Accueil / Non classé / الإنسان الأداة و الإنسان الهدف

الإنسان الأداة و الإنسان الهدف

إن قراءة سريعة في المنتوج الثقافي والمادي على مر العصور تبرز لنا حقيقة ثابتة وهي سعي الإنسان نحو تحقيق وإشباع حاجاته. وبالمقابل، كانت الوسائل ومضمون هذه الحاجات تختلف سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات البشرية.

هذا الاختلاف نجم عنه توترات واصطدامات وحروب طاحنة كلفت البشرية خسائر كبيرة في الأرواح والأمراض وسيادة ثقافة العنف والتمييز، وإقصاء الأخر، وعد م الاعتراف به. مما جعل البشرية تضيع طريق التفاهم والتعايش والسلم ونشر المعرفة وتحقيق حاجات المجموعات البشرية بشكل وتصور آخرين. لكن، غداة الحرب العالمية الثانية ومع ثقل حجم الدمار المادي والنفسي الذي خلفته هذه الحرب، وجدت الإنسانية نفسها مجبرة على تصحيح طريقها، فبادرت بإنشاء نواة صلبة لمنظومة من الهيئات والوكالات عهدت إليها بضمان السلم وإعمال التفاهم والتعاون كآليات مهمة لتحقيق حاجات الإنسان والمجموعات البشرية بشكل عام. وسميت هذه النواة بهيئة الأمم المتحدة واعتبرت ضمير الإنسانية الحي. إلا أن مسار هذه الهيئة لم يكن سهلا، وأصبحت مطالبة بمعالجة الإرث الإنساني الطويل والثقيل بمزيد من التمحيص والتدقيق قصد إزالة الشوائب والفيروسات القاتلة والهدامة. لقد تطلب تحقيق وإشباع حاجات الإنسان في أدبيات ومرجعية الأمم المتحدة، إطلاق مئات من اللقاءات والمؤتمرات قصد التدارس والتشاور من أجل بلورة رؤى وخطط عمل تسهم في تحقيق حاجيات البشر. واعتبرت آليات المشاركة والتنسيق والتعاون ركائز عمل مهمة في جل القضايا والملفات التي تمت معالجتها، واعتبرت بحق نقط قوة تحسب لهذه الهيئة. فمادامت حاجات الإنسان متنوعة منها المادية والثقافية والروحية، فقد بادرت منظمة الأمم المتحدة لتشكيل لجن متخصصة تعنى بجميع اهتمامات الإنسان والمجال الذي يتحرك فيه. وعهدت لهذه اللجن دراسة هذه الحاجات والخروج بتوصيات عامة وخاصة ترجمت تارة في شكل إعلانات ذات طابع أخلاقي وفي شكل اتفاقيات دولية ملزمة للأطراف المصادقة عليها، تارة أخرى. وبذلك، تكونت النواة الأولى لما يسمى بالقانون الدولي. فتأسيس هيأة الأمم المتحدة شكل منعطفا مهما في تاريخ البشرية لاعتبارات عدة. إلا أن مسألة العلم والمعرفة تبقى في نظرنا من النقط الحيوية في عمل هذه الهيئة نظرا لأهمية ودور المعرفة في خدمة حاجيات البشر. فالتركيز على الأبحاث والدراسات شكل المادة الأولية لصياغة البرامج وخطط العمل لجميع الوكالات التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وتوفير جميع الظروف والشروط المادية واللوجيستيكية لإنتاج معرفة بناءة تسهم في زيادة الإنتاج وتوسيع خيارات الإنسان.

لقد أدركت هيئة الأمم المتحدة مبكرا أهمية حقوق الإنسان في خدمة الإنسان وتحقيق رفاهيته، فعملت على صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي شكل أرضية لميلاد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذين شكلا بدورهما الأرضية لميلاد حقوق التضامن، نذكر منها: الحق في التنمية، الحق في السلم والحق في البيئة السليمة والمستدامة.

لقد خصص أزيد من نصف قرن من حياة منظومة الأمم المتحدة لدراسة حاجات الإنسان والمجموعات البشرية في حالة السلم وفي حالة الحرب، وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يحيا حياة كريمة تحترم فيها كرامته وإنسانيته. وقد تميز مسار هذا البحت بإكراهات متعددة. إذ كيف يمكن إنتاج معرفة موضوعية مبينة على أسس عقلانية وعلمية في ظل هيمنة تيارين عالميين متنافرين، وجودهما لم يكن ليخدم البحت عن تصورات ومضامين حقوق تستجيب لحاجات هذا الإنسان المتعطش للرفاه والعيش في سلام، والحامل لمجموعة قيم تعاكس مجرى أحلامه ورغباته؟ وبعبارة أخرى كيف يمكن لإنسان محروم من حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أن يحيا حياة يحترم فيها الحد الأدنى من الحياة المادية والمعنوية بشكل عام؟ وفي نفس الوقت تجد هذا الإنسان يحمل تصورات ومفاهيم لا تخدم أهدافه وسلوكه يبعده، أكثر ما يقربه، من تحقيق رغباته.

ومع انهيار جدار برلين، انهارت أشياء كثيرة، وبدا يلوح في الأفق ملامح تصور جديد لعمل منظومة الأمم المتحدة. تصور جديد يدمج مفاهيم و رؤى أكثر شمولا تراعي أبعاد كثيرة، كمقاربة لإنتاج الشروط المفضية لتكريم هدا الإنسان وذلك بتوفير حاجياته المتعددة.

نظرية التنمية البشرية المستدامة كانت بحق أهم نتاج للمخاض السالف ذكره. فهذه النظرية هي نظرية اقتصادية واجتماعية وضعت من طرف العالم الاقتصادي الهندي أمارتا يا سن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، تتمحور حول خدمة الإنسان والتركيز على أهميته عند وضع جميع البرامج والسياسات ودمج المعطى البيئي في جميع المستويات، مع استحضار مصالح الأجيال الحالية والمستقبلية.

كان لهذه النظرية تأثير كبير في رؤى واستراتيجيات عمل مجموع منظومة الأمم المتحدة وكذا المنظمات الدولية والإقليمية. بحيث أصبح البحث عن التنمية، كحق من حقوق الإنسان،والتي تدمجه وتحقق له مستوى من العيش المادي والروحي والبيئي وتحترم فيه الكرامة الإنسانية في بعدها الشمولي، مطلبا أساسيا.

إن أهم ما في نظرية التنمية البشرية المستدامة هو منظورها الجديد و الشامل للتنمية، بمعنى أنه يوسع خيارات البشر كلها اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية… يهتم هذا المنظور بكيفية توزيع ثمار التنمية و تأثيراتها الاجتماعية والبيئية. وهكذا تصبح عملية التنمية هي عملية تطوير القدرات إلى جانب الرفاه الاقتصادي، بما يسمح من رفع من المستوى الثقافي للبشر الذي يسمح لهم أن يعيشوا حياة أفضل. فالتنمية البشرية المستدامة تنبني على أربعة عناصر:

الإنتاجية: هي مقدرة البشر على القيام بنشاطات منتجة وخلاقة.

المساواة: تعني تساوي الفرص أمام الجميع بدون أي تمييز.

الاستدامة: أي الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئيةوالبشريةبالشكل الذي يسمح للأجيال الحاضرة والقادمة من الاستفادة منها.

التمكين: بمعنى تمكين جميع الناس من المشاركة في القرارات التي تهم حياتهم.

وتأسيسا على ما سبق، فالتنمية البشرية المستدامة تركز على تطوير المقدرة البشرية من خلال سياسات وبرامج متعددة الأبعاد تعزز قدرة الإنسان على تحقيق ذاته. و يرتبط مفهوم التنمية، في هذا لسياق، بتنمية الإنسان كأداة و كهدف.

 

À propos Responsable de publication