Accueil / Non classé / فن إدارة الانسان

فن إدارة الانسان

 

Auteur: محمد ياسين العشاب

بقلم: محمد ياسين العشاب

مر الفكر الإداري بمراحل عدة تركزت الاهتمامات خلالها على الجوانب المادية دون الالتفات إلى العنصر الإنساني، رغم أنه في الواقع هو العنصر الذي يحرك العمل الإداري ويتحكم في سيرورته ودفعه إلى النجاح أو الإخفاق، وأي إخلال بمتطلباته الحيوية وعدم مراعاة لجوانب حياته يؤدي بالضرورة إلى الإخلال بالآلة المحركة للوحدة الإنتاجية، والإدارة كيفما كانت تضم مجموعة من الأشخاص الذين لهم دوافعهم واتجاهاتهم النفسية وشخصياتهم وانفعالاتهم وقدراتهم الخاصة، كما أن الإنسان عموما هو الهدف الرئيسي المقصود للتنمية، وهو العمود الفقري للأعمال ومدى كفايتها ونجاحها.

بالتالي فإن المجتمع الإداري يظل في واقع الأمر مجموعة من الأشخاص والبنيات البشرية التي أنيطت بها مجموعة من الأدوار والوظائف، وهذه البنيات البشرية التي تُكَوِّنُ الدولةَ ومن ثم إدارَتَهَا تتجاوز الشخصية المعنوية لتبقى في النهاية مجموعة من أشخاص ذاتيين لهم عقليات وطموحات ودوافع وأهداف تختلف من شخص لآخر ومن مجموعة لأخرى، وعليه يتحتم على من أراد مقاربة الظاهرة الإدارية المرور عبر مقاربة ومعاينة العامل البشري الكامن داخل الظاهرة الإدارية.

إلا أن معاينة العامل الإنساني لا تكون ذات أهمية حقيقية إلا عند مراعاة أمرين أساسيين:

1/ ضرورة القيام بدراسة تفسيرية لمعطيات واقعية عن السلوك البشري، ومختلف العوامل والمحددات الشخصية والبيئية المؤثرة فيه، فمثل تلك الدراسة تمكننا من رصد العوامـل الإيجـابـيـة والـجـوانـب السـلـبـيــة ضـمـن الـمـحـــــــددات الـمـؤثــرة، وبـالـتـالـي إمـكـانـيــــة تجنــب الجـانـب السلـبي، ودعـم الجانـب الإيجـابي إن أمكـن، ومثـال ذلـك مـا أثبـتـته الدراسات من أهمية الحوافز على الروح المعنوية للموظفين مما يدفع بهم لمزيد من العمل وبالتالي ارتفاع المردودية، كذلك فإنه في حالة ارتكاب الموظف لخطأ ما فإن المشكلة الحقيقية تتجلى في بعض السلوكيات المحددة التي يقوم بها هذا الموظف نتيجةً لمؤثرات مختلفةٍ داخلية أو خارجية، وهي سلوكيات يمكن بالاعتماد على دراسة المحددات علاجها بسهولة.

ومثال الجانب السلبي ما تؤدي إليه ظروف العمل المرهقة كطول ساعاته وسوء توزيعها من تأزم نفسية العاملين وبالتالي انخفاض المردودية، بحيث يمكن الاستفادة من مثل تلك المعطيات لتجنيب العاملين أسبابَ التعب، وتوفير الأجواء المناسبة للعمل أمامهم، الأمر الذي يمكنهم من تجاوز العقبات النفسية التي تحول دون العمل الجيد في ظروف أحسن. 2 / دراسة العلاقة التي تربط السلوك البشري بالنظرية الأخلاقية، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تحديد للمؤطرات السلوكية بناء على المرجعية الأخلاقية العامة، ومحاولة تجاوز التفسير المجرد إلى دراسة ما يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني بصفة عامة، والسلوك الإنساني الإداري بصفة خاصة، فالنظرية الأخلاقية لا ترى في المحددات السلوكية حتميات لا يمكن التحكم فيها وتوجيهها، و بالتالي محاولة خلق تصور جديد لإدارة محدَّدةٍ بمعايير أخلاقية تحكم سلوكيات العاملين بها.

لقد عانـت الإدارة الحديثـة من مشاكل وأزمـات عديدة يـتـم البحـث في أسبابهـا وإيجـاد حلول لها في الغالب من خلال التأطيـر القـانـونـي، وإحـداث تعـديــلات علـى مستوى النصوص القانونية التي لا تبيح الشفافية الإدارية إلا في حالات محددة على سبيل الحصر، وإعادة النظر في النصوص التشريعية والتنظيمية والهيكلة الخارجية والداخلية للإدارة، والاهتمـام كذلـك بالجانـب السلوكي للموظفيـن من خـلال بعض المعطيات كالتحليل والتفسير ودراسة التوجهات والدوافع وما إلى ذلك.

و لاريبَ أنه كان لظهورِ مختلف تلك الدراسات التي تهتم بالسلوك البشري تأثير واضح على الاهتمام النسبي بالجانب الإنساني، لاسيما بعد تفاقم المشكلات التي نشأت عن العلاقات الصناعية، فقد اقتضت الضرورة التعرفَ أكثر على لغة ومؤثرات السلوك الإنساني نظرا لتفاقـم المشاكـل التي نجمـت عن ترجيـح كفـة الدراسـات القانونيـة والاهتمام بالجانـب الفني والتقني للعمل، لذلك ظهرت للوجود مدرسة العلاقات الإنسانية التي تعتبر الإنسانَ مخلوقا اجتماعيا تدفعه في عمله عدة محفـزاتٍ وحاجـاتٍ إلى جـانـب الأجـر، و تسعى إلى إشباعِ الرغبات النفسية والاجتماعية للموظفين بهدف الحصول على مردودية عالية.

والعلاقات الإنسانية هي تلك العلاقات التي تنطوي على خلق جو من الثقة والفهم والاحترام المتبادل بين الإدارة وأفراد القوى العاملة بهدف تحقيق الأهداف بكفاءة وفاعلية، والعامل الإنساني هو الأساس الجوهري الذي تقوم عليه الإدارة السليمة للقُوى العاملة، فالعاملون بشر لهم عواطف وقيم ومشاعر واحتياجات. هذا يعني أن علماء الإدارة قد بدءوا يولون اهتماما خاصا بسلوك الإنسان الشخصي والجماعي داخل الوحدات الإنتاجية، لأن الإنسانَ كما أنه يتميز ببناء شخصيٍّ محدد، فإنه أيضًا عضوٌ في جماعة أو جماعاتٍ عدة أو جماعة الوطن، وبناء عليه يرى الدارسون بهذا الشأن أن سلوكَ الإنسان هو بمثابة خلاصةٍ ونتيجةٍ لهذه العواملِ وتفاعلاتها، الأمر الـذي أدى إلى الاهتمام بالعلوم التي تُعنَى خصوصا بالتفسير العلمي للسلوك البشري ودراسة العوامل المختلفة التي تحدد هذا السلوكَ وتؤثر فيه.

ومنطلق هذه الدراسات ـ دائما ـ أن السلوك البشري عموما وإن كان في بعض صوره سلوكـا مستـجـدا، باعتبـاره يحدث للإنسـان ويطـرأ عليـه، فيصدر عن الشخص لأول مرة، أو كان سلوكا متكررا معادا بصورة تكاد تكون صورة طبق الأصل أو قريبة ممـا سـبـقـهـا، فإنــه يستنـد في جميـع الأحوال إلى “أوليـات” أو”محددات” ينشأ عنها ويرجع إليها، وعلى هذه الأوليات أو المحددات تدور مختلف النظريات والفلسفات والأبحاث منذ أقدم مراحل الفكر البشري حتى الآن، وجلها تهمل الجانب الأخلاقي. فالسلوك يظل محور الدراسـات بجميـع أنواعـهـا، الأمـر الـذي يفسـر كـثرة النظريات المفسرة له، إلى درجة أنها أصبحت مصدر حيرة وتردد للكثيريـن نظرا لما تقدمه كل منها من حجج وبراهين مختلفة ومتضاربة، بل ربما تكون نظرياتٍ جديدةً قد نجدها بصيغة أو بأخرى في نظرياتٍ ظهرت قبلَها بمئات السنين، منذ أرسطو وأفلاطون ومن أَخَذُوا عنهم أو تأثروا بهم كابن رشد وإخوان الصفا وابن خلدون وغيرهم.

ويبقى التساؤل مطروحا حول القيمة العلمية لمثل تلك الدراسات التي تعتني أساسا بتفسير السلوك البشري حسب المحددات الشخصية أو البيئية، دون الاهتمام بالكيف الذي ينبغي أن يتبلور عليه ذلك السلوك، فالدراسات التفسيرية لا تضع في حسابها إلا الواقعَ السلوكيَّ الذي تَكَوَّنَ نتيجةَ لتجمع عدة عوامل تأثيرية داخلية وخارجيـة كما هو

وكما صاغَته الظروف، الأمر الذي يطبعها بطابَع المحدودية نظرا لعدم تأثيرها في السلوك البشري عامة والإداري خاصة، فالتفسير لا ريبَ أنه يساعد في خلق تصور عام عن طبيعة السلوك البشري يساعد حتما في خلق تصور خاص عن طبيعة ما ينبغي أن يكون عليه مستقبلا، إلا أن الاقتصارَ عليه لا يساعد كثيرا في التقدم بالسلوك الإنساني، واضرِب لذلك مثلا دراسةُ عوامل الدين والأخلاق والقيم كمحددات مؤثرة على السلوك البشري، دون محاولة جادة لدراسة تلك القيم في حد ذاتها وما تتطلبه من إصلاحٍ أو تغيير. فالقيم قد تتواجد داخل المجتمع بشكل معين، إلا أن نسبةَ التأثر بها تتفاوت وتختلف من إنسانٍ لآخر، فلا يمكن أن نبني على تواجدها حكما عاما، وإنما ينبغي البحث في أسباب عدم التفاعل معها وما يمكن أن يكتنفها من نقص قد يكون سببا في الابتعاد عنها أو قلة التأثر بها. إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا أن نجعل من السلوك فعلا أخلاقيا؟ وهل يمكن تجاوز قواعد النمط المعرفي الحديث الذي يحول دون ذلك؟

إن “السلوك” باعتباره تفكيرا أو عملا يقوم به المخلوق ويتجه به وجهة معينة قد توصله إلى هدف أو تقربه منه، يستلزم منا الاهتمام به نظرا لأنه المحور الأساسي في كل إصلاح منشـود، إلا أن مثل هـذا التعريـف لا يقتضي أبدا أن نفصل نظريـة السلـوك البشـري عن الجانـب الأخـلاقي، لأن الأخلاق هي مجموعة من القواعد والقوانين الصالحة لتوجيه النشاط الحر والإرادي للإنسان، فدورها بالتالي يتلخص في تقويم السلوك الإنساني وتوجيهه نحو الفضيلة، وهو مُعْطًى بالغُ الأهمية يمكن استثماره بوضوح في ميدان السلوك الإداري، ولا يمكن أن يتـأتى ذلك إلا بتجنيب الدراسة العلمية حول هذا الباب بعض أصول النمط المعرفي الحديث التي تُرَسِّخُ آفةَ الانقطاع عن القيم الأخلاقية.

إن الاعتماد بشكل مطلق على بعض القواعد العلمية يؤدي إلى أمر شديد الخطورة، عندما تشكل جدارا منيعا قد يحول دون الاعتماد على أي معنى أخلاقي، وقد لاحظ أحد الكتاب العالميين “دين كيث سايمنتن” أن عدد البحوث التي تتناول مسألة العلاقة بين الأخلاق والقيادة قليل بشكل يثير الدهشة، لأن النمط العلمي والانتهازية التي تكاد تطفو على السطح وتتصف باستغلال الناس والظروف وتسعى للمنفعة الشخصية لا تُدْخِلُ المعاييـر الأخلاقية في حسابها، وتترفع على قاعدة أخلاقية بسيطة على مستوى القيادة مفادها أن الخير ينزع نحو تربية الخير، وأن الشر يتوالد عنه الشر.

وما أهمل العالم الحديث هذا الجانب إلا بسبب ما أحدثته الثورة الصناعية في أوربا من شيوع فكرة سيادة الآلة وتفوق دور التقنيـة على دور الإنسـان، وقد واكــب ذلك تغيُّرٌ جذريٌّّّ في المفـاهيم الفلسفيـة الشائعة أدى إلى تغييب الفلسفة الأخلاقية على ما لها من أهميـة بالغـة، والاهتمـامِ المتزايدِ بتطوير التقنيـة مقـابـل إهمال الاهتمـام بالقيـم. ومن جهة أخرى فقد واكب ذلك امتداد القواعد العلمية التي اعتُمِدَتْ أساسا في مجال العلوم النظرية إلى مجال العلوم العملية، لينتقل العمل بها بعد ذلك إلى المجالات غير العلمية وغير العملية، الأمر الذي جعل الباحثَ في أي مجال من تلك المجالات يعتقد بمشروعية الانفصال عن القيم الأخلاقية، لأن اعتماده علي تلك القواعد العلمية بشكل تلقائي يؤدي به إلى اعتبار كلِّ إشارة إلى مبدأ أخلاقي أو قيمة معينة تطفلا إيديولوجيا وخروجا عن الموضوعية.

وعندما ندرس السلوك من خلال الظاهرة الأخلاقية فإننا نستعمل مصطلح السلوك الإنساني، لأننا بهذا الصدد نخاطب الجانب الإنساني للإنسان، وهو جانب تهيمن عليه معاني السمو بالنفس وتجاوز الاهتمام بالمعاني الجسمانية، بينما نستعمل مصطلح السلوك البشري عندما نتحدث عن اللغة والمؤثرات التي تتحكم فيه، باعتبارها لغة ومؤثرات مشتركة بين البشر، وهي مؤثرات يهيمن عليها الحضور الجسدي والمحددات النفسية ذات النتائج الحتمية، فلا ينبغي الخلط بين المصطلحين، أو الاهتمام الزائد بالسلوك البشري على حساب السلوك الإنساني، فإن ذلك لن يؤدي إلى تحسين وضعية الإنسان داخل الوحدات الإنتاجية.