Accueil / Non classé / شباب الارياف: بين مطرقة التهميش وسندان الامبالاة..

شباب الارياف: بين مطرقة التهميش وسندان الامبالاة..

يتعرض شاب الأرياف عموما للتهميش مما يهدد عافيته وصحته النفسية، وتجعله نهبا لمختلف أشكال السلوكات الضارة، أو غيرالمجدية على الأقل. إذ يترك بدون أمل في تحقيق ذاته من خلال إنجازاته. تتطلب المعالجة المنهجية المتماسكة لملف الشبابالريفي، البدء ببحث واقعهم بشكل عام، ومن ثم تناول أوجه التهميش والإقصاء التي يعانيها.

تشكل فئة الشباب، كما هو معروف في الأدبيات، الشريحة الأكثر عددا في المجتمعات الريفية/ الحضرية النامية على السواء. وهي الشريحة الأكثر حساسية على المستوى الاجتماعي، حيث تتزايد الفرص واحتمالات التهميش وتهديد البطالة.

إن شباب الارياف مع بعض الاستثناءات القليلة، شباب بلا طموحات وأحلام، يفتقر لحب المغامرة والبحث عن الإثارة، والتفتح على صخب الحياة وحيويتها وانطلاقها. وهو لا يتوفر على الفعل والسيطرة على واقعه. هنا أيضا ترك شاب المنطقة بلا فرص.

رغم أن العولمة حملت تحولات مستجدة وهامة أخذت تعيد تشكيل واقع الشباب وتصعد من حيوية ملفه. غير أن كل تلك التحولات لم تقو على الخروج بشباب زاكورة من الأطر والمرجعيات المجتمعية التقليدية، حتى أن تلك القلة التي تمتلك ومن تم تنفتح على وسائل الإعلام الحديثة، يتصعد الإحباط لديها وما يرافقه من حرمان ومشاعر غبن، الذي إما أن ينفجر عند أول مناسبة في سلوكات استكانة وغرق في الاكتئاب ومشاعر البؤس، وكلها بالطبع قتل لحيوية الشباب وطاقاتهم.

وفي ضل حياة رتيبة هزيلة يسيطر عليها الحضر والمنع، وفي ضل تدني الفرص وتأجيل الدخول في عالم الإنتاج الذي يوفر مقومات بناء حياة، وبالتالي استدامة فترة حالة “الشباب المعلق” بانتظار آمال متزايدة التباعد عن إمكانية التحقيق.

لن نخوض في عرض تفصيلي لشرائح الشباب المختلفة، لكل منها ظروفها وخصائصها وإمكاناتها وأزماتها، بل سنقتصر على وقفة موجزة مع شباب زاكورة العينة الممثلة للشباب الريفي الذي لم يأخذ فرصة فعلية في الدور والمكانة والإعداد للمستقبل.

هناك شريحة الشاب الطامح إلى الارتقاء الاجتماعي -هي فئة قليلة جدا- يتوسل هؤلاء الدراسة والتفوق فيها لبناء حياة مهنية وأسرية كريمة، ولتحقيق نقلة نوعية في وضعهم الاجتماعي والاقتصادي المتواضع أصلا. الدراسة بالنسبة إليهم هي الأمل المنقذ والمعبر إلى وضع مهني/ اجتماعي لائق، يوفر لهم السبيل لسد حاجياتهم المادية، من خلال أمل الحصول على عمل معقول بعد جهد الدراسة. ولهذا فالنجاح الدراسي هام جدا بالنسبة إليهم، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة المحيطة بدراستهم، وهو ما يجعل الدراسة تتخذ طابع الكفاح من أجل بناء هوية نجاح ومستقل. إنها رهانهم الأساس الذي يمدهم بالأمل، ويغذي دافعيتهم لمضاعفة الجهد والتغلب على عناء ظروفهم المادية الصعبة.

قلة من هؤلاء تنجح في تحقيق “الاختراقات” المأمولة، والوصول إلى وضع مهني/اجتماعي مقبول. أما الغالبية فإن الفرص أمامها تزداد انحسارا. وشيئا فشيئا، ومع طول الانتظار بعد التخرج، واستمرار البطالة والتأخر عن دخول سوق العمل يتسلل الإحباط إلى النفوس والمعاناة من خيبات الأمل، وتلاشي أحلام الخلاص. وقد يصل الإحباط حد اليأس من الدراسة ذاتها، التي تبدو غير مجدية، ويبدو أفقها مسدودا.

فرص هذه الشريحة من الشباب لا تضيع فقط في خط الوصول وبعد التخرج، بل هي تضيع على الأغلب منذ خط البداية. وهو ما يتمثل في تواضع نوعية التعليم الذي يتوفر لها وتدني مستواه، مما لا يؤهلها أصلا للمنافسة في سوق العمل ومتطلباته المتزايدة في مجال الاقتدار المعرفي والمهني. والتعليم الجامعي وما قبله، الذي يتوفر لها، يراكم معلومات ولا يبني معرفة علمية قابلة لأن تتحول إلى مهارة مهنية منتجة.

وأما الشريحة الأكبر عددا هي فئة “شباب الظل”. إنها فعلا الشريحة المهمشة، الفائضة عن الحاجة وبالتالي المستغنى عنها، والتي لا تدخل في حساب أي جهة، إنها الفئة المهمشة منذ البداية، منذ الطفولة التي يهدر حقها في الرعاية الأسرية عاطفيا واجتماعيا وتحصيليا. يغلب على أصولها التصدع الأسري على اختلاف ألوانه ودرجاته (تفكك أسري بسبب الطلاق، العنف الزوجي، إهمال الأبناء وعدم القدرة على رعايتهم أو الرغبة في رعايتهم أصلا مما يتركهم مهملين وخاضعين للحتمية البيولوجية وحدها في صحتهم ونموهم). وهي الفئة المغبونة ماديا حيث تحرم من الإشباع الملائم لحاجاتها الأساسية. كما أنها محرومة ثقافيا حيث تشيع الأمية في الوسط الأسري، ومعها تتدنى نوعية الحياة ذاتها: لا إدارة، ولا تخطيط، ولا تبصر بمستقبل، بل استسلام للأقدار، والعيش بناء لمقتضيات اللحظة الراهنة. إنها تفتقد النموذج الذي يشكل أساس الدافعية للتحصيل، حيث لا توقعات أصلا لنجاح ممكن، بل التوقع هو الفشل الذي تكر سبحته من الأبناء الكبار إلى الأصغر سنا، في نوع من النمذجة التي تضع الطفل من هؤلاء منذ البداية على طريق التهميش، بعيدا عن الحياة المدرسية الناجحة. يأتي الطفل من هؤلاء إلى المدرسة، إلا أنه يظل غريبا عن عالم الدراسة، لأن الشارع هو عالمه المعتاد. ولهذا فهي الفئة الأدنى تحصيلا، والأكثر تسربا، لأن مقومات النجاح المدرسي غير متوفرة لها أصلا.وعندما تتسرب تكون عادة في حالة واضحة من شبه الأمية أو الأمية الكاملة. كذلك هو حال تكوينها المهني، تنزلق تدرييا نحو عالم سوء التكيف الذي يسد أمامها فرص الارتقاء الاجتماعي. ولذلك فلا عجب والحال -هذه- تزايد الاحتقان النفسي والإحساس بأنها مهمشة وغريبة عن عالم الفرص، أن تكون ردود فعلها عنيفة ومدمرة حين تتاح ظروف الانفجار (إذا أردنا استعارة مجازية من التحليل النفسي).

يتجلى من خلال هذا العرض المختصر مقدار التهميش والتجاهل اللذان يصيبان أعداد متزايدة من الشباب في بلاد تعاني بدورها عزلة وتهميشا تاريخيين، وهو ما يتعين التوقف عند بعض قضاياه الكبرى للتمعن فيها.