Accueil / Non classé / الأمن السوسيوتنموي أولا

الأمن السوسيوتنموي أولا

 

Auteur: عبد الله أبو أياد العلوي

عبد الله أبو أياد العلوي أستاذ بالمعهد الملكي لتكوين الأطر الرباط

الأمن السوسيوتنموي أولا

من خلال الرصد المتواصل للسلوك الإجرامي عبر التقارير الأمنية والقضائية والسجنية والحقوقية، والتقارير الإعلامية، يتبين مدى اتساع هذا السلوك كما ونوعا داخل الحياة المعاصرة، وداخل كافة الأوساط والفئات الاجتماعية والعمرية، المتعلمة والأمية، والفقيرة والثرية، السياسية والمدنية، القروية والحضرية، داخل الأسواق وفي الإدارة والشارع، وفي البورصة والجماعة المحلية، وداخل المدارس وفي جوانبها ، وحتى في المساجد والأضرحة والمقابر. إلا أن مظاهره وخلفياته قد تختلف في حيثياتها من صنف لآخر، بل ومن شخص لآخر داخل نفس الصنف من السلوك الإجرامي.

وقد نتابع بشكل جدي الجهود المبذولة على المستوى الوقائي، والكشفي لأجهزة الأمن الوطني والدرك الملكي لمنع هذه السلوكيات الإجرامية أو الكشف عنها وتفكيك آلياتها التنظيمية والمادية. وهي جهود متميزة تتجلى أمثلتها في ذلك التقرير الإحصائي الذي يتعلق بالجهود الأمنية في مكافحة المخدرات والانحراف، وحماية تلاميذ المدارس التي تبذله الفرق الأمنية لحماية المؤسسات التعليمية، وهو مجهود يجب التنويه به والحرص على تقييمه بشكل علمي ودعمه على المستوى اللوجستيكي والقانوني والتربوي. وهو عمل يجب النهوض به على أساس شراكة تربوية أمنية بين ممثلي السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية في العمالة أو الإقليم، وممثلي الإدارة الأمنية والمجتمع المدني، ممثلا في جمعيات آباء وأولياء التلاميذ. هذا الكيان الجمعوي الذي يجب إعادة النظر في بنائه القانوني، وفي أهدافه واختصاصاته وأدواره، وفق إطار تنظيمي خاص يستطيع تحقيق التواصل بين الأسرة والمدرسة والمحيط بما يؤمن مصالح التلميذ.

لكن السلوك الإجرامي لا يمكن محاصرته من خلال هذا الجهد الأمني، في حين أن عوامل تصنيعه وتطويره تتزايد وتتقوى بشكل متواصل وسريع داخل المجتمع. فالأمن بكل أجهزته ليس بالشماعة التي يمكن أن نعلق عليها فشلنا في الوصول إلى العمق الحقيقي لعوامل السلوك الإجرامي من خلال المعرفة الدقيقة لشخصية صاحب هذا السلوك، الذي تعتبر الأفعال أو الامتناعات التي يتابع بها مجرد تصرفات خارجية يعاقب عليها القانون، لكنها ليست هي حقيقة السلوكيات التي يعانيها صاحبها قبل غيره وخاصة ضحاياه. وهذا يدعو إلى مراجعة الاتجاهات القائلة بذلك الحكم الحائر الذي يقول بمحاصرة السلوك الإجرامي في مناطق وأحياء، بأنها مدارس متخصص في أنواع من الجرائم يتخرج منها متخصصون في السرقة والنشل وترويج المخدرات والمحتالون ووسطاء الدعارة، فهو اتجاه يجانب الصواب، خاصة إذا تم التساؤل عن التصرفات الإجرامية التي تمارس داخل الإدارات الممثلة في التلاعب في الصفقات العمومية والزبونية في التوظيف، والتلاعب بالممتلكات العمومية، واستغلال النفوذ، وبيع تزكيات الترشيح للانتخابات والاتجار بهموم الناس داخل العديد من التنظيمات الحزبية والتواطؤ في الترقيات والانتقالات والمجالس التأديبية داخل الكثير من التنظيمات النقابية، وشراء أصوات الناخبين من قبل المرشحين واتساع سلوكيات الرشوة. وهي أمور كثيرة ومتنوعة في قضاياها وفي أشخاصها، وقد تبدو لنا بين الفينة والأخرى عبر التقارير الإعلامية، مثل التقرير المتعلق بعمل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مع عمدة إحدى المدن المغربية بشان الفساد الإداري والمالي، والتقرير المتعلق بتلاعب المسئولين في بقع أرضية. فهؤلاء المتلاعبون بالأموال العامة وبمصالح الوطن والمواطنين، داخل الإدارات وفي الأحزاب والنقابات والجمعيات داخل المؤسسات الإنتاجية وغيرها، اللذين يتبوأ أصحابها مراكز هامة ويتمتعون بوجاهة وحماية متميزة داخل الأوساط الوطنية والمحلية والدولية ليسوا من تلك التجمعات السكنية التي تعاني من انعدام أو ضعف الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية والتنموية، بالإضافة إلى ضعف الدخل أو انعدامه. فداخل الأوساط الثرية الكثير من السلوكيات الإجرامية المتمثلة في تصرفات نهب المال العام وزنى المحارم والشذوذ الجنسي، وتعاطي المخدرات والرشوة واستغلال النفوذ، وهي تصرفات إجرامية مركبة. قد نجد كذلك داخل المستشفيات العامة والخاصة وفي المؤسسات التعليمية وفي تصرفات الموظفين الذين يرفضون استقبال المواطنين ويغادرون مقرات العمل قبل حلول موعد انتهائه. فهؤلاء ليست لهم علاقة بالفقر ولا ينحدرون من الأوساط المهمشة، لكن تصرفاتهم الإجرامية كثيرا ما يتستر عليها لأنهم من فئة الوجهاء وأصحاب النفوذ الذين لا يأبه بجرائمهم إلا عندما تتضارب مصالحهم من مصالح الأشخاص أو الفئات الأقوى منهم نفوذا، فهؤلاء لا ينتمون إلى ما يسمى بالنقط السوداء، رغم أن تلك النقط قد تكون في الغالب منتوجا خالصا لتصرفاتهم الإجرامية، والتي تؤرق جهود وبرامج أجهزة الأمن التي ليس إمامها سوى التدخل الوقائي أو العلاجي المحاصر لأي تصرف إجرامي، بغض النظر عن دوافعه ومسبباته التي ليس من اختصاصها البحث بشأنه.

وحسب الدراسات الميدانية المتخصصة يتبين أننا في حاجة إلى وقفة نقدية لذواتنا كباحثين ومسئولين سياسيين ومربيين ومنتجين، تساعدنا على وضع توجهات مستقبلية لإعادة تأسيس المواطنة داخل هذا الزمن الجديد، لنتمكن من اكتشاف أهمية العدالة بكل أبعادها والتوازن بين الحقوق والالتزامات وحميمية الانتماء. في ظل ظروف صعبة وقاسية يؤطرها عولمة تنحوا إلى تنميط الحياة واختزال السياسة وتمركزها بيد الأقوياء تكنولوجيا وماليا وعسكريا.

أمام ردود أفعال على العولمة تتسم بالتحايل على العيش، والتقوقع في هويات صغرى، عرقية أو ثقافية، غالبا ما تكون مدمرة للذات، إلا أن ذلك لا يعفي من المسؤولية إزاء اتساع دائرة السلوك الإجرامي الذي يعتبر تحديا حقيقيا يتطلب تضامنا وطنيا بين كل الفعاليات العلمية والسياسية والتربوية والاجتماعية والدينية والإعلامية، فالتصرف الإجرامي حسب القراءة المتأنية لمحتوياته، هو تعبير عن انخفاض إحساس صاحبه بانتمائه للجماعة الإنسانية، وانعدام ثقته بقيمها ومعاييرها الاجتماعية، واضمحلال أمله في حياة أفضل، جراء اضطراب في الصحة النفسية بكل أبعادها الروحية والجسدية والاجتماعية والمادية والبيئية.

إن الدعوة إلى تقييم تجربتنا مقارنة بتجارب المجتمعات الأخرى في مسيرة تدبير الظاهرة الإنسانية، وخاصة بما يتعلق بالهوية والانتماء والمواطنة، لنبرز مكامن القوة والضعف في هذا المضمار، ونبين عقم النظرة الأحادية للديمقراطية وما تعانيه من تعتيم من لدن الوجهاء وأصحاب النفوذ المالي والاقتصادي الذين يحاصرون الديمقراطية في الشق الليبرالي الوظيفي، حيث يستثمرونها في استتباب نفوذهم وتضخيم ثرواتهم الخاصة، ومع الحرص على توظيف المال والنفوذ والمصالح والامتيازات في استقطاب المعارضين، واحتوائهم وصدهم عن الكفاح في سبيل النهوض بالإنسان على قيم العدالة بكل مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، على قاعدة المواطنة المستقلة في الرأي والنقد والمحاسبة، والتحرر من مركزية القرار وإلهام القائد وحكمته وعصمته، وتعلق الجماهير بأهدابه. فإن الحديث عن السلوك الإجرامي بشئ من العمق يتطلب منا القيام بإعادة اكتشاف الديمقراطية من خلال اكتشاف شخصية صاحب السلوك الإجرامي عبر الوقوف على مفهوم المواطن، عبر العديد من الأبعاد منها البعد الإنساني، فصاحب السلوك الإجرامي كمواطن ليس فردا فحسب، وليس رقما أو عمرا محددا أو مهنة معينة، إنه إنسان قد يحيلنا المفهوم الحقوقي بشأنه إلى مفهوم حقوق الإنسان، وهو مفهوم قابل دائما للتجريد والتعميم والتطوير كلما ظهرت عقبة في وجه المساواة والعدالة داخل قطر من أقطار المجتمع الإنساني، وهو بحاجة إلى القراءة بخلفية تربوية وثقافية تقوم على التسامح وتقبل الآخر، والتعامل مع الناس بذهنية أخوة المواطنة وأخوة الإنسانية، وهي قيم لا يمنحها الحاكم للمحكومين مثل منحة العفو، بل هي الإطار الأخلاقي الموجه للمشروع المتماسك، والناجع والمعتمد على مناهج وبرامج التربية والتنشئة الاجتماعية، الوطنية والإنسانية، التي تفترض استيعاب المناهج النقدية في الدراسات الإنسانية المقاومة للعدوان والعنصرية والتمييز بكل صنوفه، والامتثال للتمثلات اللاعقلانية.

والسؤال هنا هل صحيح أن رسم الخرائط الراصدة للسلوك الإجرامي، وتكثير لمراكز الأمن والتشدد الأمني داخل ما يسمى بنقط السوداء، وتقوية البعد الردعي لقوانيننا الجزائية، وتجديد الأمن داخل السجون والإصلاحيات من شأنه أن يصاحب السلوك الإجرامي لدى أولائك المهملين داخل نقط السوداء، ويوقف عدوانيته المتسلطة داخل المتسلطين في الجماعات المحلية والكثير من أجهزة الدولة وداخل النقابات والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام وفي المجالات الطبية والعلمية والاقتصادية؟ لا يعتقد منا أحد القول إلى هذا الغرض اعتمادا على الأمن لوحده، في ظل تجربة تاريخية تأطرت بتعاليم الليبرالية الاقتصادية المبيحة لكل أنواع التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى خلل خطير في فكرة المواطنة التي تتطلب أولا وقبل كل شيء حق المساواة والعدالة بأبعاد إنسانية تستطيع تأمين تكامل المكونات التنموية بشكل صحيح يركز على تقوية الذات المواطنة لدى الفرد على المستوى الحقوقي والسياسي، وتمكينه لتمثله لشخصيته كمسئول في تدبير الحياة السياسية والمشاركة في تنمية المجتمع، بحس نقدي متزايد ينشد البحث عن الحقيقة والقدرة على الاختيار وتنشئته، وفق مناهج وبرامج تربوية وتعليمية وسياسية واقتصادية تتخذ كمعايير في تقييم مستوى تقدم المجتمع، وتحصر أفراده. لقد شكلت هذه الأمور لدى المجتمعات أخرى رافعات أساسية لمقاومة السلوك الإجرامي، وصياغة شروط الأمن بناء على الوعي المتجدد بأهمية المواطن كإنسان فاعل في السياسة والثقافة والتنمية.

وبصفة عامة يصعب علينا التطرق بالبحث والعلاج لأي سلوك مضطرب لدى الإنسان بعيدا عن إدراكنا لماهية الإنسان في إطار ظواهر الأنس والمؤانسة، أو ما يسمى بظاهرة الوجود الإنساني في حضرة ومعرفة الآخرين وأحضانهم. كما أن دراسة الفرد لا يمكن أن تتم إلا في حضرة الآخرين، في إقباله وإعراضه عنهم، فهم دائما مرآة وجوده، فالفرد لديه صراع أبدي حتى الموت مع الآخرين، يستهدف اعترافهم به، فوجود الإنسان لا يتحقق فعلا إلا من خلال حضوره المحترم، وهذا يجب علينا أن نتعامل مع المسألة الإجرامية كظاهرة نفسية وليست بيولوجية، ظاهرة إنسانية وليست حيوانية، محتكمين لقانون الانتقال من الكم إلى الكيف، ذلك الان الإنسان يختلف اختلافا كيفيا عن جميع الكائنات الحية، وهذا يتجسد بشكل علمي في ميلاد القشرة المخية والوظائف العقلية للفرد أو ما يسمى بالنشاط الرمزي المتمثل في التفكير واللغة والعمل والإنتاج، ليتسم بالفعالية والمبادرة والرغبة والتطوير والتقدم، وإعادة بناء العالم اعتمادا على العقل، فهذا يدفع للدعوة إلى المزيد من البحث العلمي والتناظر التربوي والأمني والسوسيوتنموي بمقاربات علمية تخصصية تركز على كينونة الإنسان في وحدته وبنيانه الكلي، وفي فعالياته وإيجابياته، وسعيه المتواصل إلى تدبير حياة إسهام في بناء العالم، وإعادة بنائه.

إننا أمام إنسان له كليته وبنيته وماهيته، وله وجوده الكيفي المميز ووجوده الفعال في هذا العالم في صحبة الغير من بني جلدته، وهو حضور يحفظ بالعقل والعمل وبالاختيار الحر والاعتماد المتبادل مع غيره. فحسب التجارب المتعددة للمشتغلين بالعلاج النفسي، يتبين بأنه قد يكون في إمكان المرء محاصرة شهواته والتحكم في ملذاته الجنسية مثلا، لكن من العسير عليه كبح جماح نزعة الانتقام والثأر، فقد ينسى الفرد المحبة كما قد ينسى الكراهية لكن أغرب ما تعانيه الأحوال السيكولوجية للعديد من أصحاب السلوكيات الإجرامية، تلك الاتجاهات السلبية الممتدة من حول صاحب هذا السلوك، نحو من حوله من أقرب الناس إليه، بل وغالبا ما يمتد ذلك الاتجاه السلبي بشكل مأساوي إلى الذات، والتي قد يدفع بها عن نفسه بتوجيهها إلى الغير، وفي حال عدم قدرته على تحقيق الانتقام من الغير يرتد إليه عدوانه، فيتخذ من نفسه هدفا للموت بمختلف مظاهره العامة الفورية المتمثلة في حالات الانتحار، والجزئية البطيئة المتجلية في الانتحار البطيء مثلا حالات الإدمان، والانسحاب والتشرد، والاستسلام للفشل، والتطبيع مع التخلف، والفساد والظلم والرشوة، وهو إجرام مرتد إلى الذات، وهو من أكثر المصطلحات ترديدا في دوائر العلاج السيكولوجي، حيث نجد في تلويث البيئة وتخريب الطريق العام والشغب في الملاعب، وإتلاف الإنارة العمومية، ومظهر من مظاهر الرغبة في الانتحار الجماعي، فارتداد السلوك الإجرامي إلى الذات هو المظهر الآخر للفشل المهيمن على المشروع الإنساني.

وعليه فالسلوك الإجرامي ليس غريزة كما يحلو للبعض وصفه، وليس من تحريك قوى سحرية شيطانية تتطلب المطاردة، بل هو عنوان فشل المقاربة المعتمدة في النهوض بالإنسان، وهو فشل لا علاج له إلا بالتوفيق والإنجاح وتجاوز كل عوامل الفشل. فالتعامل مع السلوك الإجرامي بشكل صحيح علميا وعمليا يحتاج بالأساس لدراسة مقومات الفشل في عرقلة تحقيق وجود المرء بما هو كائن بشري وذلك بالبحث أولا في طبيعة تلك العوائق المحاصرة للعقل والتفكير، والمعترضة لطريق العمل والوجود معا والحضور في أحضان الآخرين على قاعدة الاعتماد المتبادل، وفق توازن الحقوق مع الوحدات في ظل المحبة والأمان والتقبل، واحترام التنوع والاختلاف الثقافي والعرقي. فعندما تعتل صحت الفرد النفسية ويظل طريق الحفاظ على الحياة بشكل متوازن فهنا تضمحل القدرة على العمل.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الأحوال النفسية التي يعاني منها أصحاب السلوكيات الإجرامية داخل النقط السوداء عزوف عن النوم، وعزوف عن الطعام، وعزوف عن العمل، وعزوف عن الناس، وتراجع دائم ومستمر عن إعمال العقل وعن الاستعمال الفعال والنشاط الايجابي للعقل، واتسام ذلك بالنظرة السوداوية للأشخاص والأشياء، في ظل حياة يومية يكاد العمل فيها أن ينعدم، ويعرف الإنتاج فيها تراجعا متواصلا، مما يؤكد على تراجع عوامل الحياة واتساع بواعث الموت والكراهية، كما هو وضع العالم الثالث الذي تتلازم داخل أمصاره المجاعات بانخفاض الإنتاجية، والفساد السياسي، والقهر المادي والاجتماعي، وسوء توزيع عائد الإنتاج المنخفض كما وكيفا، مما يدفع إلى سيادة الثراء الفاحش واستقواء الفقر المدقع، فيضمحل الأمل ويتجدر اليأس، ويتعمق الصمت، وتضمحل القيم وتنهار المعايير، حيث لا حساب ولا محاسبة، ويدخل الجميع في حالة عصيان مدني صامت.

لماذا هذا الواقع الذي احدث ويحدث العديد من الأعطاب النفسية، والعجز الشديد في البنيات الذهنية والاجتماعية. إن السلوك الإجرامي مظهر من مظاهر العلل الحقيقية التي تطال بواعثها الباحثين والتربويين والسياسيين والمهنيين، قبل أن تطال أصحاب السلوكيات الإجرامية، يتم التستر عليها بأقنعة هشة وسطحية، تنهل من العقائد السياسية أو الإيديولوجية أو الدينية في مواجهة الخصومات العميقة مع قوى الحياة، وفتح المجال لقوى العنف والدمار واعتماد الآليات الدفاعية للاحتماء من الانهيار التام. ولهذا لا ينفع كثيرا علاج الأعراض دون تشخيص وعلاج الأمراض. فما تلاحقه أجهزة الأمن وما يعرض من إحصائيات على المستوى الشرطي والقضائي والسجني، هو عمل هام لكن ما على الشبكات الأمن التربوي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، الحكومية وغير الحكومية، القيام به في صيانة الإنسان والمجتمع والوطن ضد التخلف بكل مظاهره وعلى رأسها السلوك الإجرامي . إنها شبكات في حاجة إلى إعادة البناء الحقيقي يركز في نظمه وهياكله واختصاصاته وغاياته على الإنسان، وتحصينه ضد اللجوء إلى العنف في حل المشكلات الشخصية أو المجتمعية مهما كانت حدتها، والحرص على بناء الوحدة من خلال تفكير الفرد وأعماله الإنتاجية، والعمل على صياغة قرارات التغيير والإصلاح والتطوير اعتمادا على إدارات سوسيوتنموية عالية الكفاءة، وقابلة لتقييم الأداء.

فلا غرابة من القول بان واقعنا الحالي هو منتوج لأداء إدارات تعاني من الاغتراب وانعدام المواطنة أو ضعفها، جراء ضعف آلياتها التواصلية، وتسلط غير المؤهلين على رؤوس العديد من أهرامها. هذا بالإضافة إلى واجب الرفع من مستوى المعيشة لدى جميع شرائح المجتمع، وفي كافة المناطق دون استثناء، وتطوير البنيات التحتية بكافة أنحاء التراب الوطني القروية والحضرية، بصفتها الحاضن الأساسي لكل تنمية ومولدة للقيم الحضارية النبيلة، واعتماد الإصلاح القروي باعتباره الركيزة الأساسية للتحديث والتنمية المستدامة، وإعطاء الأولوية للأمن الاقتصادي، والاستفادة العلمية والتقنية من الموارد الطبيعية للبلد، بالإضافة إلى الحرص الشديد على تحقيق التوازن بين الأصالة والتحديث، ونشر العدالة التربوية والتعليمية على أوسع نطاق بالتركيز على العلوم العصرية والتقنية والطبيعية والإنسانية، بالإضافة إلى العلوم الشرعية وتوظيفها في صيانة الحياة الشخصية والاجتماعية والمجتمعية، من خلال خدمات عمومية دقيقة، في اختياراتها وبرامجها وتأطيرها وتمويلها وتقييم مردوديتها، مؤسسين تمكننا من مصالحة الفرد مع بيئته واستعادة ثقته بوطنه وأجهزته السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتعليمية التي تحتاج إلى تطهير لما تحمله في ثناياها من مواريث التخلف والتحجر، والتي تحول دون فهمها للإنسان بشكل جيد في تكوينه النفسي والذهني والمعرفي والمهني والاجتماعي، والذي تم تشكيله في ظروف القهر والفقر والتخلف، والتشويه الشديد في علاقته بذاته وبمحيطه وبالآخرين.

في انتظار فتح هذا الملف بشكل جدي نقول لكل العاملين بأجهزة الأمن كان الله في عونكم وشكرا على ما تبدلونه من تضحيات في سبيل الواجب، في غياب عملنا نحن كآباء ومربين وسياسيين وإداريين وعلماء الدين وإعلاميين مؤتمنين على شبكة الأمن في بعده السوسيوتنموي أولا.


À propos Responsable de publication