Accueil / Non classé / الشباب المغربي وصراع البيئة الاجتماعية

الشباب المغربي وصراع البيئة الاجتماعية

 

Auteur: إسماعيل الحمراوي

’’البيئة الاجتماعية مرتع الصراع والصراع مدخل العلاقات الاجتماعية’’

لقد عرفت العلاقات الاجتماعية تغيرات نوعية إن على مستوى البنية أو على مستوى الشكل فقد تحول المكون الاجتماعي من بنية قريبة التصنيف إلى بنية متسعة الهوة وتبدد الشكل من منظور سطحي إلى منظور عميق…فترتب عن ذلك تشكل صراع بين بنيتين فوقية وتحتية بيد انه لا يغدو أن يكون صراع من اجل التغيير…

إن الطاهرة الاجتماعية المغربية اليوم أصبحت تواكبها معايير ذاتية وموضوعية وأصبح لدى الشباب المغربي حيزا ضيقا لمواجهتها خصوصا مع تدهور العلاقة بينه وبين مكونات المؤسسات الاجتماعية، وارتقى من مستوى المشارك في صناعة الظاهرة الاجتماعية التقليدية إلى مصرف لمواقف عبر ظواهر لاتقليدانية بل ظواهر في جوهرها حداثية لكنها متأصلة بفكر الصراع المرتبط بالمنظومة التقليدية. لذلك اخذ الشباب في تداول مفهوم المشاركة بشكل غاير، باعتبار أن المشاركة ليست هي فعل للمساهمة في الشيء بقدر ما تكون مواقف وسلوكيات يشارك بها الشباب على قدر المستطاع فبظهور موجات شبابية متجددة ونوعية ليس من الهين تجاهلها يوحي إلى نوع من المشاركة والمشاركة المضادة، فإذا كانت المشاركة بمفهومها السياسي تدل على المساهمة في تدبير الشأن العام فان الشباب أيضا يساهمون في تدبير ذلك الشأن بشكل أو بآخر، فلو افترضنا غياب متغير الجيل واحتكمنا إلى مقاربة ثابتة فهل ستكون هناك حركية اجتماعية داخل المنظومة المؤسساتية؟ وإذا تجاهلنا وجود الصراع الاجتماعي بين مكونات البيئة الاجتماعية وفئته الشبابية العريضة، فهل سنجد هناك دينامكية اجتماعية للتغيير…

فالشباب بدور أو بآخر يولد طاقة حرارية داخل المنظومة الاجتماعية حيث يمكن أن نصفه * بدينامو* أو محرك المؤسسات فهو يلعب دور المعارضة من خارج المؤسسات المهيكلة ومن خارج البرامج المسطرة ليضع لنفسه تصور مؤسساتي مفترض بدواليب خاصة ومكاتب مجردة وهواتف تربط السلكي باللاسلكي ثم يضع استراتيجية عمل على أوراقه الشفافة ويأخذ لنفسه مواعيد في أجندته الضمنية…هكذا يعمل وهكذا يساهم؛ فهل يا ترى لو كان المفترض يعكس الواقع سنعيش الصراع.

هذا الصراع ليس من أجل البقاء بل هو صراع من اجل اللقاء الذي ستسجل فيه المؤسسات الاجتماعية متطلبات الشباب المغربي وحاجياته، لقاء لا يمكن أن يوصف بذلك حتى تؤمن جل مكونات البيئة الاجتماعية بضرورته وبتبعاته. فمتى يا ترى سيجد الشباب المغربي آذانا صاغية لكل المواقف. فهل ينتظرون منهم مواقف الولاء أم أنهم ينتظرون مواقف الانتهازية أم مواقف الطابور الخامس.

السيناريو الأول: الانتظارية وتربيع الأيدي.

“إذا كنا ننتظر من التغيير أن يعطينا الإشارة بعد أن يكون قد تغير فما هي الجدوى من وجودنا”

لربما هذا هو الافتراض الذي يؤجج سؤال الانتظارية وتربيع الأيدي. تريد بنيات المؤسسات الاجتماعية من الشباب المغربي اليوم أن يضع يده على خديه أو يرفعها تذرعا من السماء بقطرات من التغيير. وينتظر كل مكون في تلك المؤسسات من الشباب أن يصفق بحرارة على كل ما يريد ويشارك في تدبير الشأن العام إما تعليق اللافتات والمشاركة في الحملات.. تنظيم التظاهرات أو غالبا المشاركة بمقولة ’’ قولوا العام زين’’ هذه هي الثقافة التي ينصح به الآخر الشباب. ففي كل مناسبة يحاولون مواجهة الشباب بطريقة من الطرق تكون رسائلهم واضحة المعالم وتكون محشوة بمسكنات وحقن لتخفيف الألم بيد أن هذا الألم يصعب أن يجمع خصوصا بضمادات متعفنة…

لقد تعب الشباب المغربي من كل ذلك وحاول جاهدا معرفة ما لديه وما عليه وفي الأخير لم يجد سوى فضاء وحيدا يمثل البديل لكل ما يؤسس لمجتمعه الذي يكرس في جوانيته ثقافة الانتظارية وتربيع الأيدي وكأن الشباب المغربي قاصر ا عن المشاركة. فعن أية مشاركة يتحدثون؟…إذا كانت هي تلك التي تدعو الشباب لتغيير قصات الشعر فهل سيجدون لهم البديل؟ وإذا كانت هي تلك التي تطالب بالهدنة فأين المبادرات؟ وإذا كانت هي التي تدعو للحوار فأين الفضاء وأين إرادة إنشاء ذلك الفضاء؟ وإذا كانت هي التي ترمي بالشباب المغربي في أحضان شبح الطالة فهل سيقبلون بهم كمعطلين؟ – بتحفظ على هذا الاصطلاح- وهل سيهيئون لهم الوظائف؟…وإذا كانت المشاركة التي يتحدثون عنها هي التي تدفع بالشباب للهجرة والحلم بدول ما وراء البحار…فهل سترسو قواربهم قريبا؟… فكيف بكل هذا وذاك أن نرجع للشباب ثقافة الثقة ومؤسساته لم تفتح قط ولو منفذا من المنافذ للحوار؟…فهل صمتهم يكرس ثقافة الانتظارية وتربيع الأيدي أم أنهم يعاودون رسم كاريكاتير الشيخ العربي الذي زهد في الحياة ونام حتى وافته المنية… فهل هذا ما يريدون…نرقد حتى يأكل علينا الدهر ويشرب…

لقد تمكنت ثقافة الانتظارية وتربيع الأيدي من اقتحام فضاءات الشباب وأصبح يؤمن بالواقع المعاش رغم رفضه الضمني للمنظومة المؤسساتية وفعاليتها… وهنا يجب أن نميز بين وجهين لعامل الانتظارية؛ فهناك الانتظارية المعلنة وهناك الصامتة التي تشكل في حد ذاتها الرفض القاطع مع الخضوع لأمر الواقع. فالأولى تؤسس لثقافة اللامسؤولية والتواكل حيث نجد مجموعة من الشباب لا علاقة لهم بالمواقف وتصريف المواقف فما يمكنهم القول هو’’ هاحنا تانساينو دورنا’’ ’’هذال ماعطى الله ’’ ’’ السمطا تدور’’ المخزن في البلاد’’…وكأنهم ينتظرون الأمطار لتذر عليهم من خيراتها وفي المقابل نجد الانتظاريون الصامتون لا يعبرون عن انتظارا تهم لكنهم يصنفون ضمن خانة الانتظاريون بيد أن الفرق بينهم وبين الانتظاريون المعلنون هو أنهم يتمكنون من مواقف يصرفونها بشكل صامت لاكما يقول المثل أن السكوت علامة الرضى أو كم حاجة قضيناها بتركها بل على العكس لان صمتهم يدل على رفضهم وعدم رضاهم لكنه ملولب بانتظاري البديل…

في علاقة هذين الوجهين لثقافة الانتظارية وتربيع الأيدي تبرز لنا جليا مسالة التواطؤ العلائقي؛ فهو قد يكون تواطؤ مع المؤسسات كما قد يكون مع الواقع، فإذا كان الافتراض إن التواطؤ مؤسساتي فان ذلك يوحي بوجود مصالحة مع الذات المؤسساتية وهذه الفئة العريضة على غرار طريقة التواطؤ؛ هل هي بقناعة واقتناع أم هي غاية ميكيافلية…إما التواطؤ مع الواقع ماهو في النهاية إلا إسقاطات مؤسساتية حطت بثقلها على الواقع وفرضت قيود الخضوع لتعمل على تشكيل لبناتها ومرتكزاتها في البنيات المعيشية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى مثال مغرب عريق ’’ ماعند الميت ما يدير قدام غسالو’’ في إشارة إلى الخضوع التام وعدم المجازفة في مقاومة الواقع.

بيد أن كليهما لا يشكل محركا أساسيا في دينامكية البيئة الاجتماعية لان تلك الفئة تبقى رهينة التبعية بشكل من الأشكال – ولو حتى بدون وعي لذلك-…

السيناريو الثاني: إما أن نكون أو لا نكون…المواجهة في سبيل التغيير.

’’اللي قال لعصيدة باردة إدير يدو فيها’’

هذا ما تقوله بعض المؤسسات المهيكلة لكن ماذا تقول الأخرى… ’’حمار أوبيخير’’- نسبة إلى موجة شبابية ظهرت مؤخرا في المغرب تطلق على نفسها حمار أوبيخير-

قد أضع يدي في ’’العصيدة’’ لكنني قد لا أكون فاعلا وقد أكون خارج ’’العصيدة’’ لكنني أكون مؤثرا…فالمشكل الأساس هو مسالة المشاركة أصبحت رهينة بمن حضر بيد أنها في العمق لاتقتصر على ذلك، فرغم أن القرارات تتخذ والمؤسسات تنفذ – وقد يكون ذلك ليس في محله- إلا أن المواجهة الشبابية يبقى لها دور في إعادة النظر في الأشياء. فكثير من القرارات تتخذ لكنها بدون الشباب فيكون الإشكال حاضرا بين التنظير والممارسة؛ فأهل بكة أدرى بشعابها. فهذا إما أن يؤدي بالشباب إلى ضمان تلك الحقوق بالوجود الفعلي والمؤثر من خلال فضاءاتهم الخاصة أو أن لا يكونوا وبذلك يكون غيابهم يسجل موقفا… فأن تكون يعني أن تصنع القرار وتساهم في تكوين الرأي العام وبذلك نكون قد اضطلعنا بسياسة للشباب بالشباب ومع الشباب وليس بإحداهما. وأن لا تكون فهذا يشكل غيابا في الأصل لسياسة شبابية لكن يبقى هذا الموقف يساهم في الدينامية لأن جوهره الصراع.

إن المواجهة تبقى هي السبيل الوحيد من اجل التعبير عن الرفض لكل أشكال التحيز و تجاهل القطاع الشبابي من خلال تهميشه وإقصائه من المشاركة وصناعة القرار السياسي الذي يعتبر حقا مشروع من خلال المواثيق الوطنية و الدولية الرسمية. وكما أن المواجهة في سبيل التغيير تستدعي من الشباب حمل خط إيديولوجي معين يدافع من خلاله عل مقارباته التحليلية وتوجيه الإشكاليات وتأطيرها في الصواب الصحيح لكي تقاس بمقياس الافتراض. فالتغيير لن يأتي في رمش العين بل هو نضال وكفاح وقبل هذا وذلك هو صراع، صراع نفسي قبل أن يكون اجتماعي يطرح من خلاله الشباب المغربي عدة تساؤلات من قبيل:

  • ما هو دوري في المشاركة؟
  • و ما هو موقعي منها؟
  • هل سأحقق التغيير من خلالها؟
  • هل سأنجح…أم سأتبوأ الفشل…؟

لذلك كثير ما نجد مجموعة من الشباب يأملون في تحقيق ذواتهم وذلك غاية في التغيير بيد أن الثمن يكون باهضا يتجلى في أغلب الأحوال في تحطيم تلك الذات قبل أن تصل للمبتغى، فمسالة تحطيم الذات من اجل تحقيق الذات هي علاقة تربط الفرد بالهدف والهدف بالفرد، كما أن هذه العلاقة توحي أيضا بوجود صراع يربطها بمكونات البيئة الاجتماعية …فالوصول إلى ارض التغيير يستدعي المقاومة والتسلح بأسلحة فكرية أساسا- من خلال قيام ثورة فكرية شبابية- لارتباط القضية بعمق سؤال المشاركة

الشباب المغربي (+) (-) البيئة الاجتماعية

(+) (-) (+) (-) المشاركة

(+) (-)

المشروع الشبابي

ولأعود لمسألة المواجهة فهي تتطلب قبل الشروع في تبني معالمها الكبرى الوعي والمعرفة الكاملة بمختلف قضايا البيئة الاجتماعية لأنه من الجهالة أن يكون الشاب اليوم غير واع بسوق المجتمع ومؤسساته ويذهب لتصريف مواقف وكليشيهات جاهزة مضادة… وهذا ما نراه بالطبع في بعض الثغرات التي لم تصلها الإنارة بعد…الظلام بمعنى آخر…- ولكم واسع النظر في الفهم والتفهم-…بيد انه والحمد لله أن الموجات الشبابية اليوم لاتصل إلى ذلك المستوى لأنها تعبر عن مواقفها بقناعة وتيقن حتى وإن استعملت فيها مفردات مخلة للأخلاق فأنها تبقى مقبولة لدى مكونات البيئة الاجتماعية لأنها بدأت تعترف إلى حد ما بمكانة تلك الفئة ومستوى وعيها وإدراكها للوقائع…

يبقى هذا السيناريو المدافع عن المواجهة يحمل في طياته عنف مضاد يتجلى في رفع التحدي القاطع حول ’’ إما أن نكون أو لا نكون’’ وبذلك تبقى كل المؤسسات حريصة كل الحرص من هذا السيناريو الذي يعلن بصراحة الأمر المواجهة التي تدفع إلى خلق حركية تلك المؤسسات.

فلا ريب أن لكل مقاربة تحليل ولكل تحليل نتيجة فهل مقاربات المشاركة ستؤول إلى إعطاء النتيجة؟ هذا بلا شك، قبل الخوض في ذلك التحليل ما يطرح سيناريوهات قد تؤسس لعلاقة الشباب المغربي ببيئته الاجتماعية. فماذا إذا بعد الصراع…هل سننتظر النتيجة بعد التحليل…

إسماعيل الحمراوي