Accueil / Non classé / السيد أودرار وإشكالية الرشوة في المغرب من خلال برنامج نقط على الحروف

السيد أودرار وإشكالية الرشوة في المغرب من خلال برنامج نقط على الحروف

 

Auteur: د.حبيب عنون

بالرغم من كون محاولة إبراز إشكالية تفشي ظاهرة الرشوة في المغرب فقد تم التطرق لها ، حسب معلوماتي المتواضعة، مرتين هذه السنة على قناة 2م المغربية من خلال برنامج مباشرة معكم و من خلال برنامج نقط على الحروف، إلا أنه ما أراق لي هو الظرفية المتميزة التي تمت برمجتها فيه. وهذه الظرفية هي التي أعطتها أهمية بالغة من حيث العرض.

ظرفية تميزت بكون هذه الظاهرة وغيرها كانت من بين ما طالب الشارع المغربي بمحوه. ثانيا، تمكين المواطن المغربي من الإطلاع على حصيلة هيأة أسست للوقاية من هذه الآفة، بالرغم من كون مصطلح الوقاية لا قوة ولا سلطة توحى من مضمونه. ثالثا، وهذا هو الأهم أن هذا الحوار يأتي في مناخ جد مواتي وحاسم، أي ظرفية ما قبل مسلسل الانتخابات وما يسبقها من حملات انتخابية التي سيشدها المغرب طيلة الأربع أو الخمسة أشهر المقبلة.

وتشابكت الآراء، منذ البداية، بين رئيس اترانسبرنسي-المغرب ورئيس هيأة الوقاية من الرشوة حول مفهومي مصطلحي الرشوة والفساد واتضح للمتتبع أن صراعا ما وعدم التكامل والتضامن (…) قائم فعليا بين هاتين الهيئتين. وبهذا الصدد، يمكنني القول بأن ذوي الاختصاص اللغوي بإمكانهم المساهمة في حل هذه الإشكالية اللغوية إذا كانت بالفعل تشكل إشكالية بالنسبة للبعض. أما من منظوري المتواضع، فيمكنني أن أجزم بسلبية كلتا الآفتين على المواطن (اجتماعيا) وعلى الوطن (اقتصاديا). كما أنني أرى أن العلاقة قائمة بينهما relation de causalité ou de cause à effet)) ذلك أن الرشوة هي تعطيل وإفساد للسير القانوني لأية مبادرة وبالتالي فهي ركن من أركان الفساد ليكون هذا الأخير ذا مضمون أوسع تندرج ضمنه الرشوة. أوسع لكون الفساد يكتسي عدة أوجه قد يكون اقتصاديا أو مجتمعيا أو دينيا أو سياسيا أو أخلاقيا أو حتى ثقافية أولغويا.

فمن الناحية الاقتصادية وخصوصا الاقتصاد الليبرالي، فالرشوة هي من بين عراقيل السير الطبيعي لآليات السوق، أي العرض والطلب، في تحديد التوازن الحقيقي لمختلف الأسواق (سوق السلع وسوق العمل وسوق المال). إلا أن اختزال إشكالية الرشوة في مجال الصفقات العمومية من طرف الصحافي المتخصص في الشؤون الاقتصادية فقد كان بمثابة تقزيم للمجال الاقتصادي المتشعب الزوايا. كما أنه كان عليه أن يتساءل عن حجم الانعكاسات أو الخسائر المالية التي يعاني منها الاقتصاد المغربي من جراء استفحال هذه الآفة. كان للحوار أن يكتسي صبغة أهم لو تساءل الصحافي عن أسباب احتكار ثلة من المقاولات على قطاع بأكمله في وقت نشدد فيه على الطابع الليبرالي للاقتصاد الوطني. فالليبرالية ليس فيها احتكار بل منافسة خدمة لمجموع المقاولات المتنافسة وخدمة للقدرة الشرائية للمواطن. كما أنه كان بإمكانه الحديث عن الرشوة في سوق العمل وسوق المال ليبرز أولا أن الرشوة لا تهم فقط القطاعات العمومية ولكن حتى القطاعات الخاصة وبالتالي فهي تهم المجال الاقتصادي في شموليته وتعطل ميكانيزمات اشتغال الليبرالية الاقتصادية.

أما من الناحية الاجتماعية، فتقديم نسبة 60 في المائة من المواطنين الذين سبق لهم وأن قدموا رشوة مقابل الحصول على خدمة معينة فهذه النسبة لا يمكن استخلاص أي معنى منها لكوننا لا يمكننا معرفة هل الرشوة كانت طوعا أو كرها. ولكني أعتقد أنه لا أحد من المواطنين يرغب في إعطاء و لا درهم واحد طواعية باستثناء الصدقة (وحتى الصدقة نجد أن دافعها هو الحصول على الحسنات) وبالتالي فالرشوة ليست فيها طوعا أو كرها بل هي دائما تعطى كرها أو طمعا وهذا بالنسبة إلي « إكراه مستقبلي مقنع ». كما أنه لم يكن من اللائق أن يتهم رئيس المصلحة التي تم استجوابه أن ينعت المواطن المغربي بكونه بات يتوجه إلى الإدارة وهو مهيأ مسبقا، وكأنها أصبحت عادة، لتقديم الرشوة. إن هذا التصريح إنما هو إهانة للمواطن المغربي ومس في كرامته، لأن السؤال الموضوعي الذي وجب أن يطرح هو كيف استطاعت الإدارة المغربية أو بعضها وبالأخص معظم موظفيها، مع بعض الاستثناءات، أن تزرع في عقلية المواطن هذا المعتقد المنبوذ ؟ كما أننا ماذا كنا ننتظر من مساءلة ممرض في وزارة الصحة ؟ في وقت صرح فيه المجلس الأعلى للحسابات بمدى سريان الرشوة في هذا القطاع وقطاعات أخرى كالتجهيز والنقل والمالية والقضاء وحتى التعليم…

وبخصوص بدء إصابة قطاع التعليم بهذه الآفة، فقد صرح السيد أودرار أنه تمت برمجة يوم دراسي وطني فى 11 يوليوز حول هذا الموضوع قصد دراسة السبل، مع ذوي النيات الحسنة، الكفيلة لاستئصاله ما دام في بدايته كما عبر عن ذلك رئيس الهيأة. إنها خطوة محمودة، إلا أنني أعتقد أن محاربة هذه الظاهرة هي أكبر من مدونة السير التي أخذت تقريبا سنة من الإشهار التلفزي والإذاعي ولا زالت. فمن الضروري إذا أن لا تقتصر، ولست في موقع اتخاذ القرار، احتراما للسيد أودرار، على القيام بندوات أو أيام دراسية متفرقة، بل وجب أن تكون حملة دائمة باللجوء إلى كافة وسائل التواصل وبتعميم فرعيات وانتداب مراسلين للهيأة عبر كل جهات المملكة لضمان نجاعة عمل الهيأة وإنجاحه. أقول هذا، لكونكم صرحتم شخصيا خلال البرنامج أنه طيلة سنة لم تتوصل الهيأة إلا ب 60 شكاية وأغلبها خارج اختصاص الهيأة. فلا هيأة ترانسبرانسي – المغرب ولا هيأة الوقاية من الرشوة يمكنهما أن توقفا زحف هذه الظاهرة لكونهما هيئتين استشارتين فقط، إذ كيف لهما أن يحققا ما تم إعجاز المجلس الأعلى للحسابات على تنفيذه. إن المسألة مسألة تشريعية محضة وبالتالي فهي ذات علاقة مباشرة ب »سلطة » الأحزاب. وكما جاء في تصريح بعض المتدخلين، فإذا كانت السلطة التشريعية هي البرلمان وإذا كان انتخاب أعضاءه يتسم بالارتشاء ويسمم ويشوه صورة المشهد السياسي المغربي داخليا وخارجيا، فهل بإمكان هذا المنتخب – المشرع أن، لا فقط أن يسن قوانين زجرية واضحة لتجنب الثغرات التي أشار إليها مدير اترانسبرنسي-المغرب، بل وحتى السهر والحزم في تنفيذها ؟ لا اعتقد ذلك لكونه لا يمكنه أن يكبل يديه بيديه.

فها هو المغرب سيعيش محطات انتخابية متتالية، وهذا ما جعلني أشير منذ البداية إلى أهمية تناول هذا الموضوع (لراهنيته) من طرف برنامج نقط على الحروف، إذ ستبرز هذه المحطات الانتخابية مدى استعداد المشهد السياسي والمواطن عن الاستغناء (سواء بعدم التزكية من طرف الأحزاب أو بعدم التصويت من طرف المواطنين) على من ليس فقط تبت في حقه عدم احترام المسؤولية بل حتى من كان موضوع شبهة (فليذهب حتى يزيل الشبهة عنه وسيجد الشعب في انتظاره). وهذا المنحى هو من سيرهن وسيضمن جزئيا ومرحليا تصالح الناخب مع صناديق الاقتراع خصوصا في الانتخابات التشريعية والجهوية. كل أملنا يكمن في مرحلة ما بعد الدستور، فرهان استقرار البلاد والسلم الاجتماعي والنمو الاقتصادي للمغرب رهين بضمان انضباط فعاليات المشهد السياسي وفق التوجيهات الواضحة والصريحة لضامن وحدة البلاد وحزم الإدارة الوصية والقضاء على تفعيل هذا الانضباط.

مما لا ريب فيه أن عقلية وردة فعل المواطن المغربي لم تعد كالسابق بفعل عدة تغيرات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية داخلية وخارجية بدأت توحي ببروز فجر مغرب بات ملزما بتفعيل، على أرض الواقع، مبدأ دولة سيادة الحق والقانون. فمسألة نجاح الاستفتاء حول الدستور الجديد هي مسألة مضمونة لكونها جاءت في سياق موضوعي ذلك أن الشارع التمس من ضامن الوحدة التغيير فكانت الاستجابة بدستور جديد شهدت له جل الفعاليات المغربية والأجنبية بجديته وجرأته بل أكثر من هذا أن جديته قد باتت تحرج الكثير من الدول(…) . أما مسألة نجاح (من حيث نسبة المشاركة) الانتخابات التشريعية والجهوية فهذا من شأن فعاليات المشهد السياسي وقبولها وقدرتها على إبراز مؤهلات أو نخب تشكل قطيعة مع النخب الانتهازية لتؤهلها لتحمل المسؤولية في مراكز اتخاذ القرار سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي أو الوطني وبهذا قد يشهد المشهد السياسي تصالحا بين الناخب وصناديق الاقتراع. وسيحض آنذاك المغرب بمجلس تشريعي له الجرأة في تشريع قوانين واضحة لا ثغرات فيها وبمجلس غير محتمي بالحصانة لتسهل المتابعة والمحاسبة وحينها ستتمكن الهيأة التي يرأسها السيد أودرار من تمرير مقترحاتها لتدارسها من طرف مجلس تشريعي نزيه لدراسة إمكانية عرضها كقوانين. آنذاك ستكتسب الهيأة هيبتها وسيكتسي عملها الاستشاري فعالية أكبر.

À propos Responsable de publication