Accueil / Non classé / آداب مهنة الطب و حقوق الإنسان

آداب مهنة الطب و حقوق الإنسان

 لم يكن المشرع المغربي قبل سنة 1991 يتطرق للحق في الكشف الطبي بالتنظيم, غير أن ظهير 1991/12/30 عدل الفصل 76من قانون المسطرة الجنائية نص صراحة على هذا الحق, وهو ما سار عليه قانون المسطرة الجنائية الجديد في المواد 73-74-134. إلا أن المشرع لم يحدد الجزاء الذي يترتب على عدم الاستجابة لطلب المشبوه فيه الأمر الذي يجعل هذا الحق محل ارتياب, كما أن الحق في الكشف الطبي لا يمكن المطالبة به إلا أمام النيابة العامة, أما في مرحلة البحث الذي تقوم به الشرطة القضائية فلا يمكن القيام بذلك.

ولعل الحكمة من ذلك هي اقتناع المشرع بما يلاقيه المحتجزون لدى الشرطة القضائية من طرق الاستنطاق التي تتجاوز المسموح قانونيا وبالتالي يتم اللجوء إلى أساليب قد تترك آثارا على جسم الضحية وهو ما يمكن إثباته بما يترتب عن ذلك من إزالة صفة القانونية على المحاضر المنجزة في هذه الظروف إضافة إلى المساءلة التي يتعرض لها من قام بذلك مع الإشارة إلى صعوبة إثبات نسبة هذا الفعل إلى زيد أو عمر.

ومن هنا يظهر قصور التشريع المغربي كما أن المهنيين الطبيين لهم دور خطير وخاصة في القضايا السياسية الكبرى نظرا للأدوار التي يمكن أن يقوم بها البعض منهم.

ذلك أن المهنيين الطبيين الذين يعملون في ظل أوضاع تنتشر فيها انتهاكات حقوق الإنسان ويتفاقم فيها الصراع يتعرضون لمشاكل هائلة في أداء واجباتهم المهنية ويتعرضون لأخطار جسيمة لدى القيام بها.

إن حقوق الإنسان هي تلك الحقوق الثابتة التي تسمو فوق اعتبار الحدود السياسية والإيديولوجية والمعتقدات الدينية ولقد جسد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقوقا تتصل بالحرية الشخصية والأمن والأسرة والعقيدة.

أما آداب مهنة الطب فهي إرشادات مدونة تنظم سلوك المهنيين الطبيين وغيرهم من المهنيين الطبيين في تعاملاتهم مع المرضى أو تعاملهم مع بعضهم البعض. وتنطوي حقوق الإنسان وتلك الآداب في لبها على فهم معين لقيمة الإنسان الفرد وحقه في أن يعامل بكرامة واحترام ورجلا كان أو امرأة وأن آداب مهنة الطب ينبغي أن تدعم حقوق الإنسان وأن تجعل من المهنيين الطبيين حلفاء في النضال من أجل تعزيز الحقوق الأساسية وحمايتها.

وبالرجوع إلى المبادئ الأساسية لمهنة الطب نجد أن مصلحة المريض هي محور علاقته بالمعالج, فمنذ القديم كانت القاعدة التي تسترشد بها المهنة الطبية تحتم على المعالج أن يعمل من أجل خير مريضه ووفق قسم أبيقراط ألا يضره فقط. ولترجمة هذه العقيدة الأساسية إلى لغة عملية للمهن الطبية وضعت مدونات لآداب المهنة على مدار القرن حددتها تقاليد دينية وثقافية مختلفة حيث أضاف الرومان والعرب والهنود وغيرهم إلى مجموعة آداب المهنة الإغريقية المستمدة من القرن الخامس قبل الميلاد.

وفي السنوات الأخيرة أعادت المنظمات المهنية الدولية تعريفها وأقرتها على نطاق واسع ومن هذه المنظمات – الجمعية الطبية الدولية – المجلس الدولي للممرضات- فضلا عن أن الهيئات العاملة في ميدان الطب الإنساني ومن بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر- ومنظمة أطباء بلا حدود ومنظمة أطباء العالم قد أضافت منظورا جديدا للقيم الأخلاقية المهنية التقليدية, كما أن منظمة العفو الدولية قد ساهمت في منع انتهاكات حقوق الإنسان ووضع دور يمكن للمهنيين الطبيين الاضطلاع به من أجل تحقيق هذا الهدف.

إضافة إلى ذلك توجد مدونات تعالج سلوك المهنيين الطبيين إزاء السجناء وغيرهم من الأشخاص الذين سلبت حريتهم وكمثال إن الجمعية الطبية الدولية قد اعتمدت إعلان طوكيو في عام 1975 الذي حظرت فيه على الأطباء أن يشاركوا في التعذيب أو أي ضرب آخر من ضرب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية حيث نصت المادة الأولى منه على ما يلي ” لا يجوز للطبيب أن يقر ممارسة التعذيب أو غيره من أشكال الإجراءات القاسية أو اللا إنسانية أو المهنية أو يتغاضى عنه أو يشارك فيه أيا كانت الجريمة التي يشتبه في أن ضحية هذه الإجراءات قد ارتكبها أو اتهم بارتكابها أو أدين بسببها أو مهما كانت معتقدات الضحية أو دوافعه وذلك في جميع الحالات بما فيها الصراعات المسلحة والنزاعات الأهلية وتقول كذلك مدونات أخرى «. إن على الطبيب أن يكرس نفسه لتقديم الخدمات الطبية المختص بها باستقلالية فنية وأدبية تامة ومع تعاطف واحترام للكرامة الإنساني. أما مبادئ آداب مهنة الطب التي أقرتها الأمم المتحدة وعلى نقيض إعلان طوكيو تنطبق على جميع الموظفين الطبيين فهي تدين صراحة القيام بأعمال تشكل مشاركة في التعذيب أو تواطؤا أو تحريضا على هذه الأفعال أو محاولات لارتكابها باعتبارها تمثل مخالفة جسيمة لآداب مهنة الطب.

إن التشريع الإنساني الدولي قد أفاض في هذا الجانب وحدد الحقوق والواجبات والظروف الملائمة لعمل المهنيين الطبيين بما فيها العلاج والقيام بالخبرات الفنية المستقلة وكشف حالات التعذيب والمساهمة في الوقاية من حدوثه وإثبات المسؤوليات.

وأن الموضوع أكبر من أن يعالج ضمن هذه الورقة المختزلة وإنما أثرنا هذا الموضوع بعد الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وخاصة جلسة الاستماع الأولى المنظمة من طرف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وما صرح به الضحايا من أدوار لا مهنية قام بها أطباء من أجل تأهيلهم للمزيد من التعذيب أو عدم القيام بما تمليه عليهم المبادئ المنظمة للمهنة من اهتمام بحالة المريض حين عرض عليه وأثناء الاحتجاز أو الاعتقال.

إن الموضوع لحد الآن لم تعطه العناية الكافية من طرف الفاعلين الحقوقيين والمهنيين المناضلين على المستوى الإنساني الوطني للتحسيس بخطورته وما يمكن أن يقدمه من خدمات قبل وأثناء وبعد تعرض الضحايا لمختلف ضروب التعذيب.

ونتمنى أن يبادر المختصون الطيبون الإدلاء بدلوهم في هذا المجال لتنوير الرأي العام وتعميق المدارك.

عن جريدة فضاء الحوار المغربية