق ممكن . بالإضافة إلى القدرة على مواجهة مطالب الحياة وتكون شخصية متكاملة وسوية )زهران2001( .

أما نوعية الحياة فتعني ذالك الإحساس بالارتياح والرضا عن الحياة بشكل عام يحددها الشخص نفسه الذي يخضع للتقييم) ( Meebery1993. ومن هذا العمل نعتبر جودة الحياة بأنها عملية تكامل الجانبين الفسيولوجي والنفسي ليشكلا المؤشر الأقوى على الاهتمام بمستوى الراحة والاستقرار والطمأنينة في أحضان الآخرين برضي تام ورفاهية متطورة، في مجالات الحياة المختلفة.

وبعد استعراض نتائج العديد من الدراسات بعد رصد أهدافها ومناهجها والأدوات التي اعتمدتها في انجاز أعمالها، وهي دراسات توضح جانبا أو أكثر من جوانب لها صلة بهذه الدراسة لكنها لم تطل حقيقة نوعية الحياة وعلاقتها بالصحة النفسية لدى أشخاص في سياقات صعبة، وخاصة المترددون على السجون والإصلاحيات. فقد اهتمت بالبحث في أسباب تخفيض الاكتئاب وتحسين نوعية الحياة لدى المدرسين، واعتنت بالبحث في مسالة الرعاية الاجتماعية وتحسين نوعية الحياة لدى المسنين، كما اعتنت دراسات أخرى بتأثيرات الحصار الاقتصادي والاجتماعي على نوعية الحياة لدى الرازحين في ظل احتلال ) حالة غزة نموذجا( كما تم إجراء دراسات حول نوعية الحياة والاكتئاب لدى المترددين على المصحات النفسية، وهي كلها أعمال تمت الاستفادة منها في تدقيق إشكالية هذا العمل وصياغة فروضه واختيار المنهج المناسب لانجازه واقتراح مجالات وتضيفها.

وعليه تحددت فروض هذا العمل في ثلاثة فرضيات:

 يعاني المترددون على السجن من انخفاضات خطيرة في مستوى تقديراتهم المتعلقة بنوعية الحياة.

 توجد فروق ذات دلالة في نوعية الحياة لدى المترددين على السجن تحكمها متغيرات السن والحالة الاجتماعية والجنس وعدد الترددات على السجن ونوعية السلوكيات التي تشكل سندا في الإحالة على السجن. 

 توجد علاقة ارتباط ايجابية بين استجابة المترددين على السجن نحو نوعية الحياة والصحة النفسية لديهم. 

 توجد علاقة ارتباط ايجابية بين استجابات المترددين على السجن نحو نوعية الحياة وواقع الصحة النفسية لديهم وسلوكياتهم الإجرامية.

وقد تركز منهج هذا العمل بكل خطواته الإجرائية على اعتماد المنهج الوصفي الارتباطي باعتباره الأنسب من الناحية الكمية، ثم المنهج الاكلنيكي الذي ساعدنا بشكل كبير على تلمس شخصية المتردد على السجن من الناحية النفسية بشكل عميق يركز على حقيقة صحته النفسية وتمثله لنوعية الحياة.

وقد كان مجتمع الدراسة هم المترددون على السجن لأكثر من مرة داخل السجون المحلية المتواجدة بجهة الغرب شراردة بني احسن، والذين يتجاوز عددهم العشرة آلاف متردد على السجن ثم سحب عينة منهم بشكل قصدي، على معيار الأكثر ترددا على السجن وعددهم ثلاث مائة شخص من بينهم خمسين امرأة ثم العمل معهم، داخل الفترات التي يكونون فيها خارج السجن، وهي فترات الصيف المتراوحة ما بين شهر ماي 2010 وأكتوبر من نفس السنة، مع مراعاة التمثل المثالي لمجتمع الدراسة من حيث العمر والحالة الاجتماعية والمنحدر الجغرافي والمستوى التعليمي والدخل الشهرين، حيث تميزت العينة بالخصائص الديموغرافية التالية:

فعلى مستوى مقاربة النوع يتبين بان عملية التردد على السجن تعرف تزايد متواصل في أوساط الذكور مقارنة مع الإناث. أما بالنسبة للسن فنجد أن أعلى سن بالنسبة للنساء المترددات على السجن هو 44 سنة في حين انه يصل إلى 65 سنة بالنسبة للذكور. لكن الفئة الغالبة تتراوح أعمارها ما بين 25 سنة و52 سنة، وذاك بنسبة 75% من أفراد العينة من بينهم 7 % من النساء، وأما 63% من هذه الفئة ينحدرون من اسر متصدعة بنسبة 15 %، وبدون سند اسري بنسبة 45 %، وان 47% منهم تعرضوا في طفولتهم للاستغلال الجنسي، وسوء التربية والحرمان من التعليم والرعاية الاجتماعية السليمة. كما أن المداخل المادية لهذه الفئة إبان فترات الخروج من السجن غالبا ما تتم عبر مصادر غير مشروعة، مثل السرقة والقوادة والنصب والاحتيال والاشتغال في المخدرات .

بعد هذه الإطلالة الموجزة عن حقيقة عينة البحث، الذين تتراوح عدد مرات التردد على السجن بين ثلاث مرات واثنتي عشر مرة، حاول الباحث قياس واقع الصحة النفسية لدى أفراد هذه العينة اعتمادا على مقياس السكر 2003. الذي يتألف من 75 مفردة، ترصد مستوى الأمان والتوافق والإقبال على الحياة وتبات الاتجاهات لدى الفرد واتزانه الانفعالي، والحب، والنجاح في العمل، والشعور بالرضا. وهو اختبار تمت مغريته وتأقلمه مع واقع مجتمع الدراسة سيكولوجيا ولغويا، بعد عرضه على مجموعة من المحكمين.

أما قياس نوعية الحياة لدى المترددين على السجن فقد وظفنا له مقياس ليون تيريLewine terrie 2008. الذي يتكون من 55 فقرة، كلها تحاول بكيفية اسقاطية العمل على رصد نوعية الحياة. ومن أهم النتائج التي تم التوصل إليها:

انخفاضا في مستوى متوسطات تقديرات المترددين على السجن بشان نوعية الحياة، حيث يظهر بجلاء مدى التأثيرات السلبية للتردد على السجن، الخالي من أي عمل علاجي وتأهيلي وإدماجي، ولسلبية افتقار المجتمع العام لثقافة الاحتضان والتقبل والرعاية الإدماجية، مما يجعلنا أمام أشخاص يعانون حصارا شخصيا وقانونيا وأمنيا واجتماعيا، يطال كافة مناحي الحياة ويؤثر على هؤلاء الأشخاص وعلى المجتمع وأمنه بشكل سلبي يجمد حراك الحياة الفاعلة الفردية والجماعية والمجتمعية، ويزيد من حدة التوتر والاضطراب، وتعميق الإحساس بأن المجتمع مجرد سجن كبير يصعب داخله تأمين تكاليف العيش، ويجعل الحياة بلا معنى. فقد عبر 65% من عينة البحث أن علاجهم من بعض الأمراض كان صعبا داخل المجتمع العام، وللحصول على علاج والرعاية الطبية لابد من اقتراف سلوك مضاد للقانون الجنائي، ويؤهل للإحالة على السجن، هذا المأوى الاجتماعي الذي يؤمن الغذاء والدواء والإقامة، وحتى الحصول على المال.

وقد ظهرت هذه النتائج على المستوى الاجتماعي إلى معاناة المترددين على السجن من انخفاض عدد الزيارات الاجتماعية لهم إبان الإقامة في السجن، وعدم التقبل الاجتماعي المفعم بالتحقير والحذر والحيطة والتهميش. وهذا يسهم لدى المترددين على السجن بنسبة 75% في انعدام الاستعداد والرغبة في الاستفادة من برامج محو الأمية والتعليم المدرسي والتكوين المهني، والمشاركة في الأنشطة التي تقام داخل المؤسسة السجنية. وهناك خصومات نفسية مع العمل والتعلم والتواصل، تتستر وراء عدم الرغبة وعدم القدرة، أو عبر الرفض أو العنف والتمرد الذي يطفو على علاقاتهم مع بعضهم البعض أو مع إدارة المؤسسة.

ويعاني هؤلاء من شدة الخوف المبطن بعلامات الغضب واضطرابات النوم والأكل واستمرار القلق واضطراب التركيز. فقد أظهرت هذه الدراسة أن هناك علاقة دالة بين التردد على السجن وانخفاض استجابات نوعية الحياة لدى المترددين على السجن، يتجلى في ضعف أو انعدام مستوى الطموح، والنزوع نحو الانسحاب من الحياة عبر تناول المخدرات وعدم الاهتمام بالصحة، وممارسة التعذيب على الجسد من خلال الوشم والجرح بالأدوات الحادة. كما أنهم لا يأبهون بالوقت والمال ولا يكترثون بضحاياهم، ولا يدركون لمعاني الأسرة والقيم والدين والأخلاق، لكنهم يدركون عقوبات الأفعال أو الامتناعات ويميزون بين الجنحة والجناية، ويخبرون بشكل جيد الأوقات التي يمكن العيش فيها في الوسط العادي، والأوقات التي تتطلب الإقامة بالسجن. وهو ما يتأكد من خلال الاستجابات المترددين على السجن حول نوعية الحياة الغارقة في السلبية، في تمثلاتها واتجاهاتها، واهتماماتها الشخصية والعامة. وهذا يطغى بشكل كبير في الأوساط المتراوحة أعمارها ما بين 32 و54 سنة. فهؤلاء يعانون من صعوبات التكيف بشكل حاد، فكل هؤلاء من العزاب أو المطلقين، مما يحرمهم من الدعم النفسي والاجتماعي والعاطفي الذي افتقدوه، أو لم يتم إشباعهم منه خلال مراحل الطفولة التي اتسمت لدى أغلبهم بالضغط والقسوة.

فنوعية الحياة لا تكون إلا أفضل عندما يعيش الفرد في أحضان الآخرين، لكن هذه الفئة من الناس محرومة من هذا الحق، الذي يعتبر مصدرا من أهم مصادر الدعم لنوعية الحياة والصحة النفسية والسعادة، بسبب الاستبعاد الاجتماعي الذي يطالهم داخل المجتمع العام فغالبية السجناء في هذه العينة لا يدركون معنى لنوعية الحياة وحقوق الإنسان، والخدمة الصحية إلا داخل السجن الذي يعتبر بالنسبة لهم ملاذا من جحيم غطرسة الحياة داخل المجتمع العام، نتيجة غياب السند والمأوى وفرص العمل والافتقار للمؤهلات النفسية والمعرفية والتواصلية، مما يحول من التمكن من إشباع الحاجيات السيكولوجية. وعليه فالسلوك الإجرامي هو عنوان لعجز متعلم طال هؤلاء منذ مراحل الانتقال من رحم البيولوجي إلى الرحم الاجتماعي المؤطر بالإهمال والعنف والعقاب والضياع.

 

من الواضح حسب هذه الدراسة أننا جميعا في حاجة إلى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي. كما أننا في حاجة إلى مراجعة سياساتنا التربوية والاجتماعية والجنائية بما يتلاءم وقيم التنمية البشرية، كمدخل أساسي لمجتمع المعارف والتضامن والعدالة. فمنتوج التربوي والاجتماعي والقانوني والعقابي، بالإضافة إلى منتوجنا السياسي هو المسئول أساسا عن ارتباط السلوك الإجرامي بانخفاض مستوى نوعية الحياة واضطراب الصحة النفسية لدينا جميعا والأشخاص في وسياقات صعبة بالخصوص. نعم إننا في نحتاج إلى التشبع بالقيم النبيلة، ولكننا في حاجة إلى الحريات الحقيقية في التفكير والاختيار والعدالة في التعلم والتكوين، والمشاركة في تدبير الوطن والانتفاع العادل بخيراته. إننا في حاجة إلى التنمية بدلا من أساليب الإيلام والعتاب والتشدد والتضييق على العيش.

ونظرا لاتساع دائرة ارتباط السلوك الإجرامي لدى المتردد على السجن حسب هذا العمل وتمثله لنوعية الحياة وهو تمثل ينبني على صحة نفسية معتلة. يبدو انه من الواجب التفكير بالقوانين والأجهزة الأمنية والقضائية والسجنية يكونها أجهزة استثنائية مختصة بعلاج وتأهيل وإدماج المحالين عليها جزاء وفق مقاربات تنشئوية وتربوية قوية على استيعاب الإعطاب وكل صنوف الخلل التي يعانيها واقع التربية والتنشئة الاجتماعية داخل الأوساط العادية وإذا كان التفكير بالأمن والسلام والتنمية لا يمكن حصره في الضبط والزجر والتكثير من أجهزة قمع الشعب أو وضع أموال عامة رهن إشارة أشخاص لا قدرة لهم على توضفها في تحقيق تنمية ذات فاعلية، فان رسالة السياسة الجنائية عامة ورسالة السجون والإصلاحيات لا يمكن انجازها إلا من خلال الفرق العلمية المتخصصة في الاستقبال والتضييق العلمي والتوجيه المحكم والمرافقة اليومية التي لا تترك فراغا لدى النزيل على المستوى الفكري والنفسي والروحي والاجتماعي والمهني والإبداعي. فرق تركز على شخصية النزيل في الوصول إلى رصد قدراته واستعداداته وتمكينها من التحرر والقابلية للتواصل والتفاعل والتعلم والعطاء. نعم إن المغرب يتوفر الآن على سجون وإصلاحيات بموافقات تسمح لنا بانجاز رسالة العقاب والإصلاح بشكل جيد لكن القدرات التنظيمية والتاطيرية التي تستطيع تحقيق هذه الرسالة تحتاج إلى جرأة وطنية تستطيع تحقيقا لمساواة على الأقل بين فرق التدخل الأمني الخاضعة لتكوين خاص توضع رهن إشارة مدير السجن من اجل التدخل في حال وقوع اضطرابات داخل المؤسسة وبين فرق التشخيص والتصنيف والتوجيه والعلاج والتأهيل والإدماج والتي ينبني عملها على التحليل العلمي لشخصية صاحب السلوك الإجرامي نزيل السجن والتركيز على شخصيته في صياغة المقاربات والبرامج الاستنباطية إلا نجع لمعالجة اضطراباته الشخصية.

فحسب الخلاصات التي تم التوصل إليها في هذه الدراسة يمكن القول بان الخروقات الماسة بحقوق نزلاء السجون والإصلاحيات، واتساع العديد من السلوكيات المخالفة للقانون من الأمور التي تبعد هذه المؤسسات عن رسالتها النبيلة، وتجعل العابثين بها يحولونها إلى محلات لاحتراف السلوكيات الإجرامية، خصوصا أمام منطق الزبونية والرشوة وغض الطرف عن الاختلاط غير القانوني بين الكبار والصغار والتطاول على المئونة المخصصة للسجناء وغياب التطبيب… وهي أمور لم تنفع معها تقوية آليات التفتيش. هذه الكلمة يجب إعادة النظر فيها وتعويضها بالإنصات والتتبع والتوجيه، وإعطائها حق المبادرة في اقتراح تغيير تدبير محتوى العقوبة تحت إشراف المؤسسة القضائية المكلفة بتنفيذ العقوبة. كل هذه الأمور سببها حسب هذا العمل عدم الاكتراث والتساؤل الذي يحتاج إلى إجابات تحتاج بدورها إلى تقييم يطرح تساؤلات جديدة بشأن رسالة السجن. إننا لسنا أمام أناس مودعين بأقفاص خاصة نروضهم حسب ارتساماتنا الخاصة، بل نحن أمام أشخاص يعانون من تمويت نفسي بشكل خطر عليهم وعلى المجتمع وآمنه وسلامته. ونحن هنا نتحمل مسؤولية الإحياء النفسي لهؤلاء وتمكينهم من امتلاك تمثل ايجابي لنوعية الحياة ينبني على صحة نفسية متوازنة، إن رسالة السجون والإصلاحيات هي رسالة إحياء النفوس التي أسهمت ظروف معينة في تمويتها، وكل تدبير أو تصرف أو قانون لا يأبه بهذه الحقيقة، هو إسهام في التمويت السيكولوجي الذي يعانيه غالبية السجناء، فهل نستطيع إحياء النفوس داخل السجون والإصلاحيات، تبك الرئة المجتمعية التي تمتص الهواء ملوث وتضخه في كافة شرايين المجتمع دما. إنها القدرة على إحياء النفوس بدل قتلها، كما قال الله تعالى في سورة المائدة الآية 34 ” من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.

نعم هناك تحديات مادية وقانونية وثقافية وبشرية تعانيها السجون والإصلاحيات ومنها واقع الاكتضاض الذي يعبر عن وجود إعطاب في السياسات السوسيوتنموية التي تحتاج إلى تشخيص ينشد تحريرها من مناهج برامج وأشخاص تنمية التخلف ويضعها في مقدمة المؤسسات القيادية نحو التأهيل والإدماج والمشاركة . والانتقال بالحياة الإنسانية من واقع اللاتنظيم واللامعرفة إلى المجتمع المنظم والمهيكل مجتمع المعرفة والإبداع والإنتاج. فكيف نتحدث عن إعادة إدماج شخص مضطرب لم يعرف الإدماج المفعم بالأمن النفسي والفسيولوجي ، وبالإحساس الايجابي بالانتماء والتقدير داخل الوسط العادي الذي يعاني من خلل بليغ في مكوناته ومؤسساته. لا يمكن مكافحة السلوكيات والاضطرابات المرضية والإجرامية إلا من خلال القضاء على ذلك الخلل .

لقد مكننا هذا العمل من رصد حقيقة الحياة السجنية وما يطالها من ظواهر وسلوكيات . وخاصة تلك المتعلقة بترويج الممنوعات داخل السجن ودور بعض الزوار وبعض العاملين في هذا الشأن ، وما يتتبعه هذا المنع من إنتاج لوسائل احتيالية تأكد تشبع أصحابها بمتمثلات سلبية عن نوعية الحياة واعتلالات بليغة في الصحة النفسية لديهم. فحسب هذا العمل هناك فئات من الناس يتناوبون على دخول السجن للتمكن من ترويج المخدرات بشكل مؤمن أكثر من ما هو عليه الأمر في الوسط العادي. كما أن من النزلاء من يعاني من الإدمان ويحتاج إلى علاج لا توجد مقوماته داخل السجون والإصلاحيات. وهذا الجانب وحده – المخدرات داخل السجون والإصلاحيات – في حاجة إلى المزيد من البحث العلمي المتخصص بغاية إيجاد النظم الوقائية والعلاجية الكفيلة بمحاصرته.

 

وفي هذا السياق قد نكون في حاجة إلى المزيد من التدقيق في نظمنا القانونية وأجهزتنا الأمنية والقضائية والسجنية، لكننا في أمس الحاجة أكثر إلى التدقيق في سياستنا السوسيوتنموية بالتركيز على شخصية الفرد الإنساني ، في غياب هذا الاحتياج الملح يمكن القول بالوقوع في المزيد من الانحلالات الإنسانية التي قد تتحول معها السجون إلى مجالات للحصول على العمل لحساب تجار الممنوعات الذين منهم من اكتشف بان السجن أداة للاغتناء عبر الاتجار في المخدرات والخمور والكثير من السلوكيات الإجرامية. وهي مواضيع تم بحثها بشكل أعمق يمكن معالجتها في مناسبات لاحقة. لكن الحقيقة التي نعانيها في هذا الملف تكمن في كوننا على اطلاع واسع بالقوانين والضوابط الداخلية والحسابية، وعلى آليات المراقبة والتفتيش ووسائل التأديب والزجر، ولكننا نعاني من قصور واسع في إدراك شخصية الإنسان، والإنسان صاحب السلوك الإجرامي بالخصوص. وهذه خلفية من خلفيات واقع التخلف الإنساني واضطراب الحياة وانحراف السلوكيات الفردية واتساع الظواهر الاجتماعية السلبية.

د.عبد الله أبو إياد: باحث في سيكولوجية الأشخاص في سياقات صعبة.