Accueil / Non classé / الثقافة الحضرية بين التهميش و التأهيل

الثقافة الحضرية بين التهميش و التأهيل

 

Auteur: abdelghani

تقديم:

يقوم الإنسان بإعداد المجال الذي يعيش فيه حسب ثقافته و تصوراته وإدراكه، و كون المغرب قد عرف تعاقب العديد من الثقافات كالثقافة العربية ، الأمازيغية و الإسلامية هذا التداخل في الثقافات أعطى لنا المدينة القديمة بخصوصياتها العربية الأمازيغية الإسلامية ، وكذلك ظهرت ثقافات جديدة أضيفت لهذا المزيج من الثقافات جاء بها المستعمر كالثقافة الفرنسية و الثقافة الاسبانية، التي أعطت المدينة الاورومغربية أو المدينة الكولونيالية التي تعتبر أحسن ما أنجزج في القرن الماضي.

إذن كيف تؤثر الثقافة علي إعداد المجال؟

-Iالثقافة الحضرية بين التهميش و التأهيل.

1- نقل الثقافة الأصلية للمهاجرين :

كانت المدن المغربية قبل الاستعمار، عبارة عن جزر داخل عالم ريفي واسع ، لكن خلال و بعد الاستعمار، خاصة بعد تطور الصناعة في المدن المغربية و توالي سنوات الجفاف في البوادي، أدى بالــعــديد من سـكـان الأريـاف إلـى الـهــجرة من القرى نحو المدن، خاصة الحواضر الكبرى كمدينة الدار البيضاء، التي تعتبر مكانا لتلاقح ثقافات مغربية عديدة إذ « … لا يـوجـد مـدشــر أو فـخـدة أو قبيلة أو قصر ليس فرد من أفرادها في الدار البيضاء… » .

أمام أزمة السكن الحادة التي عاشتها و لازالت تعيشها الحواضر المغربية لحد الآن، كنتيجة حتمية لارتفاع حجم الساكنة الحضرية ، و الذي لم يواكبه ارتفاع في حجم المشاريع البناء المنجزة من طرف الدولة أو القطاع الخصوصي على حد السواء، و ضعف الهياكل القانونية و غياب ثقافة القانون لهؤلاء المهاجرين، بدأت المدن تتوسع بشكل عشوائي و أفقي المتمثل في مدن الصفيح أو » الكاريانات  » ( ككريان بنمسيك، سنطرال ، السكويلة بالدار البيضاء و كريان الحسني بفاس و كريان العاليا بالمحمدية). كما يضم السكن العشوائي السكن الصلب كحي السواني بفاس و حي بئر الشيفا بطنجة ثم الأحياء الغير المهيكلة كدرب السلطان و سباتة و حي مولاي رشيد في الدارالبيضاء كما يمكن أن تضاف المدينة العتيقة إلى ضمن هذه الأحياء، للعشوائية التي بدأت تتخبط فيها. هذا كله ناتج عن نقل الثقافة البدوية القروية الى المدن وبالتالي أصبحت مدينة الدارالبيضاء  » …مدينة المفارقات و عاصمة السكن الغير اللائق بامتياز… فحوالي مليون نسمة في سكن غير لائق… » لان المهاجر الريفي عندما يصل إلى المدينة يصاب بصدمة حضرية ، بفعل التفاوت الكبير بين المجال الحضري و المجال الريفي، فينتج عن هذه الصدمة صراع بين هذا المهاجر بثقافته البسيطة التي لا تحمل أية فكرة عن المجال و المعمار الحضريين ، ينضاف الى ذلك عدم قدرتهم للاندماج بالثقافة الحضرية الجديدة عليهم، الشيء الذي يؤدي إلى تغيير مرفلوجية المدينة المغربية المتمثلة في ترييف الظاهرة الحضرية بحيث يتم نعت المدينة بقرية كبيرة لصعوبة التمييز بينها و القرية ، و الملاحظ للمدن الهامشية لا يفرق بين المديـنة و القرية إلا في الكثـافة في الســكان والـبنايات،

و هنا يطرح سؤال مفاذه كيف يمكن لهذه الساكنة أن تبني معمارا جيدا و هو ليس في ثقافتها الأصلية ؟ حيث كانوا يقيمون في الخيام و  » النوالة » التي تصنع من القصب و الطين ،و حتى وان كانوا يسكنون في ســكن صـلب فهو مبني بالحجار يفتقد إلى الجمالية فهو يلبي فقط حاجات الساكنة القروية الأساسية اليومية و انعدام البهو و الحمام و المرحاض و المطبخ …

أتـت هـذه السـاكنة على المـدينة وهمـها الوحـيـد هو البـحـث عن الـعـمـل و ربـح القـوت اليومي و الحصول عن المال، و أمام غياب مردود قار اضطر معه المهاجر إلى الاستقرار بجانب مكان العمل في « براكة » من بنائه الشخصي و الآخر إلى جانبه وهذا أدى على تكون حي صفيحي بحيث لا تجد مكانا إلا و فيه حي صفيحي أو انتشار السكن الغير اللائق أو » مدن الصفيح المعلقة » و لم يتوقف الى هذا الحد بل نـجد انـتـشار تربية الماشية كالأبقار و الغنم و الدواجن كذلك انتشار العربات المجرورة من طرف الحـمير و الأحصنة إضافة إلى طريقة البناء و شكل السكن يعكس الثقافة القروية ، و العلاقات الاجتماعية.

نجد هذه الممارسات الريفية المنقولة تؤكد على مدى تعلق الريفي بثقافته الأصلية المتمثلة في تربية الماشية و تخصيص لها مكانا خاصا » الزريبة » داخل « البراكة » ، و الغرض من هذا اقتصادي محض كما تقوم النساء بتربية الدواجن .

إلا أن أكثر مجال مديني تأثر في المغرب بمظاهر الترييف هي المدينة العتيقة  » … فبعد خروج المستعمر تم إفراغ المدينة الأروبية الحديثة ليتم تعويض ساكنيها بمهاجرين ، لكن هذه المرة حضريين، غادروا مدينتهم العتيقة التي أصبحوا يشكون في ثقافتهم التي أنتجتها… » فبعد إخلاء المدينة القديمة نسبيا تم تعويض الساكنة الأصلية بساكنة ريفية مهاجرة ، تكدست بهذا المجال مما أدى الى تدهوره.

إذا كان واقع المدن المغربية التي ترزح تحت الفوضى فإن سببها هو الثقافة الريفية المنقولة من طرف المهاجرين يتسمون بالعشوائية و عدم إدراك الثقافة الحضري الجديدة عليهم، لكن هذا لا تنفي دور الدولة بصفة عامة و المسئولين عن التخطيط و التعمير بصفة خاصة.

2- أزمة المعمار أم أزمة الثقافة:

« … كانت المدية القديمة إطار للثقافة بالمغرب العربي ، و عندما تدهور الإطار و اختفى أصبح من الـصعـب إنـعاش ثـقافة بالأصل، في حقيقة أن الإطار لا يخلق الثقافة بل العكس و إذا إنفخر الإطار أو استغنى عنه فيسبب هيمنة قوة ثقافة جديدة . إننا نعلم أن إطار يؤثر على نمط عيش الإنسان و لكن كذلك يمكن للمستعمل أن يحوله ولو في حدود معينة و بطريقة بطيئة و نسبية. يمكن الإطار أن يعطل أو يشجع التطور الثقافي عبر العراقيل أو التسهيلات التي يحملها معه، خصوصا و أن ترجع المدينة أو اندثارها دليل على التحولات العميقة للمجتمع الحضري… » إن ما يستشف من هذا أن الدولة في سعيها الحثيث في تهميش الثقافة التقليدية الموجودة في المدينة القديمة، بالمقابل قامت بتشجيع نمط الحياة الجديدة المرفوض من طرف الساكنة الذي يتم التعبير عليه بالعنف الحضري اتجاه الممتلكات العمومية من طرف الساكنة خاصة فئات الشباب، لان ذلك المجال لا يناسب ثقافتهم الأصلية و كذلك لم يساهموا في إنجازه، مـمـا أدى إلـى صراع داخلي الذي يترجم على أرض الواقع كما تمت الإشارة إله بالعنف الخضري، و »…. لعل المجالات المبنية بالمغرب تتصف بأوربيتها أقل غنى و أقل دقة إذ أصبحت بمراكز الإدراك تصورات قلما تهتم بوسائل الإنتاج المحلية خصوصا منها التقليدية ونؤكد هنا على المواد المستعملة في الأشغال الكبرى وربما أصبحت المجالات التقليدية بالمدن الإسلامية مجرد مباني أثرية … »

يشير جون إلى أن المهندس المعماري تخلى عن الجانب الثقافي التقليدي الذي يمتاز بجمالية رائعة في إنتاج المجال المغربي بالمقابل اهتم بالجوانب المادية و التقنية و جاء ذلك على حساب الجانب الجمالي الذي نلاحظه في المدينة القديمة رغم التهميش الذي تعاني منه الشيء الذي أدى إلى دق ناقوس الخطر لأنه تتأرجح بين ما هو تهميش و نوايا التأهيل ، والمدينة الاورومغربية التي تعتبر « …. أحسن ما أنتج في القرن السابق إذ انه بعث روح فنية جديدة في المباني التي بقيم فيها الإنسان، أو العمل أو الترفيه… » .

و المعمار الذي أنتج ما بعد الاستقلال يعكس الواقع الاجتماعي المعاش من طرف السكان الذي يعبر عن الأزمة الثقافية لان الوسائل المادية متاحة و متوفرة قبل أي وقت مضى من تاريخ المدينة المغربية ، لذلك كان من المتوقع إنتاج مجال ذو جمالية رائعة و عالية ، لكن اتجاه الدولة إلى تكريس تهميش الثقافة الأصلية التقليدية و كذلك اتجاه بعض المهندسين و المنعشين العقاريين إلى تقليد النسق الأروبي في إعداد المجال مبتعدين عن الثقافة التقليدية ، كما يجب « …. إدماج الساكنة في إنجاز و تدبير المعمار لتقليل الفوارق بين ثقافة الساكنة و المجال المنجز… » أي أن الإنسان عندما يساهم في إنتاج مجاله يضع فيه خصوصياته الثقافية و بالتالي يحس أن هذا المعمار منه و إليه بالتالي انعدام الهوة و الصراع بينه و المجال.

II- إعداد المجال بين القانون و الواقع

1- إستراتيجية الدولة:

إذا كان عهد الاستقلال قد ورث عن مرحلة الاستعمارية مجالا حضريا طابعه الأساسي التناقضات الصارخة على مستوى التجهيز المجالي، فإن أزمة السكن كان لها تأثير كبير على استراتيجيات الدولة وطبعتها ببصمتها وظهر ذلك من خلال تجاهل الدولة إلى غاية مطلع الثمانينات مشاكل التهيئة وخاصة في الأحياء الهامشية حيث اتبعت أسلوب التجهيز المتدرج أو اللاحق مما ساهم في نشوء الأحياء ذات الطابع العشوائي وتزايدها‘ إلا أن أحداث 1981 دفعت الدولة إلى تغيير إستراتيجيتها وهذا ما أعتبر من طرف البعض « … مجرد إستراتيجية للمظاهر… » غير أن نشاط المبادرة الفردية والخاصة بهاته الأحياء أتبت عدم صحة هذه الادعاءات.

هكذا يظهر جليا أن استبدال إستراتيجية التجهيز اللاحق بإستراتيجية إدماج التجهيز في إنتاج المجال الحضري قد جاء من أجل خلق الظروف والشروط اللازمة لتوسيع المبادرة الخاصة بالأحياء الهامشية وعليه « … تتم التضحية بالسكن لفائدة التعمير…  » لكون هذه الإستراتيجية تخدم مصالح الدولة وهذا ما يجعل المجال السكني بالمغرب « …يميل إلى الفوضوية والعشوائية الملخصة في إعداد المجال الترقيعي… »

ومن كل ما سبق نستنتج أن تدخل الدولة في ميدان السكني يبرز خلفيات إستراتيجيتها، فعلى المستوى الاقتصادي تعمل الدولة على تحويل السكن من قيمة الانتفاع إلى مستوى التداول أي جعل السكن عبارة عن بضاعة مما جعل قطاع البناء المباشر للسكن من قبل الدولة لا يسعى فقط إلى سد حاجيات السكن بل أيضا إلى إنعاش قطاع البناء وعليه فإن الإستراتيجية تتعامل مع قضايا السكن بمنطق السوق ومتطلباته. أما على المستوى الاجتماعي كانت سلطات الحماية قد دشنت إستراتيجية الضبط الاجتماعي

من خلال السكن ومحاصرة المجتمع المغربي داخل أحياء خاصة، وفصل بين الأوروبيين والمغاربة من أجل التحكم في تحركات الوطنيين وقد استمرت الدولة في هذه الإستراتيجية بعد الاستقلال لكن بالتمييز بين أحياء غنية وأخرى فقيرة فأصبحت الدار البيضاء حقلا خصبا للتحالفات التي عقدتها الدولة مع المجتمع وذلك من خلال تحويل أزمة السكن من الجانب الاجتماع-سياسي إلى الجانب الاجتماع-الاقتصادي لتهدئة الأوضاع بالدار البيضاء إثر أحداث 1981 ( انتفاضة الخبز) بإعطاء انطلاقة مخطط محاربة دور الصفيح من خلال مشروع بنمسيك السكني الذي أعتبر أكبر مشروع سكني بالمغرب مكون من قسمين كبيرين (موقع مولاي رشيد وموقع سيدي مومن )، وقد أعطيت انطلاقة هذا المشروع الكبير سنة 1982 تكلفت بإنجازه شركة التشارك ذات الهدف الاجتماعي.

بعد سنوات من ذلك ظهر مشروع 200ألف سكن الذي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني الذي يهدف إلى توفير السكن لعدد كبير من المواطنين ، ومن خلال إستراتيجيات الدولة التي استعرضنا نخلص إلى أن الدولة لديها رغبة في »… أن لا يتم شيء خارجها… » وذلك من خلال احتكارها الإشراف على ميدان التعمير والسكنى رغم انتقال هذا القطاع بين الوزارات لعدة سنوات مما جعل الإستراتيجية المتبعة تختلف باختلاف الوزارات المشرفة.

غير انه في الفترة الأخيرة لوحظ أن الدولة تسير في اتجاه فتح الباب أمام المبادرة الخاصة وكانت البداية إلغاء القانون الإطار لسنة 1970 الذي ينص على ضرورة تحكم الدولة في السوق الأراضي وقد كان لمدينة الدار البيضاء دور كبير في هذا الصدد حيث عملت الدولة على تزكية مكانة هذه المدينة كعاصمة للمبادرة الحرة. رغم ذلك فإن عدة مشاكل تواجه الاستثمار الحر بالمدينة، هذه المشاكل ناتجة عن العقار ، خاصة منه التابع للدولة ونركز هنا على الملك العام للدولة ، فإن كان الملك الخاص للدولة لا يطرح مشكلة لسهولة تفويته فإن الملك العام بعكس ذلك غير قابل للتفويت ولا لتقادم والحجر، باستثناء اللجوء إلى المادة الخامسة من الظهير فاتح يوليوز لحذف الأملاك العامة للدولة وتحولها للملك الخاص، إضافة إلى المشكل الذي يطرحه أراضي الكيش بسبب غياب نص قانوني يؤطرها فهي داخلة في خانة الملك الخاص للدولة تنتفع منه القبائل ويبدوا من شبه المحال التصرف فيه. وعليه فإن الدولة رغم فتحها لأبواب الاستثمار الحر فإنها تتحكم فيه ولو بطريقة غير المباشرة.

2- من التعمير إلى إعداد المجال

إن دراسة مخالفات التعمير بالقوانين المغربية تقتضي بداية تحديد مفهوم التعمير، وبهذا الخصوص يذهب الأستاذ جاكينيون إلى أنه فن تهيئة المدن، بينما يعرفه الأستاذ أوبي بأنه مجموعة من الإجراءات التقنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على تطوير المجتمعات بشكل منسجم وعقلاني وإنساني .

كما أن دراسة مسالة التعمير بالمغرب تستدعي الاعتراف بوجود بعض الإرهاصات الأولية أو التجليات الضمنية لها في تاريخ المغرب، فالكثير من المدن العتيقة والقصبات التاريخية، بما تتوفر عليه من سمات سواء فيما يخص الأسوار والأبواب أو الأزقة والساحات العمومية أو تعدد البنايات من بنايات خصوصية وأخرى جماعية مشتركة …وكل هذا يوحي بوجود بل تجدر قيم التعمير بالمغرب.

ورغم ذلك فإن الحديث عن التعمير كسياسة وكقانون لم يبدأ في المغرب إلا مع دخول الحماية الفرنسية، التي عملت على استصدار سلسلة من الظهائر التي كانت تروم بلورة توجهات وأهداف الحماية في مجال التعمير والإسكان بالمغرب.

غير أنه مع بداية الاستقلال برزت الى الوجود العديد من المتغيرات المتمثلة أساسا في سرعة النمو الديمغرافي وتزايد ظاهر التمدن بالمغرب، بسبب ارتفاع نسبة الهجرة من القرية نحو المدينة، مما ترتب عنه تزايد الحاجة الى السكن والخدمات العمومية والتجهيزات الأساسية .

وإذا كان ازدياد الطلب على العقار دافعا للدولة من أجل التدخل لإيجاد الحلول لمعالجة الإشكالات التي يطرحها واقع ما بعد الاستقلال، فإن ما يسجل بخصوص المرحلة الممتدة من سنة 1956 إلى غاية بداية العقد الأخير من ق 20 هو اكتفاء المغرب بالعمل بالظهائر الموضوعية أثناء فترة الحماية، ماعدا بعض النصوص الخاصة. ومن هذه النصوص التشريعية التي سنها المشرع المغربي بعد الاستقلال، قانون 25 يونيو 1960، والذي يتعلق بتنمية الكتل العمرانية القروية، وهو أول نص يصدر بعد الاستقلال في ميدان التعمير ، وهناك أيضا قانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة، كما صدر في سنة 1982 قانون يتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، هذا بالإضافة إلى إصدار المشرع بتاريخ 12 أكتوبر 1984 قانونا يتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي. هذا وتتجلى أهمية موضوعنا في كونه يتناول مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، وهي تلك الممتدة من سنة 1956 إلى سنة 1990 وما تطرحه هذه المرحلة على كاهل الدولة من مسؤولية تدبير مجال التعمير .

أولا : مخالفات قوانين التعميرالصادرة في مرحلة 1956 إلى 1990.

في البداية لابد من الإشارة إلى أنه إذا كان المشرع في فترة الحماية قد عمل جاهدا على ترسيخ المبادئ الأساسية لقانون التعمير بالمغرب، من خلال ما أصدره من نصوص قانونية فإن ما يمكن أن يثير الانتباه هو أن حركية التشريع منذ بداية الاستقلال الى غاية سنة 1990 كانت دون مستوى حركية النمو الديمغرافي والاقتصادي الوطني. إن هذا الركود الذي أصاب التشريع تجلى أساسا في ندرة الظهائر الصادرة في هذه المرحلة، حيث يمكن تعدادها على رؤوس أصابع اليد الواحدة، هذا بالرغم الأهمية المتزايدة التي اكتسبها مجال التعمير والإسكان في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. زيادة على ذلك فإن الظهائر الصادرة في هذه الفترة يغلب عليها صفة الخصوصية، حيث أن كل منها يتناول جزئية معينة في ميدان التعمير، هذا في الوقت الذي لا زالت فيه مقتضيات ظهير 30 يوليوز 1952 وظهير 30 شتنبر 1953، سارية المفعول الى بداية عقد التسعينات من القرن الماضي.

ومن خلال تفحصنا لثنايا النصوص القانونية المتعلقة بالتعمير في فترة 1956 إلى 1990، نجد أن المشرع المغربي نص على مجموعة من الشروط ومجموعة من الشكليات، والتي يعد الإخلال بها بمثابة مخالفة تستوجب جزاءات معينة إما مدنية أو جنائية.

ثانيا : القيمة القانونية المضافة للظهائر الصادرة في مجال التعمير

من خلال قراءتنا للمخالفات المنصوص عليها في الظهائر الصادرة بالمغرب بخصوص التعمير من سنة 1956 الى سنة 1990، يتضح لنا مدى تعدد المخالفات، وتنوع الجزاءات المفروضة بخصوصها من ظهير الى ظهير، وهذا شيء طبيعي لكون الأمر راجع بالأساس إلى تنوع واختلاف المجالات الصادرة بخصوصها كل ظهير.

من جانب آخر فالظهير المتعلق بالأماكن المعدة لإقامة الشعائر الدينية الإسلامية يكتفي بالإحالة في فصله الخامس على مقتضيات ظهير 30 يوليوز 1952 الذي أصبح منسوخا بقانون رقم 12 -90 بتاريخ 17 يونيو 1992. هذا الأخير الذي يؤكد على إمكانية الأمر بالهدم وكذا المتابعة القضائية. أما ظهير 6 ماي 1982 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، الذي يقرر بطلان مقرر نزع الملكية في حالة عدم احترام المسطرة القانونية الواردة بهذا القانون.

من جانب آخر، وفيما يخص الظهير المتعلق بالمباني التاريخية، فقد كان اكثر دقة في تحديد المخالفات التي أوردها، وذلك راجع لطبيعة المجال الذي ينظمه، والذي يرتبط أو يتقاطع فيه ما هو تاريخي بما هو ثقافي وبما هو هوياتي …

لهذا لا نستغرب كيف أن المشرع المغربي بالرغم من انه لم ينص على جزاءات سالبة للحرية على غرار القانون المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية، فإنه وضع غرامات زجرية، مع إمكانية الحكم بغرامة تعادل عشر مرات قيمة الشيء المرتكبة المخالفة فيه، بل أكثر من ذلك أقر المصادرة كجزاء جنائي رادع يضاف إلى العقوبات السابقة.

وإذا كان الأمر كذلك فإن العودة إلى الظهائر محل الدراسة، وقراءتها قراءة نقدية، وربطها بمجال الدراسة الذي هو مخالفات التعمير بالمغرب من سنة 1956 الى غاية سنة 1990، فإن ما يمكن الإقرار به، هو أن وثيرة التشريع بالمغرب في مجال التعمير في هذه الفترة اتسمت بالكثير من البطء إن لم نقل الجمود، ذلك أنه رغم ظهور العديد من التحولات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية، فإن المشرع بقي حبيس أحكام ظهير 1952 وظهير 1953، و اكتفى فقط بإصدار الظهائر الخاصة المشار إليها سابقا. إن عزوف المشرع المغربي عن تحيين مقتضيات ظهيري 1952 و1953 على طول مدة 35 سنة من الاستقلال، خلق وضعية متباينة بين التشريع والواقع بخصوص مجال التعمير، حيث ظل الأول متخلفا عن الثاني لسنوات وعقود، وكان علينا أن ننتظر إلى غاية سنة 1992، ليصدر ظهير90.12 المتعلق بمدونة التعمير.

من جهة أخرى لا يجب أن يفوتنا التأكيد على عدم انسجام المشرع المغربي مع ذاته، ذلك انه عمد في 25 يونيو 1960 إلى تخصيص ظهير كامل للعمارات القروية ، في الوقت الذي تتزايد فيه الإشكالات بخصوص المدار الحضري، دون أن يبادر إلى وضع حلول قانونية لها. وفي نفس السياق يمكن القول أن المشرع المغربي بإصداره لهذا الظهير يكون قد استبق الواقع، وإلا فإن اغلب الباحثين قد يتساءلون باستغراب حول مدى وجود عمارات في الحاجة إلى تقنين بالعالم القروي. ففي الوقت الذي كان ولا زال العالم القروي بالمغرب يناضل من أجل فك العزلة عنهن وربطه بالبنية التحتية، والخدمات الأساسية من تعليم، وتطبيب …

نجد المشرع المغربي يهرع لتقنين مسائل لا توجد أصلا ولا تتصور في الواقع الحالي، أحرى ببداية الاستقلال، وحتى على فرض وجودها فإنه لم تبرز بعد إشكالات تستدعي تخصيص قانون خاص ينظمها و هناك مجال أولي بالتنظيم والتقنين.

أما بخصوص ظهير 2 أكتوبر 1984، المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي، فهو بدوره يثير بعض الإشكالات خاصة على مستوى تطبيق الجزاءات.

وفيما يتعلق بظهير المحافظة على المباني التاريخية فإنه كان اكثر دقة، مقارنة بسابقيه، في تحديد المخالفات والجزاءات المرتبة لها. و في تقنين مسالة الارتفاقات التي تمس بهده المباني و المعالم الأثرية وقد جاء دلك درءا لكل ما من شانه أن يمس بسلامة هده المنشات أو يغير من طبيعتها .

نخلص إلى أن المشرع المغربي قد تأخر كثيرا في إقرار قانون التعمير لسنة 1992، الذي كان من الممكن أن يكون معتمدا سنوات عديدة قبل هذا التاريخ. وحفاظا على الذاكرة التاريخية المغربية والموروث الثقافي ندعو الى تدعيم الجزاءات الواردة في الظهير المنظم للمباني التاريخية بإقرار مؤسسات رقابية، مهمتها مراقبة مجال الآثار وتنظيمه بشكل محكم.صيانة للهوية المغربية في تجلياتها المتعددة.

III- الحكامة التشاركية

1- الحكامة التشاركية في إنتاج المجال

الحكامة التشاركية: هي الطريقة التي تباشر بها السلطة، في إدارة موارد الدولة الاقتصادية منها والاجـتـماعـية بـهـدف تـحـقـيق التنمية المحلية في جو تسوده الشفافية والمسؤولية ودولة القانون والمشاركة و الإشراك واللامركزية والتنسيق بين كل المتدخلين. فالحكامة التشاركية الجيدة، في أي المجتمع وأي مؤسسة حكومية كانت أو غير حكومية، تبقى من أهم الضروريات لإنجاح المشاريع التنموية، إلا أن تطبيقها يتطلب سيادة جو تسوده الشفافية والمسؤولية ودولة القانون والمشاركة واللامركزية والتنسيق بين كل المتدخلين. يتضح من خلال ما تقدم كمدخل لإعادة صياغة الأدوار والمهام والوظائف، بما يسمح باستثمار أمثل للخبرات والوسائل المشتركة والمشاريع والكفايات، لخلق فعل جديد مؤسس على تقاسم الأدوار والمسؤوليات والمهام، وتكريس قطيعة مع المقاربات التقليدية للشأن العام الذي أفرز أزمة الحكامة حيث تظهر مجموعة من الثنائيات الخاصة: (بيروقراطية/ ديمقراطية)، (مركزية/ لامركزية)، (تمركز/ لا تمركز). ويتسع مفهوم المواطنة يشمل الإنصاف المساواة، تكافؤ الفرص، الكفاءة، الشفافية، والـتـوازن بـيـن الـحـقـوق والـواجـبـات. مـمـا سـاهـم فـي بـلـورة مـفـهـوم الـمـقـاولـة الـمـواطـنـة، الإدارة المواطنة والجمعية المـواطـنـة، تـعـتـمـد الـحـكـامـة كـثـقافـة جـديـدة ومـنـهـجـيـة جـديـدة تـسـائـل الآلـيـات الـتـدبـيرية الـتـقـلـيـديـة أسـسا ومـمـارسـة وعـقـلـيـة، وفـق مـرتـكـزات أســاسـيـة:

  • 1- التخطيـط: ترتكز الحكامة الجيدة على التخطيط، الأهداف والنتائج الإستراتيجية وعلى البرامج والمخططات والمشاريع لإنتاج المجال ، بدل الذوبان في تصريف اليومي والآني وتركيز العمل على الأنشطة، إلى جانب العمل على تنمية الموارد وتثمينها، ورفع مردوديتها وتطوير كفاياتها و الحرص على التوازن بين الموارد والنفقات.
  • 2- التنظيـم: ينبني على تنظيم العمل وبناء الهياكل على أساس الفعالية، والمردودية والجودة والإنتاجية واعتماد مبدأ الانفتاح.
  • 3- الانجـاز: يعد القرب والتشارك والإشراك، اللاتمركز واللامركزية والتواصل شروط أساسية لتأمين الانجاز الذي ينبني على الكفاءة الشفافية، الجودة والنجاعة، والحد من هدر الوسائل والإمكانات.

فتكون الحكامة الحضرية من خلال هذا دعوة صريحة وفعلية إلى ضرورة الحجر على الديمقراطية التمثيلية التي تحتكر سلطة في إنتاج المجال، وتدعو إلى ضرورة تطعيم هذا النهج اللامركزي الفاشل بجرعات وأشكال جديدة من الديمقراطية التشاركية تمكن من إشراك جميع أطر إضافة إلى الساكنة المحلية التي لها دور فعال في الإعداد الفعال للمجال الحضري، المدافع عن المجموعات الهشة اقتصاديا واجتماعيا والمطالب بضرورة صيانة الوسط الثقافي واعتباره في عمليات التهيئة.

2-المجتمع المدني:

« …المجتمع المدني هو المجال الذي يتفاعل فيه المواطن ويؤسسون بآرائهم تنظيمات مستقلة عن السـلـطة للتعبير عن المشاعر وتحقيق المصالح أو خدمة القضايا المشتركة… » ، إذن المجتمع المدني هو ناتج عن عجز الدولة في توفير كل ما يحتاج إليه السكان، الشيء الذي يدفع بهم إلى تأسيس جمعيات الأحياء؛ و هي عبارة عن يقظة المجتمع المدني و ذلك من أجل خدمة الساكنة، ثم المطالبة ببعض الحقوق التي تـتمـلص مـنـها الـدولـة كـإقـامـة الـمجـالات الخضراء و الحق في العيش في بيئة نظيفة دون أزبال، و هو يضم جمعيات الأحياء و أندية حقوقية ،اجتماعية و نقابات وغيرها . و لها دور كبير في عملية إعداد المجال الحضري، و من أهم التدخلات التي عرفها هذا المجال هو تأسيس الوداديات السكنية التي لها أدوار عديدة تتجلى في ترميم المباني الآيلة والمرافق العمومية .

هذا بالإضافة إلى تنظيم حملات للتحسيس بأهمية المجال الحضري، والحفاظ عليه في إطار الحفاظ على المجالات الخضراء المتضررة، وخدمة كدالك القضايا المشتركة.

« …لا يمكن لعملية إدماج الساكنة في إنتاج وتدبير المعمار إلا أن تقلل الهوة بين الإنسان و المجال وتجعل مستعمل المعمار عنصرا يحس بالمسؤولية في إنجاح أو إفشال كل مشروع معماري، وتدفع إلى البحث عن المحافظة عليه، على اعتبار أن المجال ملكا له إذن فهو مسؤول عن العناية به… » ، وهكذا يؤكد على دور المجتمع المدني في إنتاج المجال الحضري والمساهمة في الحفاظ عليه والعناية به ،إذا جعلنا من الساكنة جزءا من المجال ومنه واليه حيث « ….يعتبر المجال الحضري مركزا للإبداعات الشعبية والمتمثلة في رموز تلخص نوع الفكر وشكل الثقافة الاجتماعية للمنتج والمستهلك… »

ونلخص ذلك في ملامح المجال المغربي خطتها التي رسمتها الخصوصيات الفردية والإبداعات الشعبية التي تلخصها أفكارا لساكنة ونوع الثقافة الاجتماعية للسكان.

الحكامة التشاركية هي الحد الفاصل بين الديمقراطية في شكليها التمثيلي والبرلماني الممركز ودعوة صريحة على ديمقراطية تشاركية مؤسسة على المساهمة والمشاركة والتوافق في صنع وتنفيد وتقييم برامج ومشاريع التنمية على أرض الواقع، وهي قناة أساسية تمكن من الاستفادة من نواتج ونتائج التنمية المستدامة.

استنتاج:

المجال يعتبر مرآة الساكنة أي من يتنج و يستغله، فهو يعكس الثقافة المحلية لان الإعداد فن و تراكم ثقافي وليس تقنيات ترسم على الأوراق كما يقوم بذلك المهندس المعماري، لاتناج مجال جيد يجب إشراك جميع الفعاليات بما فيها الساكنة في إطار حكامة تشاركية جيدة بدل من الديمقراطية التمثيلية لإعطاء مجال جيد وليس تنافر بين الإنسان و المجال. إذن يجب التركيز على الثالوث المجال- الثقافة- الزمان.

À propos Responsable de publication