Accueil / Non classé / أبعاد البحث الجغرافي في المجال القروي

أبعاد البحث الجغرافي في المجال القروي

 

Auteur: عبد الغني بقاس

أبعاد البحث الجغرافي في المجال القروي

جرت عادة الباحثين أن يحددوا الجدوى من بحوثهم، لأن جدوى أي بحث علمي رهين بما يقدمه من منافع للبشرية. فما جدوى البحث الجغرافي في المجال القروي؟ سؤال يرغمني على طرح سؤال أعم منه وهو: ماجدوى البحث الجغرافي عموما؟ هل “هدف الجغرافيا هو معرفة الأرض من حيث خصائصها؛ دون البحث والتعرض للعناصر المكونة لهذه الخصائص منفردة ” ؟ وماذا بعد معرفة خصائص الأرض؟ أم أن ” الجغرافيا علم بشري … يهدف إلى إبراز ومحاولة تدقيق طبيعة وكثافة العلاقات والروابط التي تطبع حياة المجتمعات البشرية وتكيفها ” ؟ وماذا بعد هذا الإبراز وهذا التدقيق لمختلف العلاقات الإجتماعية؟ فالمعرفة والتدقيق ما لم يعززا بالتطبيق؛هما عبارة عن سجلات نظرية مبوبة ومفصلة ومعنونة. وهو ما اعترف به P.George حينما قال: “ولا يمكن للجغرافيا أن تكون ذا نفع إذا لم تكن علما تطبيقيا ” .

لا بد لذوي القرار أن يشعروا بضرورة استشارة الجغرافي في كل مشروع تنموي، ولابد للجغرافيين من ” نهج سبيل الإلتزام في دراساتهم وأبحاثهم التي لايجوز أن تظل أكاديمية صرفة، بل ينبغي أن تساهم بقوة في عملية التنمية، وذلك بممارسة الباحث للميدان والإحتكاك بالواقع والعمل على الملموس، ودراسة أحوال الناس وما يهمهم في حياتهم اليومية، حتى يؤخذ البحث الجغرافي مأخذ الجد من طرف المسؤولين على اختلاف مستوياتهم، ويغدو أداة إيجابية وفعالة تساهم في صنع القرارات التي تؤثر في إطار الحياة وترهن مستقبل الأجيال” . البحث الجغرافي في العالم القروي ما هو إلا فرع من البحث الجغرافي عموما، إلا أنه من المفيد الإشارة إلى أبعاد أخرى تخص البحث الجغرافي في هذا المجال.

إن البحوث المهتمة بالمجال القروي لايكفي أن تكون بحوثا وصفية استطلاعية؛ لأن جدوى هذا النوع من البحوث ينحصر في جمع معلومات من شأنها أن تثير تفكها لدى القارئ، إما من مستويات معيشية أو تكيفات خاصة أوعادات وتقاليد غريـبة. وفي أقصى جدوائية هذه البحوث فإنها كانت تقدم للمستعمر كورقة تعريف مفصلة، تحت ستار الإكتشافات الجغرافية؛ تمكنه من اختيار الأساليب الناجعة لإنهاك ما خصب من التربة، واستنزاف ما توفر من مواد أولية، واستغلال ما تقوى من أيدي وعضلات، وحتى أدمغة بشرية؛ بمعنى أن الجغرافي كان هو مدشن حلقات المسلسل الإمبريالي بدء بالحلقة التبشيرية ثم التجارية ثم العسكرية ثم الإدارية ” فبقيت أطروحات هذه البحوث مرسخة ومستهلكة من طرف الكثير من الجغرافيين المغاربة ” . لكن البحوث المجدية هي التي تهتم بالدراسة التحليلية – التركيبية للمجال القروي، باعتبار الأبعاد المصيرية التي تتعلق به؛ أذكر منها ثلاثة:

المجال القروي والأبعاد السوسيواقتصادية:

إن المعرفة الدقيقة للواقع الإجتماعى والإقتصادي للمجال القروي؛ من شأنها أن تنير الطريق لكل محاولة جادة تسعى إلى تطويرهذا الواقع والدفع به خطوات إلى الأمام، فيعم النفع، لا البادية فقط، وإنما المدينة أيضا، لأنه ” كلما تضررت البوادي من جفاف أوغيره، وكلما تضررت حركتها إلا وخمدت الحياة الحضرية وسجل ركود الإنتاج الصناعي وكساد العمل التجاري وقلة الرواج التجاري” .

كثيرة هي المشاكل التي تتخبط فيها المدن وحلها بالبوادي المحيطة بها . وأضرب لتوضيح ذلك ثلاث أمثلة من واقع مدن رئيسية مغربية استفحلت مشاكل بواديها إلى حد الإنفجار؛ وهو التمرد الجماهيري بالدار البيضاء في 1981 الذي جاء انفجارا مبكرا لجفاف السنة الأولى من السنوات العجاف التي شهدها المغرب خلال الثمانينات، تلاه التمرد الجماهيري بمراكش في يناير 1984 ، تم بفاس في 1991 بنفس الدوافع.

وأما ما سوى هذه الأمثلة الثلاثة البارزة؛ تبقى الأوضاع قابلة للإنفجار كلما اشتد الضرر بالبادية، ارتباطا بظروفها البيئية، في ظل التهميش الناتج إما عن جهل هذه البيئة أوتجاهلها، ولذلك صدق من قال بأن الفقر هوالحليف الأول للبدو وأن الجوع هو حليفهم الثاني .

المجال القروي والأبعاد السياسية:

إن سياسة القضاء على الإنتماء القبلي وتعويضه بالإنتماء الإداري ليست سياسة اعتباطية، وإنما هي مستنبطة من دروس التاريخ، قصد تكسير شوكة التحالف القبلي ضد السلطة المركزية، لكنها سياسة اعترضت بمشكلتيين على الأقل: -* كون هذا التشتت القبلي لم يعوض بوعي وطني ناضج، الأمر الذي جعله تشتتا يسير وفق المسار الذي كانت تتطلع إليه القوى الإستعمارية.

  • الرغبة في كسر التحالف القبلي، عكست بتشجيع المواطنين على الإنخراط في الأحزاب السياسية ( وأحيانا بإرغامهم على ذلك)، ومعلوم أن الأكثرية القروية لا تفهم من هذا التحزب السياسي إلا لكونه يتم حول شخصية قبلية مرموقة، دون فهم توجهه الحزبي، وهكذا أصبحت الأحزاب السياسية تغذي، بوعي أو بدون وعي، البنية القبلية في البوادي، أما حينما تنقسم القبيلة على نفسها بين أحزاب سياسية؛ فإن التنافس غير الناضج بينها يؤدي، في حالات كثيرة، إلى عرقلة كل مشروع تنموي نافع للجميع.

المجال القروي والأبعاد الوحدوية-الحضارية:

إن المجال القروي يعتبر محرك التاريخ العربي- الإسلامي غير ما مرة، بل إن المجال القروي هو أصل الدولة حسب ابن خلدون: “فالبدو باقتصارهم على الضروري في أحوالهم، يكونون أقرب إلى الشجاعة والخشونة، مما يجعل الصراع بينهم وبين الحضر، المعتنين بحاجيات الترف والملذات والإستكانة وراء الأسوار، صراعا محسوما لصالح البدو فيؤسسوا دولة جديدة تقوم على العصبية والقوة ” .

هكذا يتحرك التاريخ بين حدي البداوة والتحضر، وهي فلسفة تاريخية وجهت لها مجموعة من الإنتقادات كاعتبارها ” فلسفة مغلـقة خالية من كل تطلع أو استشراف مستقبلي ” ، وأكثر من ذلك فإنها ” نظرية تجزم في القول بالتخلف الذاتي للعرب، وهذا قول يـبعد عن العلم والواقع وسيرورة التاريخ …. إنها عودة للقول بطبائع ثابتة للشعوب ” . هذا إذا سلمنا بأن البداوة صفة بنيوية للعربي، وتعني تخلفه السوسيواقتصادي، إلا أنه طرح غير صحيح، خاصة وأن البداوة أصبح يحافظ عليها بقرارات حكومية؛ كالصين مثلا حيث المجتمع الصيني بدوي بنسبة 70 % ، إلا أنها بداوة تخطيطية لإنعاش البوادي ومنع أو تقليص الهجرة نحو المدن، وليست بداوة تخلفية.

كذلك لايصح اعتبار الدولة الاسلامية ذات أصل بدوي ؛ لأن الدولة الإسلامية انطلقت مما حُوّل اسمها ( المدينة المنورة) بل وعانت من هجومات البدو، حينما كانوا كفارا، كما عانت ثانيا من ممارساتهم التعجيزية والمعرقلة للفتوحات الإسلامية الأولى، بعدما دخلوا في الاسلام، فهم المعروفون في النصوص القرآنية والحديثية بالأعراب . أما وطنيا، فإن البداوة حركت فعلا التاريخ المغربي منذ الأدارسة إلى العلويين، ولعل دلك هو مادفع ابن خلدون في مقدمته إلى القول بالأصل البدوي للدولة، خصوصا وأنه عاش (732 هـ- 808 هـ) في عهد دولة ذات أصل بدوي(المرينيين)، مستفيدا من مرور تجارب لدول بدوية أخرى كالمرابطين والموحدين.

ورغم استبعادي الكبير لقيام دولة بدوية جديدة، فإن الدراسة الميدانية أثبتت وجود حنين مترجم على شكل افتخار بالدولة المرابطية، مثلا، من طرف المرابطين ، إلا أنه يلاحظ أن هذا الإفتخار لا يعني التطلع الى إمارة أو زعامة، وإنما اقتصر على الإفتخار بالأصل المرابطي الشريف ، لكن هذا لا يعني أن السذاجة السياسية للبدوي قد زجت به في أذران الذل والصغار، فهو وإن لم يتقن الضوابط السياسية، فهو شديد الإنفعال، سريع الرد على كل ما من شأنه أن يهين كرامته، وخير دليل على ذلك؛ الرد السريع للمقاومة المسلحة المنطلقة من البادية المغربية ضد الزحف الإستعماري الفرنسي والإسباني، ولا ينبغي فهمه ردا انفعاليا أقل نضجا، بل قـادَتُه (محمد عبد الكريم الخطابي، موحا أوحمو الزياني، الهيبة ابن ماء العينيين…)؛ أولى بفهم واقعهم. كانوا يعلمون أن الزحف المسلح بالحديد لا يعقل مواجهته بزحف مسلح باللسان، كما كانوا أولى بفهم مرجعيتهم الدينية ” فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ” وأيضا ” وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ” .

ولعل هذه المعطيات هي مادفعت بعض الدارسين الى تعريفه البداوة بقوله ” البـداوة هي مستودع الـوحدة العربية ” . لكن الجابري يرى بأن التخلف التاريخي للعرب راجع إلى وجود ما أسماه بجرثومة أبدية تتمثل في القبيلة التي بقيت حية في النفوس منذ زمن الدعوة الإسلامية وحتى عصرنا الحاضر، لذا يجب تحويل القبلية حسبه إلى لا قبيلة، أي إلا تنظيم مدني سياسي اجتماعي .

إذا كان هذا الطرح صحيحا، لماذا استطاعت قبيلة صنهاجية (المرابطين) توحيد المغرب وموريتانيا وجزء من الجزائر، ودافعت على الوجود الإسلامي بالأندلس؟ وما استطاع الوعي السياسي اليوم للمغرب أن ينقذ أراضي مغربية بدون منازع؟ كما أن روح القبيلة لم تحل دون وحدة الهدف بين زعماء المقاومة المسلحة بالمغرب أوائل القرن العشرين؛ فتلك قبائل الريف؛ والأخرى قبائل زيان؛ والثالثة قبائل الصحراء، الكل ثار ضد الإهانة الحضارية والإستغلال الإقتصادى.

وتمشيا مع اعتبار أن العرب كان يحركهم التعصب القبلي، لماذا ساد العرب يومها كان (الوعي القبلي) يدكي نفوسهم؟ وما زادهم وعيهم السياسي اليوم إلا حرص كل سياسي على رقعته الوطنية المحدودة؟ معتبرا كل ما يجري وراء حدوده أمرا داخليا يحرم التدخل فيه حسب الشرعية الدولية !

لنأخذ حوز مراكش كمثال مصغر للمجال المغربي، لنرى من خلال تكيفات قروييه نوعية همومهم الرئيسية: هل هو السعي إلى تكوين وحدة عربية إسلامية؟ أم تكوين دولة مغربية جديدة؟ أم الإحراز على منصب سلطوي سام؟ أم الحصول على وظيفة رسمية؟ أم الحصول على فرصة تشـغيل كيفما كانت؟ أم تكوين عش أسروي طالما منعته السلطة المحلية من التستر تحت سقفه قصد ” المحافظة على التجمعات السكنية وصيانة الهندسة المعـمارية العربية-الإسلامية ” ؟ أم أن همه الرئيسي هو التجول في السوق الأسبوعية، متعمدا تأخر مجيئه إليها إلى حين يجد باعة الخضر في استعداد للرحيل، ليلتقط ما ترفع المشترون المبكـرون عن شرائه منها، فيرجح محظوظا إلى أبنائه لتهيئ وجبة خضروية أسبوعية؟

ليس من المعقول الحكم بأن هما من هذه الهموم هو الذي يشغل بال القروي بحوز مراكش، لكن يمكن الجزم بأن النسبة الكبيرة هي التي تهتم بالمشاغل المادية، علما بأنها تجعله، أحيانا كثيرة، يفكر في حلول سياسية جذرية لواقعه المضني مثل التي أشرت إليها سابقا، إلا أنها لا تقوى أن تشكل هما من همومه الرئيسية، لأنه يعترف بعدم استعداده الفعلي لأي تغيير مخيف العواقب، فهو متشوف للواقع المتغير دون شهود مراحل تغييره. لذا فإنها تبقى هموما ومطالب انفعالية غير رزينة فجرتها المعيشة الضنكة. بل أغرب من ذلك هو حينما تجد الحوزي يتطلع بشغف إلى كل دعاية تروج ؛ من مثال أن أراضي الدولةSODEA أو SOGETA قد سلمت للأمريكيين أو الفرنسيين أو اليابانيين.لا يعنيه أسلمت في إطار استثمار أجنبي أو في إطار حماية أو حتى استعمار، فغايته هو أن يمارس عملا بدون توقف. كما أنه من المؤسف في هذا الصدد أن يعترف المسنون بأيام زاهية كانوا فيها منشغلين بأعمال منظمة ومتقنة، أياما كان بطلها هو الفـلاح المحنك كما يزعمون (المستعمر)، يتحدثون عن تلك الأيام ورؤوسهم ترسم حركة دائرية، متنـفسين الصعداء؛ تأسفا على مرور أيام (استعمارية)!!! إنها حقيقة مرة، أفرزتها المفارقة الواضحة بين أيام استعمارية ازدهرت فيها ضيعات عصرية، تشغل أعدادا كبيرة من العمال، وحتى العاملات، وأيام استقلالية تحولت فيها أغلب هذه الضيعات إلى ساحات شبيهة بالمقابر، بعد اقتلاع أشجارها وترك كومات من التراب مكانها.

إن التكيفات الحالية للحوزي، يبدو من خلالها تضخيمه لوسائل وطرق كسب لقمة العيش، دون اعتبار لانعكاساتها، ولو كانت على حساب مواطنته ، أو حدوده الشرعية . مما ينذر بتكوين مواطن سلبي لوطنه ولدينه. لذا فإن تكيفاته تعد رسالة مفتوحة لكل مهتم بمصير العالم القروي، لعله يعجل بكل ما يمكن أن يتخذ من إجراءات تجعل القروي مواطنا صالحا، إن العالم القروي، إن لم يكن باستطاعته حاليا تشييد دولة جديدة، فإنه يستطيع التأثير سلبيا في أسس الدولة القائمة، إن لم تعالج قضـاياه بجـدية .

في هذا الإطار الشمولي يجب فهم الإجراءات التي قامت بها الدولة المغربية للتخفيف من الإكراهات التي يعاني منها عالمها القروي، من أهمها طرح “إستراتيجة 2020 للتنمية القروية” والتي تعني مجموعة من الطرق الحاسمة لتحقيق مشروع ذي طابع شمولي، من خلال جعلها التنمية القروية من أولويات التنمية الوطنية، فاهتمت بمحاور رئيسة أهمها:

  • الاهتمام بالخدمات الاجتماعية للقرويين ؛ من أجل تحسين الواقع التعليمي والصحي والسكني.
  • تنظيم الأنشطة الفلاحية وغير الفلاحية ؛ من أجل رفع الإنتاجية الفلاحية وتنويع فرص التشغيل في الأنشطة الموازية.
  • تحسين مستوى التجهيزات الأساسية، وإنشاء أقطاب جديدة للتنمية في المراكز المحيطة بالمدن الكبرى، وتدبير التقلبات غير المتوقعة كالجفاف ؛ للحد من مشكل الهجرة

عبد الغني بقاس