Accueil / Non classé / نداء الإرتقاء

نداء الإرتقاء

 

نداء الإرتقاء

يحدث الارتقاء الحضاري عند مجتمع ما في الوقت الذي يستجيب فيه أفراده للتحديات التي تواجه عصرهم إذ يجب التغلب عليها. وخلق مجتمع متحضر يتطلب مادة أولية على المواطن اكتشافها ثم استخدامها لممارسة التحضر، وبما أن المجتمع هو ميدان عمل الأفراد فإن صلاحه في صلاح أعمالهم، وليس من الضروري أن يشتركوا في كل الأعمال التي يقومون بها، مع أنهم عندما يساهمون كلهم في إنجاز عمل واحد يكونون قد خلقوا بذلك معلمة حضارية.

وتنتج المعالم الحضارية عن اتحاد أعمال الأفراد داخل المجتمع الذي يسهل على أفراده فيه الإتفاق على كلمة واحدة يحددون بها الإطار المناسب لإنجاز عملهم المشترك. وهو عكس ما يجري بين أفراد المجتمع المتخلف الذين ينطبق عليهم المثل العربي القائل- بال حمار فاستبال أحمرة- وهو مثل يطلق على الذين يقتادون بمن يسيء العمل، ومما لا شك فيه أن مواطني المجتمعات المتخلفة لا يدركون حق الإدراك أنهم في نظر مواطني المجتمعات المتقدمة متخلفين مهما حاولوا استعراض إمكانياتهم الفردية وإبراز قدراتهم الشخصية لأن قيمة الفرد عندهم تقاس بقيمة ما يقدمه لبلده من خدمة.

إن التخلف وصمة عار على جبين كل أفراد البلد المتخلف أينما كانوا وكيفما غيروا أنفسهم ومهما وصلوا من الشهرة والشرف، غير أنه بإمكانهم إزالة هذه الوصمة لو رفعوا شعار التحدي واستخدموا أساليبه وبحثوا عن طرق وأفكار جديدة يعملون بها من أجل ما لم يوجد بعد. وإذا كان خطر التخلف لا يتوقف عن إظهار قوته بتهديداته المتوالية لاستقرار حالة المواطن المتخلف فإن على هذا الأخير ألا يكف هو الآخر عن البحث وإيجاد الحلول التي بإمكانها التخفيف من حدته على الأقل. إن مشكلة البلد المتخلف ليست قائمة على ضعف طاقة أفراده العقلية بل هي قائمة على تغليبهم للمصلحة الخاصة على المصلحة العامة وفي كثير من الأحيان تستخدم هذه الاخيرة لقضاء حاجيات الأولى وغالبا ما تكون برامج الانسان المتخلف ذات أهداف شخصية محضة بدوافع غريزية محضة حتى لو كان صاحبها وزيرا والعمل الذي برمج له حكوميا. وهو لايعتبر نفسه مسؤولا عن المجتمع ولا يشعر إطلاقا بأن له تأثير سلبي على العقل المجتمعي لهذا السبب يتصرف كما تملي عليه رغباته وأهواءه التي تجعل الإنسان بدون شك غير ملتزم بالواجب وغير مكتف بحقوقه متماديا حقوق الآخرين التي غالبا ما يجهلونها أصحابها بسبب التخلف نفسه، ملعون هو أب التخلف.

وهنا تجدر الاشارة إلى أن التغيير لا يمكن أن يحدث إلا إذا غير المواطن المتخلف نهجه وتخلص من العقد والعادات السيئة التي أصبحت غريزية فيه وهذا ما يتطلب إبراز طاقة خاصة وبذل جهد لم يبذل من قبل.

إن الانتقال الذي يدعمه هذا المقترح يتطلب استخدام وسائل جديدة لتغيير سلوك وعادات المواطنين السيئة، وعلى كل القوى الفاعلة المشاركة في إعادة تربية وتأهيل المواطن المتخلف ليتعلم آداب السلوك التي تنقصه كثيرا كما ينبغي على هذا المواطن أن يعلم بأن تقدم بلاده متوقف على مدى استعداده للمشاركة والإسهام في هذا التقدم.

إنه يكفي مسيرة بلدنا توقفا كبحا بفرامل التخلف وما يترتب عنه من نهب واستغلال النفود. ولنتركه يمضي حتى يرفع شأننا أمام الشعوب وحتى نضمن كذلك مستقبل أبناء الشعب الذين هم أبناؤنا، أبناء إخواننا، أبناء أخواتنا، أبناء خالاتنا، أبناء أعمامنا، أبناء أصدقائنا، أبناء جيراننا و….فلن نكون بحاجة إلى الزبونية والمحسوبية بعد ذلك وستتحقق المساواة بين الأفراد التي يكمن مفهومها في أن يتمتع كل أفراد المجتمع بنفس الحقوق وبنفس الحريات وبنفس الفرص الممنوحة فمن يجِد سيجد ومن يزرع سيحصد.

إن الدولة المغربية تعرف حق المعرفة أنه لا تقدم لها بدون إصلاح سلوك مواطنيها، ولعل أن تغييرا لو طرأ على العقليات سيؤتي أكله إن استخدمت أحسن الوسائل وأنسب الطرق مع إقرار آداب السلوك كمادة جديدة تنضاف إلى المقررات الدراسية يتعلم عن طريقها التلاميذ قواعد التعامل مع الآخر ومع كل الأشياء.

ويعتبر آداب السلوك دليلا و مرشدا استراتيجيا يسمح للإنسان بأن يدبر ويسيس الحالات واللحظات الحرجة في حياته الإجتماعية، فعن طريقه يكتسب الإنسان حس ما ينبغي أن يكون بغية التصرف الصحيح في كل المواقف كما يهتم بكل الأشياء التي لها علاقة بالإنسان سواء مع نفسه أو مع الآخرين لهذا، يعد ضروريا للعيش داخل المجتمع لكونه يهيكل ويسهل العلاقات ما بين الأشخاص.

إنه علم يضع في المكان المناسب كل ما نحن مقبلين على قوله أو فعله.

لهذا، على وزارة التربية والتعليم أن تعي بخطورة الوضع وأن تتأهب بكل ما تملك من قدرات وإمكانيات لكي يكون بوسعها المساهمة بنسبة أكبر إلى جانب الجمعيات المدنية ووسائل الاعلام في إحداث ذلك التغيير. إن التربية وكما هو معروف هي ذلك المجهود المتواصل الذي يبذله المربي من أجل ترويض سلوك الإنسان منذ صغره التي ما كان يستطيع الوصول إليها لو ترك وشأنه. ومن أسمى أهدافها الإنضباط الأخلاقي، وهذا هو المطلوب من وزارة التربية والتعليم التي أنشأتها الدولة من أجله كما هو الحال بالنسبة إلى التعليم، وللحديث عن هذا الأخير سأقتصر على المستوى الجامعي الذي ينبغي على الوزارة أن تنظر إليه من الزاوية التي تبين لها حاجة البلاد من العلماء والفنيين والتقنيين الذين تحتاجهم في تنفيذ خططها التنموية. صحيح أن أبواب التعليم العالي مفتوحة أمام كل المتفوقين من أبناء الشعب ذوي الكفاءات، لكن من بين هؤلاء الطلاب هناك من لا رغبة له في الدراسة النظرية وهو يدرس لكي ينجح في الامتحان فقط هروبا من البطالة والواقع المعاش لكن في المقابل بإمكانه أن يفيد البلد أكثر مما نتصور لو وجد من يوجهه في الوقت المناسب إلى التعليم المهني أو الفني أو الرياضي على سبيل المثال. لهذا، يتحتم على الوزارة أن تجد الحل المناسب لمشكلة العدد الكبير من الطلبة الوافدين على الكليات، كأن تفرق بين التعليم الثانوي والتعليم الجامعي بمرحلة مهمة جدا في تغيير العقلية المتخلفة وهي التجنيد يقضي فيها الطلبة عدد من الأسابيع يتعلمون خلالها الاعتماد على النفس، الانضباط، حب الوطن والتدريب على كيفية الدفاع عنه….ثم بعد هذه المرحلة مباشرة يكون بإمكان الطالب اختيار التخصص الذي يناسب ميوله حيث سيجد أبوابا عديدة مفتوحة أمامه، كالاستمرار في الحياة العسكرية أو ولوج معاهد التكوين المهني أو متابعة الدراسة على مستوى الجامعة أو على مستوى المعاهد.

هذا هو إذن الطريق الصحيح لإصلاح التعليم، وعلى ما يبدو أن الحكومة تحاول القيام الآن بما قامت به الدول المتقدمة سابقا مستفيدة من تجاربهم وخبرتهم خصوصا بأن يصبح التعليم المهني العمود الفقري لنظامها التعليمي.

إن هذا النهج يتطلب تركيز النظر على اختلاف مناهج المدارس المهنية وبرامجها ووسائل عملها كما يتطلب كذلك العلاقة المتينة التي ينبغي أن تكون بين التعليم العام والتعليم المهني حتى يتأتى لهذه المدارس تزويد البلد بحاجياته من العمال المهرة والتقنيين المتمرسين وفق متطلبات خطتها الاقتصادية ومشاريعها الكبرى، فعلى الحكومة أن تختار الوسيلة الأنسب بغية تحقيق الغاية الأسمى للمواطن المغربي التي هي أن يصبح بن بلد متقدم، كما عليها أن تجعل من الأماني حقائق واقعة لا أحلاما وخيالات. إن الاستفادة من تجارب الآخرين مفيدة جدا، لكن ينبغي ألا تكون تقليدا أعمى وتبني كامل لأساليبهم وخططهم متجاهلين قدراتنا وإمكانياتنا، وهذا ما يتطلب ربط التعليم المهني والتعليم العام بمختلف مستوياته بعلاقة تنبني بالخصوص على عمل الموجهين التربويين والمهنيين الذين من مهامهم الكشف عن قدرات التلاميذ ومواهبهم وميولهم ودفعهم إلى الدراسات الأنسب لهم، وذلك باختبارات توجيهية وليس بتوزيع المطبوع على التلاميذ من أجل ملئ الخانات. ولم يكن بإمكان التكوين المهني بالدول المتقدمة تحقيق التقدم لولا نظرة حكومات هذه الأخيرة إلى توفير الأدوات والوسائل وإلى تحسين وضعية الساهرين على المتدربين.

إن إرتقاء بلدنا مقرون بقيمة الأعمال المشيدة فيه، وهذا ما يتطلب النهوض بالفلاحة وبالصناعة كذلك والدفع بهما إلى الإزدهار مما سيصطحب معه إزدهار التجارة. كل هذا سينعكس على السياحة التي تعتبرها الحكومة من الأولويات بينما هي آخر ما يجب التفكير فيه، لأنه من الأفضل لنا ألا يدخل الأجنبي بيتنا ونحن في صدد إصلاحه وترتيبه، ومن اللازم علينا التضحية بالغالي والنفيس من أجل إنهاء أوراش الإصلاح في أسرع وقت ممكن لأن الصورة التي سيظهر عليها بلدنا بعد ذلك ستكون مذهلة ويكفي أن يزور بلدنا أجنبي واحد حتى تجد الأجانب كلهم ظيوفنا.

إن أسرتنا الكبيرة التي هي دولة المغرب تعتبر نموذجا لفهم الحرية والأمان ومثالا للتعايش والسلام، فمن الخطر أن يدير شؤونها العرافون من رجال السياسة كيفما كانت مراتبهم على أساس استفادتهم من التجربة والخبرة خلال الحكم. ويشهد التاريخ بأن أفضل الحكومات هي التي قامت في عهد وزراء وبرلمانيين ورؤساء مصالح ومفوضين واثقين من أنفسهم، يشعرون بالمسؤولية ولا يحولون أثاث البيت الكبير إلى غرفهم الخاصة، الذين يشعرون بأن كل إساءة اتجاه المواطنين تزيد في تحالفهم وتوحيد أهدافهم.

وكيفما كانت الظروف، فالمغربي الأصيل لا يفكر في تحقيق مطالبه بطريقة تميل إلى العنف أو عن طريق الثورة لأنه بكل وضوح يرى أنها تهور وطيش، قد تحقق بعض الفوائد لكنها تشيع الاضطراب وتشعل فتيل الفوضى وتحسس بعدم الأمن ومثل هذا المواطن يعرف واجبه المتمثل في طاعة القوانين والعمل داخل إطارها حتى لو كانت جائرة ما دامت الحكومة لا تمنع الناس من حرية التعبير والاحتجاج للوصول إلى تحسين الأوضاع بالوسائل السلمية، لكن علينا ألا ننسى بأن الإنسان من طبيعته أنه لا يلبث زمنا طويلا على احترامه للقوانين التي تكبت رغبته في التعبير عن شعوره نحو الوقائع. وفيما يخص حب الوطن فهو لا يتفاوت مقداره كثيرا بين المواطنين، فكلنا على ما أظن تقشعر أجسامنا عند سماع النشيد الوطني وهو يعزف ورؤية العلم الوطني وهو يرفرف عاليا، وكلنا نتألم عندما يصاب وطننا بمكروه، كما أننا نشعر كلنا بسعادة عارمة عندما يفوز المنتخب الوطني أو عداء أو لاعب تينس… يبقى التفاوت الحاصل، في الخدمة التي يسديها الواحد إلى وطنه.

فيا من يتكلم الترفيت ويا من يتكلم العربية ويا من يتكلم التمزيغت ويا من يتكلم الحسانية ويا من يتكلم التشلحيت ، إنكم تمثلون قبائل متحدة فيما بينها كالبنيان المرصوص. ولعل أن الذي فكر في رسم العلم الوطني كان صائبا في فكرته لما جسدها في لوحة استخدم فيها اللون الأخضر وهو لون السلم رسم به خمسة أضلاع ترمز للقبائل الخمسة فشكل بهم نجمة خماسية وضعها بالتحديد فوق محيط اختارله اللون الأحمر وهو لون الدم قاصدا بذلك أن محاولة تفكيك النجمة سيفقد الأضلاع الخمسة توازنها مما سيجعلها تغرق في الدماء. وهذا ما لا يرضاه أحد من المغاربة لا أبناء مازغ الثلاثة ولا العرب ولا الصحراويون الذين إذا ركزوا كلهم النظر جيدا على صورة وطنهم سيجدونه يخفي فيها وراء ابتسامته أحزان وآلام يعود سببها بالدرجة الأولى إلى مقاومته للمستعمر الغاشم التي بذل خلالها جهدا كبيرا إضافة إلى عدم اعتنائه بالجروح التي أصابت جسده بسبب طعنات سيف العدو. وهذا ما يفسر حالة الإرهاق التي يعيشها الآن.

 

وإذا كنا نعيش تحت سقفه في حرية وأمان برعاية ملك يلعب دور الأب فإن حياتنا لم تستقر بعد بسبب الخوف الذي زرعته في نفوسنا زوجة الأب. ومن منا لا يعرف أساليبها الشيطانية التي لا تترك الفرصة للوالد من أجل معاينة شؤون أولاده ومعرفة حقيقة ما يعيشونه مستخدمة نفس الأساليب في اكتساب ثقته رغم التجويع والتخويف والتعذيب الذي تمارسه على فلذات كبده.

إننا نحن أبناء المغرب لا زلنا نبحث عن الأم المسماة وطنية التي غابت عنا بعد انتهاء المقاومة مباشرة فهناك من قال أنها ماتت وهناك من يقول أنها مختبئة في مكان آمن لكونها لا تقوى على رؤية ضرة لها تحتم وجودها داخل البيت بعدما عجزت هي عن القيام بواجبها بسبب المرض، غير أن غيابها عن البيت أصاب الأبناء بالتوتر فضاق عليهم المكان رغم شساعته وانبساطه وصاروا لا يدركون ماذا يفعلون.

فهل ستسمع أمنا وطنية نداءنا وتعود إلى بيت الأسرة من أجل تحقيق الإرتقاء الذي ننشده نحن أبناؤها أم أنها ستترك أمرنا لدخيلة أفقدتنا هويتنا بكل ما تتضمنه من لغة واعتقاد وخصائص ومفاهيم؟

À propos Responsable de publication