Accueil / Non classé / النهوض بقطاع الشباب والرياضة

النهوض بقطاع الشباب والرياضة

 

Auteur : عبد الله العلوي أبوإياد

النهوض بقطاع الشباب والرياضة : هل ستنتصر الإرادة الجديدة على تراكمات الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل؟ عبد الله العلوي أبوإياد أستاذ بالمعهد الملكي لتكوين الأطر

إن السعي نحو صياغة مقاربة للنهوض بقطاع حكومي يعتني بالشباب والناشئين الذين يسودون أكبر مساحة في الهرم السكاني المغربي بتوظيف التنشيط السوسيوتنموي في استثمار الوقت لدى هذه الفئات، تنشئتها على الإنتاج الإيجابي عبر تأمين حاجياتها النفسية الاجتماعية وخاصة الحاجة للإنتماء والتحرر من براتين الاغتراب. بالإضافة إلى تأمين حاجياتها الفسيولوجية والأمنية وإشباع حاجياتها للتقدير بدل الاستبعاد. وتأهيلها لتحقيق الذات، قد يكون طموحا تؤطره قيم الوطنية الصادقة والكفاءة الفكرية العالية، التي تتميز بها شخصية المسؤول الذي ندرك التضحيات المادية والمعنوية الكبيرة التي قدمها من أجل التفرغ لقيادة هذا القطاع الحيوي والخطير في حياة المجتمع المغربي. وهي خطوة هامة تؤكد إرادة الدولة في الاعتناء بهذا القطاع وتمكينه من أداءه السوسيوتنموي بعيدا عن الحسابات الشخصية البسيطة.

وإذا كان لابد لكل أداء جديد من رؤية ثم رسالة ثم استراتيجية وأهداف عام، وسياسات بالمعنى التدبيري المنظم لتنفيذ المشروعات. فإن من أهم ما يطرح علينا فهذه المرحلة هو هوية هذا القطاع داخل مكونات وأجهزة الدولة المغربية؟ لقد عان هذا القطاع ومنذ الاستقلال من اضطرابات عديدة لم تسمح بمأسسته بشكل يمكنه من تأمين التنشئة الاجتماعية لمستهدفيه بشكل يستطيع تأهيلهم لخوض معارك الحياة بهوية نفسية واجتماعية متوازنة ومعتزة بوطنيتها، واقتدارات معرفية وعلمية متجددة، وثقافة إنجازية مبدعة، قادرة على تصنيع الحياة بكل أبعادها القيمية والسياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية. فقطاع الشباب ليس مجرد قطاع اجتماعي يثقل كاهل ميزانية الدولة بدون أي مردودية. كما يدعي البعض،وليس مجرد مجال للتنفيس والإلهاء و شغل(وقت الفراغ)لدى الشباب والناشئين حسب ما يرده البعض،وليس مجرد قطاع لتأطير التظاهرات الاحتفالية، بل هو من أهم القطاعات الإنتاجية المتخصصة في التنمية الإنسانية التي تشتغل وفق مقاربة العناية بالشخص، بنظرة تقبلية توظف حاضره في صياغة مستقبله. وعلى هذا الأساس لايمكن القول بهوية هذا القطاع خارج نطاق هوية القطاعات المتخصصة في التربية والتكوين، مقتحما كل الفضاءات الزمانية والمكانية ومستثمرا لها في العناية بالإنسان. و هي المهمة التي أبعد عنها هذا القطاع بسبب هيمنة ظروف وسلوكيات ما تزال العديد من آثارها تعيق كل إرادة تنشد النهوض بهذا القطاع وتمكين موارده البشرية من أداء مسؤولياتهم أمام الله إزاء الأمة. معتزين بهوية القطاع والافتخار بالانتساب إليه برضا وظيفي متسامي في إيجابياته.

فقطاع الشباب والرياضة الذي يعاني من عشوائية الأهداف والوسائل والنتائج، وضعف الاستثمار الجيد للطاقات والموارد البشرية المتاحة، بل وإبعادها. وعدم الاكثرات بضعف النتائج مقارنة مع الموارد المتاحة وبنتائج المنافسين الوطنيين والخارجيين. وهيمنة سلوكيات الترهل والاستسلام والتضييع من السلبية والرضى بالأمر الواقع ومحاولة تبريره وتحميله وتضليل الوزير من خلال الأنشطة الاستعراضية والاستهلاكية التي تعمق إبعاد القطاع عن هويته ومسؤولياته السوسيوتنموية، ومحاربة كل طموح ينشد النهوض بالقطاع ومحاصرة سفينته وإرغام التقوقع. وتفريغ المؤسسات والأنشطة من كل محتوياتها التربوية والسوسيوتنموية والاكتفاء بالمسميات وادعاء التطور والمواكبة من خلال أرقام يتم غسلها وتبييضها بأساليب وخدع متنوعة.-مخيمات القرب- العطلة للجميع، زمن الكتاب، السياحة الجبلية، الرياضة للجميع، مغرب جدير بأطفاله.دار الشباب النمودجية، المدارس الرياضية، مسرح الشباب، سينما الشباب، الهيئة الوطنية للتخييم، موسيقى الشباب، التأهيل المهني. وهي كلها أسماء بدون مسميات في حين أن انتظارات الشباب والأطفال والناشئين من هذا القطاع في اتساع كمي ونوعي تحتاج إلى قدرات تدخلية قوية على تلبية تلك الانتظارات بمناهج وبرامج قادرة على تفعيل الشركاء المحليين والإقليميين والعالميين، أصحاب المشروعات والاهتمامات المشتركة، في ظل هذا الوضع يتبين أنه من الصعب القول بوضع مشروع للنهوض بهذا القطاع المتخصص في التنمية البشرية في غياب مجهودات علمية تعتمد كل التخصصات الباحثة في الظاهرة الإنسانية، تستطيع الإجابة على مجموعة من الأسئلة منها :

    ماهي فلسفة ووظيفة قطاع الشباب والرياضة؟ 
    ماهي تطلعات وطموحات هذا القطاع؟ 
    ماهي تحدياته الداخلية؟ 
    ماهي القدرات الحالية أو المطلوب توفرها لمواجهة تلك التحديات؟ 
    ماهي التحديات الخارجية التي تواجه أداء هذا القطاع؟ 
    ماهي القدرات التنافسية الواجب توظيفها إداريا، تربويا، ثقافيا ورياضيا في مواجهة التحديات الخارجية؟ 
    ماهي المتغيرات البيئية المؤثرة أو المتأثرة بهذا القطاع؟ 
    اقتناع المقرر السياسي والمالي والاقتصادي بأهداف ونتائج الرؤية الإستراتيجية للقطاع الذي يجب أن يكون صمام أمان لقيم المواطنة والعدالة والحرية والعمل والإنتاج والمشاركة في تدبير الشأن العام المحلي والجهوي والوطني والتنشئة السليمة للأطفال والناشئين عليها. 
    تقوية وتنسيق مناهج وبرامج عمل هذا القطاع مع كافة الأجهزة والإدارات الأساسية المكلفة بإعمال الميثاق الوطني للتربة والتكوين على المستويات المركزية، الجهوية، والإقليمية.بهدف تكامل الجهود نحو الأفكار الأساسية التي يجب تنميتها والحرص على مراجعتها من أجل تطويرها وفق منهج بناء الرؤية الجديدة والمتطورة حسب المتغيرات الداخلية والخارجية. فلحد الآن لم توجد أية دراسة علمية أو مكتبية تحاول الإجابة على مجموعة من التساؤلات مثل : 
    مامكانة هذا القطاع داخل الأداء العملي للخدمة العمومية بالمغرب؟ 
    ماهو الموقع الذي يجب أن تتبوءه في عملية التنشئة الاجتماعية للمواطنين المغاربة؟ 
    هل صحيح أن الأجهزة الإدارية المؤطرة لعمل هذا القطاع تتسم بالفعالية والنجاعة في التفكير والتخطيط والإنجاز؟ 
    ماهو التنظيم الهيكلي المركزي والجهوي والإقليمي المطلوب لإنجاز مهام هذا القطاع؟ 
    ماهي الإمكانيات المادية الواجبة لتدبيره؟ 
    ماهي مواصفات الموظف العمومي المؤهل لإنجاز هذه المهمة؟ وكيف يتم تأهيله وتوظيفه وترقيته، والعناية بتنمية قدراته المهنية، وتأمين حاجياته النفسية والاجتماعية؟ 
    هل مهارات الموظف مع الأطفال والناشئين والشباب سواء داخل الملاعب، أو برياض الأطفال ودور الحضانة، أوبمراكز حماية الطفولة أو بدور الشباب ومراكز التأهيل المهني والأندية النسوية وفضاءات الحرية المحروسة هي نفس المهارات المطلوبة في أي موظف عمومي؟ 
    هل صحيح أن المهارات التي يعمل بها هذا الموظف العمومي، قادرة على تأمين مستهدفيه وتحصينهم نفسيا وفكريا ضد الهجرة اللاشعورية، والرغبة في مغادرة الوطن والاعتقاد بأن لامستقبل إلا خارج المغرب، وأن البشر في المغرب هو أرخص شيء، في العالم، أن الدولة والإدارة والسياسة مجرد أدوات للقهر والضبط والتدجين “وإن حياة الهامش ليست بديلا لهذا الوضع بل هي مجرد نتيجة من نتائجه، التي لا تخرج السلوكيات المتطرفة أو المتطفلة على السياسة والمتطفلة على الدين، أو المتسمة بالحياة الوطنية، أو التي تشكل خرقا للقانون الجنائي” .

قد يكون هذا مجرد إفراز للقرار السياسي وما يؤطره من مرجعيات فكرية وحسابات شخصية وظرفية، ترى بتشكيل الفرد المغربي وفق مجموعة من الضوابط المعتمدة في التنشئة الاجتماعية على تعاليم منهج الكمون، وهو منهج لا يسمح بالتدرج والتطور البشري على سلم الحضارة بشكل يقوم على قيم العدالة والحرية وتكافئ الفرص. وهذا لا يمكن قراءته فقط في المعطى التقليدي الذي ينص على أن إدراك سياسة الدولة في مجال معين يتم من خلال الغلاف المالي الذي ترصده لذلك المجال في ميزانيتها. ولكن قد يستشف من خلال الإمكانيات الخارجة عن الميزانية العامة لتنظيم نشاط يعمق التيه والإلهاء تحت شعارات فارغة من أي محتوى مثل العطلة للجميع !! أو المعرفة من أجل المعرفة !! أو الرياضة للجميع !!

فبرنامج العطلة للجميع قد رصدت الملايير التي كان بالإمكان توظيفها في إنشاء وتحديث البنيات و الكفاءات والجمعيات المعتنية بالطفولة والناشئين والشباب، وفتح آفاق جديدة أمامهم للاندماج في أوراش التنمية من خلال ربط دور الشباب والأندية النسوية ومراكز حماية الطفولة بالثقافة المقاولاتية المؤسسة على رقم الأعمال المدقق إسميا وإنتاجيا وإدماجيا. وهو مايقول به التوجه الجديد للوزارة ولكن في حدود علاقة الوزارة مع البنايات الإقليمية. في حين أن يجب أن يشمل دور الشباب والمنشئات الرياضية ومراكز حماية الطفولة والأندية النسوية. وكذا مع الشركاء الجمعويين والهيئات المنتخبة على الأصعدة المحلية والإقليمية والجهوية، فرقم الأعمال هنا لا يتجلى في الربح المادي الذي حققته مؤسسة من المؤسسات وإنما من خلال مقارنة المستوى الفكري والعلمي والمهاراتي والأخلاقي والنفسي والاجتماعي الذي كان عليه الشخص قبل التحاقه بالمؤسسة أو الجمعية، ومستوى التقدم الذي حصل عليه بعد مرور سنة من العمل وفق مقاربة الاعتناء بالشخص وبناءا على مناهج وبرامج تخضع علميا لآليات التقييم المؤسساتي. فالعمل وفق هذا الأسلوب من شأنه الرفع من مستوى الأداء على الصعيد الكمي وتأمين منتوجات قوية على منافسة المنتوجات المضادة والمسيئة لإرادة التنمية البشرية والتقدم الحضاري، والمكرسة لكل صفوف الاستبعاد الاجتماعي.

فالتعاقد مع هذه المؤسسات وفق هذه الضوابط من شأنه الحرص على تنفيذ التزامات طرفي العقد بشكل دقيق في تحقيق مشروع وليس مجرد أهداف. فوضوح التوجهات العامة للدولة وسياستها في مجال الشباب والرياضة يفرض أن يكون تنفيذ التعاقدات معتمد على قيم وضوابط الإدارة التي تؤمن دراسة التوجهات العامة، وتجمع الأهداف ذات التشابه أو التقارب أوالترابط التقني مع بعضها البعض، والعمل على دمجها في مشروع واحد، تحدد له خطة واحدة وأهداف محددة ومعايير إنجاز وبرامج متابعة وجدول تنفيذ وخطة تدريب واحدة، بالإضافة إلى هيكلة تنظيمية مندمجة تستطيع ترشيد القدرات والتكاليف البشرية والمادية والزمنية، كما تدعم جهود صياغة الرؤية الشاملة للعمل، وتوسيع من فرص النجاح والتفوق والقدرات التنافسية، ناهيك عن تقريب المسافة الحميمة بين العاملين في تدبير وإنجاز المشروع، والمتعاقدين بشأنه، ورفع كفاءاتهم وإنماء خبراتهم وتطور مهاراتهم التدخلية من خلال فرص تلاقي العديد من الخبرات الإدارية والتربوية والرياضية والفنية والثقافية والاقتصادية التي تستطيع تمكينها نسج خيوط المشروع مع بعضها البعض، سهولة المتابعة وإمكانية تكوين رؤية متجددة عن المؤسسة وعطاءاتها ومشاريعها بشكل عام. وتقييمها من خلال معايير للإنجاز دقيقة في مواردها ومراحلها، من لدن أشخاص يعملون بروح الفريق المتكامل من حيث التخصصات والمتوفر على الإيمان الصادق بقيمته النفسية وأهمية عمله، والتوفر على الرغبة في الإنجاز بوطنية صادقة، وإبداع متعدد ومهارات متنامية وثقافة إنجازية عالية.

لقد مر قطاع الشباب والرياضة من مراحل مجحفة منها مايتعلق بعلاقته بالسياسات الحكومية السابقة التي كانت تحرص على تضييق تدخلاته وتقزيم حجمه، وممارسة التقتير في وضع ميزانيته العامة، ناهيك عن البطش بتلك الإمكانيات والبطش بالعاملين في هذا القطاع والبطش بشركاءه، وانتشار العسف والمحسوبية والرشوة والزبونية في تحمل المسؤوليات بالنيابات الإقليمية والمصالح المركزية، مما ولد ونشر أحاسيس انعدام الثقة، وكرس تفضيل المصلحة الشخصية الضيقة ضد الصالح العام، ودعم نزعات الخمول و الكسل وعمق تفشي روح العداء والتنافس غير الشريف في إظهار فرد مستخدما كل ما يتاح له من أساليب لاقتناص حاجاته بشكل مشروع أو غير مشروع، داخل مناخ يجهض الأفكار وهي في مهدها بسوء نية أو بسبب الجهل. فالسائد داخل هذا القطاع هو أن ما تسمع من مسؤول ما ليس لدي وقت إطلاقا، أو أن يقول لغيره أن هذه الأفكار قديمة، أو يصرح بأن كل شيء على ما يرام وليست هناك أية حاجة للبحث أو التفكير أو التطوير والتغيير، أو يعمل على تغيير الأشخاص أو إقصائهم بناءا على وازع مصالحي أو عنصري أو حزبي بعيدا عن أي معيار مهني موضوعي. وهذا المناخ قد أفرز أحوالا نفسية لابد من التنبيه لها تتجلى في غياب الحب والتعاون وتفشي الفرقة والخلاف، وتكوين جيوب متحاربة كما يبدو داخل الإدارة المركزية وداخل العديد من النيابات. وتسلط المقربين من الوزير والذين تمكنوا من سكب رضاهم ونبذ الرأي الآخر وتعطل وثيرة العمل جراء الحسابات الخاصة أو نتيجة ضعف الكفاءة. الاعتماد على مكاتب الدراسات في التكوين والتأهيل وإعداد المشاريع وتهميش الكفاءات الذاتية للوزارة في البحث والدراسة والتكوين وإعداد المشاريع وتطوير الأداء، وتعميق ضعف ثقة الأفراد في أنفسهم وقتل الابتكار وضعف فرص النمو، والافتقار للاقتراحات وضعف المشاركة، وهو واقع يجب على كل دعوة للاعتزاز بالنفس والاعتزاز بالانتماء الوطني والمهني،إدراكه بعمق والعمل على اجتتاب عوامله وجيوب الغش والكسب على إيقاعاته. فالانتقال من علاقات التسلط والابتزاز إلى علاقات التعاون والتكامل، وسيادة المحبة والاحترام والتقدير، وتوسيع آفاق نمو القدرات وتفتق المواهب، وتحقيق الإبداع والابتكار. وإنجاز المشروعات بدقة عالية تفتح أمام الجميع إمكانية استشراف المستقبل من خلال استراتيجيات ومناهج وبرامج استباقية، وبقيادات إبداعية جديدة، وقوية على تدليل كل الصعوبات..

وهذا ما يحتاج إلى التخلي عن سلوكيات الاستشارة بعد اتخاذ القرار وتوهيم الآخرين بأن القرار لم يخذ بعد. وإعطاء الرئيس الحق لنفسه في عرض أرائه في بداية مستغلا الوقت وسلطة توزيع الحق في الكلام دون تحديد للوقت في حين يحدد الحصة الزمنية للآخرين وخاصة أولئك الذين يخالفونه بشكل تعسفي، وعدم إعطاء أي فرصة للآخرين من أجل الدراسة والتأمل وإبداء الرأي. فمن المثير للاستغراب هو أن ندعو في تعاملنا مع الشباب داخل التداريب والمخيمات التربوية، أن يكون قطاع الشباب والرياضة النموذج الأمثل لتطبيق الحوار والسلوك التشاوري والديمقراطية التشاركية بالإضافة إلى رحابة فضاء تواصل الآراء وتفاعلها في حين أن أجهزتنا الإدارية والمركزية والإقليمية تناقض هذا الأسلوب التربوي والإداري الفعال. فالعديد من المدراء ورؤساء الأقسام وأعضاء الديوان يمارسون والنواب بل وحتي في المفتشية العامة، من يتعامل مع قيم التشاور والتشارك بأسلوب انتقامي يقصد تحقيق مآرب خاصة. وهوسلوك يتناقض مع رسالة هذا القطاع ويقاوم كل إرادة تنشد تحقيق غاياتها عن طريق الابتزاز، وإبعاد الكفاءات القادرة على تدبير هذا القطاع وفق مناهج الإدارة الحديثة وقيمها المتمثلة في المرونة والقدرة المتواصلة على التطوير، وتقديم الابتكارات الجديدة لما يقدمه هذا القطاع عن منتوجات خدماتية تؤمن التنشئة الاجتماعية السليمة والتنمية البشرية الإيجابية. فبدل حث هذه الكفاءات أفرادا وجماعات على تقديم أفكار جديدة وجادة سنويا سواء فيما يخص مهارات العمل مع الأطفال والناشئين، أومهارات العمل مع الشباب والنساء، أو العمل مع الأشخاص في وضعيات صعبة، أومهارات تتعلق بالاستثمار في الرياضة من أجل الصحة أومن أجل الاقتصاد أومن أجل البيئة أومن أجل الأمن. وتحويلها إلى الحيز العملي الفعلي، واعتبارها في التقييم السنوي، وفي الترقيات والترشح لتحمل المسؤوليات، يتم الاستغناء عن هذه الكفاءات وحبسها في مكاتب الوزارة أو داخل النيابات الإقليمية، واستئجار مكاتب الدراسات ووكالات التنشيط لإعداد الدراسات وتنظيم اللقاءات التواصلية مقابل ملايين السنتيمات التي قد تفيد مرفقا خدماتيا من المرافق المعتنية بالرياضة أوالشباب أوالطفولة. ويبقى الأسلوب السائد هو أسلوب قتل الأفكار والمبادرات في مهدها وسيادة ثقافة الانتقام التي يمارسها النافذين في القطاع على بعضهم البعض استنادا نقولك الانتماء لحزب الوزير أو الادعاء يكسب رئيس ديوان الوزير أو أن له علاقة مع شخص له تأثير كبير على شخصية الوزير. وهي معاناة يعانيها قطاع الوزارة والهيئات الشريكة له وخاصة في مجال الرياضة حيث يتم تدبير إدارة العديد من الجامعات والعديد من مواقع تدبير اللجنة الوطنية الأولمبية على قاعدة تقديم أهل الثقة على أهل الخبرة والكفاءة.

فقطاع الشباب والرياضة يعاني من آفة قاتلة لما هي استباحة القانون الإداري والإفراط في استعمال السلطة التقديرية، فمنذ 1982 إلى غاية 2009 وإدارة هذا القطاع تستغل على وازع تقديم أهل الثقة على أهل العلم والكفاءة والأداء العالي المرتفع وهذا هو عمق تدني عطاء هذا القطاع، وتضاؤل حاضره، وصعوبة التنبئ بمستقبله. واستباحة القانون وسيادة النزوات الشخصية تنطلق من شعار أن الحياة الفردية لايمكن التحكم لحظاتها وأن احتلال مواقع التحكم والنفوذ داخل القطاع ليست مستقرة لذلك يجب اقتناص الفرص والبحث عن أهل الثقة، القادرين على صياغة صفقات الظلام والتحكم في تنفيذها بشكل لاتستطيع يد القانون الضرب عليها، أوكبح جماحها. فهل تستطيع الإرادة السياسية الجديدة المسؤولة عن هذا القطاع صياغة منخ يسوده الالتزام بالأمانة والموضوعية من لدن أفراد الإدارة المركزية وداخل النيابات والمصالح المدبرة بصفة مستقلة؟ وصياغة القرار اعتمادا على روح الفريق بعيدا عن الفردية والتسلط؟ والحرص على تدبير القطاع وفق حكامة جيدة يسودها القانون، في التفكير وتحديد الجدوى والتخطيط والتنفيذ والتقييم؟ وإنجاز معايير قياس وتقييم دقيق للموظفين، وتحديد مدة تحمل المسؤولية بسقف زمني محدد حسب طبيعة كل وظيفة. وخلق جسور للتواصل بين أجهزة الإدارة والموظفين واستخدام مبدأ التفويض وتوسيع نطاق العمل بأسلوب عدم التمركز على مستوى المصالح الخارجية، وتوظيف الإدارة الالكترونية في علاج القضايا وتنظيم الاجتماعات والندوات والتواصل بين أجهزة القطاع بشكل شفاف. وإذا كان من المتوقع فلاح الإرادة السياسية الجديدة في إنجاز هذه المتطلبات، فإنه من الصعب الجزم بأن اعتماد مجموعة من الأشخاص الذين أثبتت التجارب السابقة عدم قدرتهم على أي إنجاز اعتمادهم مرة أخرى من تحقيق التوجهات المتميزة للإرادة الجديدة لقيادة القطاع. والتي يطمح المغاربة إلى حرصها على النهوض بالقطاع وتحويله إلى مجال لتحصين الصحة النفسية لكل المواطنين وتأمين التنشئة الاجتماعية داخل كل فضاءات استثمار الوقت المعتنية بالطفولة والشباب والنساء. فهل آن الأوان لتوظيف التنشيط السوسيوثقافي في تمكين الشباب والناشئين من الثقافة المقاولاتية المتسمة بتنوع الاقتدارات المعرفية والمهارات الإنجازية على قاعدة الاعتزاز بالانتماء الوطني والحرص على تقدم البلاد، فكيف يمكننا تحويل مرافق هذا القطاع إلى مشاتل لرعاية المفكرين والمبدعين والفنانين والعلماء والأبطال الرياضيين وفق المعايير العلمية والأولمبية؟

    هل بإمكاننا إنشاء البنك الوطني لاستثمارات الشباب، المؤطر بقدرات تحرص على التأهيل والأحداث والعمل بشكل تشاركي بين مجموعة من الشباب والقطاع في مشروع إنتاجي معين، إلا أن يصبح أصحابه أقوياء على التدبير الذاتي الصامد في مواجهة التحديات والأزمات؟ 
    هل بإمكاننا الرفع من مستوى رياضة الأحياء والمداشر عبر تنظيم يستطيع رعاية مستهدفيها تربويا واجتماعيا ورياضيا بشراكة من جمعيات وفرق الأحياء وبشراكة مع قطاع التعليم والأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية المحلية والصحة والجماعات المحلية وفق مقاربة الإعتناء بالشخص. 
    هل بالإمكان تحويل مراكز النهوض بالمرأة إلى فضاءات لتنشيط الأسر وتربية وتعليم الآباء والأمهات، وتمكينهم من قدرات التواصل والتفاعل الزواجي والتربوي؟ 
    هل بالإمكان النهوض بمجال حماية الطفولة وتحيل الجهاز المدبر لها إلى مستوى مديرية متخصصة في الأطفال والناشئين والشباب في وضعية صعبة، تستطيع القيام بالتدخلات الوقائية والعلاجية والتأهيلية والإدماجية وفق مقاربة سوسيوتنموية متكاملة؟ 
    هل بالإمكان إعادة النظر في جهاز النهوض بالنساء من خلال تحويل مراكز التأهيل المهني والأندية النسوية إلى دور للتنمية البشرية، تنفتح على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المهتمة بالأسرة والمرأة وفق نظام شراكة يعتمد مناهج وبرامج تستطيع تحويل هذه المؤسسات إلى فضاءات قادرة على التواصل الإيجابي مع محيطها السوسيوتنموي عامة، والمساهمة في تشكيل المرأة الجديدة التي يحتاج إليها المغرب الجديد والأسرة المتماسكة المتشبعة بثقافة المقاولة المتخصصة في التنمية البشرية؟ 
    هل تستطيع تسويق هذه التطلعات بشكل يستطيع اقتناع أجهزة القرار السياسي والمالي والمؤسسات الاقتصادية الكبرى والحركة الجمعوية، وكل أفراد المجتمع بالانخراط المتمثل في الدعم القانوني والمادي والتقني لتحقيقها؟

إنها مجرد نماذج قليلة من التساؤلات التي تطرح على الباحث المتخصص والذي يعنيه قيام هذا القطاع بواجبه في النهوض بالسواد الأعظم من هذه الأمة، وحمايتهم ضد الاغتراب، وتحصينهم ضد كل صنوف التفكير في الهجرة الشعورية واللاشعورية، الرسمية والسرية، وتحصينهم ضد الإرهاب والتطرف، والعزوف عن المشاركة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ووقايتهم ضد سلوكيات الانحراف والجنوح والإجرام. وتحريرهم من هيمنة ثقافة التبعية والانتظارية، ومخاصمة العلم والتعلم وإلغاء الفكر والتفكير. وهي تحديات تفرض علينا الحرص على رفع الكفاءات البشرية للقطاع ولشركاءه فكرا ومهارة وإرادة. لنستطيع معرفة الحقائق والأسباب المكونة لتلك التحديات والفاعلة والمؤثرة فيها، وإدراكها بنظرة مستقبلية، ذلك لأنه لم يعد مسموحا لنا برفع شعارات مثل التنمية من أجل التنمية، أو المعرفة من أجل المعرفة، لأن التنمية والمعرفة والتقدم بالنسبة لنا يرتبط برؤية ورسالة مجتمع ودولة تحفز على التفكير وتوليد الفكر الجديد المبتكر والمبدع، ولاتقبل الخنوع والخضوع والتبعية وتقليد الآخرين. ولعل من أهم مقومات رسالتنا داخل هذا القطاع هو أن تمكن الأطفال والناشئين والشباب والنساء وعموم المواطنين من قدرات التفكير والإنجاز والكسب الشريف وتعتق رقابهم من التسول والاستجداء والاتكالية، فتعليمنا لشخص زراعة القمح أفضل لنا من أن نعطيه قنطار قمح أو سلة خبز، لأننا بتعليمه الزراعة والصناعة والتجارة والإبحار سنمنح للمغربي الكثير من فرص الإنتاج والكسب الشريف ويحميه ويحمي المجتمع من الموت النفسي والاجتماعي. وهذا يحتاج إلى كياسة علمية ومهنية متبصرة، حيث أن المستقبل وما يحمله من تحديات لايسمح بالعبث بما يتيحه الحاضر، ويعتبر جريمة في حق مستقبل المغرب وأجياله الصاعدة.

لذا فالواجب الوطني للدولة نحو هذا القطاع، الذي يعتبر من أهم قطاعات التربية والتكوين، هو تبني خطاب وزير الشباب والرياضة في المجلس الحكومي واعتباره جزء من المخطط الاستعجالي للنهوض بقطاع التربية والتكوين، وذلك بالعمل على الدعم الكمي والنوعي لموارده البشرية وبنياته التحتية ليستطيع تحصين الأطفال والناشئين والشباب ضد الفراغ والاستبعاد الجماعي، من خلال استثمار أكبر مساحة زمنية في الحياة اليومية لهؤلاء، وهي مساحة لاتستطيع الأسر والمدارس والإعلام تغطيتها، ولا يستطيع الأمن وقاية المجتمع ضد أخطارها، لكن المربي في الملعب والنادي والشارع ومندوب الحرية المحروسة الدائم والمتطوع والمنشط السوسيوتنموي المحترف لديه كل إمكانيات التدخل والإنتاج والمشاركة في تدبير الشأن العام. إن قطاع الشباب والرياضة من أهم القطاعات الإنتاجية المتخصصة في التنمية الإنسانية، وليس مجرد قطاع للتنفيس وامتصاص الغضب- كما يحلو للبعض تصنيفه-، فهل تستطيع الإرادة الجديدة لهذا القطاع التحرر من أسباب تخلف الماضي ورفع تحديات الحاضر والمستقبل؟