Accueil / Non classé / (اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا / سنة البدء – 2005 ( هل الإتفاقية تسعى لأمركة المغرب في إطار أمركة العالم؟

(اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا / سنة البدء – 2005 ( هل الإتفاقية تسعى لأمركة المغرب في إطار أمركة العالم؟

 

العلاقات المغربية الأمريكية

البداية

المسار

المفاوضات

لبّ المضمون

طبيعة الاتفاقية

الأهداف من الجانب الأمريكي

الأهداف من الجانب المغربي

يظل هناك أكثر من تساؤل

الإنعكاسات

القطاع الفلاحي

الإشكالية الثقافية

معوقات تأهيل الاقتصاد

ردود الفعل

على سبيل خلاصة أولية

 

العلاقات المغربية الأمريكية

إن العلاقات المغربية الأمريكية ممتدة في عمق التاريخ، إذ ظلت معاهدة السلام والصداقة الموقعة عام 1787 سارية المفعول. 

وبالرجوع إلى الكتب التاريخية والتقارير الديبلوماسية يتّضح أنه كانت علاقة بين البلدين منذ أمد بعيد، وظلت هذه العلاقة قائمة رغم الإضطرابات التي طبعت القرن 19، علماً أن المغرب وقف إلى جانب أمريكا في حروبها الأهلية وبجانب وحدتها الترابية. 

وكان المغرب أول دولة بادرات إلى الإعتراف بامريكا بعد استقلالها سنة 1776 عقب الست سنوات ضد بريطانيا. 

وقديماً كانت العلاقة بين البلدين تتم عبر وساطة الدول المتحكمة في مصير أمريكا مثل فرنسا وانجلترا واسبانيا والبرتغال وألمانيا. وهناك أكثر من بحث يؤكد على أن المغاربة حطوا الرحال بامريكا قبل كولومبوس. وهذا أكده كذلك الشريف الإدريسي. كما تحدث الحجري في بداية القرن 17 عن وصول أسطول مغربي إلى شمال كندا. 

وتحدث محمد بن عثمان، سفير السلطان سيدي محمد بن عبد الله عن أحداث سنة 1776 التي صادفت بداية الحرب بين أمريكا وانجلترا. وأبرم السلطان محمد الثالث أوّل معاهدة صداقة وملاحة وتجارة مع أمريكا سنة 1786. وكان الطاهر فنيش هو الذي وقع مع توماس بركلي هذه المعاهدة. إلا أن هذه المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ إلا عندما فتحت أمريكا قنصليتها بطنجة سنة 1797. وتعتبر هذه المعاهدة، التي صادق عليها الكونغرس الأمريكي يوم 18 يوليوز 1787 أقدم اتفاقية للسلم والصداقة المستمرة والدائمة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. ويُعتبر جورج واشنطن ومحمد بن عبد الله أصحاب الفضل في وضع اللبنة الاولى لصداقة البلدين. 

وفي سنة 1834 قدم السلطان عبد الرحمن هدية للرئيس الأمريكي، وهي عبارة عن أسد من الأطلس. كما عقد السلطان عبد الرحمن معاهدة أمان الملاحة وتنظيم التجارة والدفاع المشترك وتبادل الأسرى مدتها نصف قرن (50 سنة) مع أمريكا. 

وفي عام 1855 رغبت أمريكا في انضمام المغرب إلى الحلف الروسي الأمريكي ضد تركيا مقابل استرجاع سبتة ومليلية المحتلتين. إلاّ أن المغرب كان متضامناً آنذاك مع العثمانيين. وفي سنة 1943 انعقد مؤتمر أنفا التاريخي (بالدارالبيضاء ـ المغرب) وجمع بين ممثلي الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إذ إلتقى روزفيلت وتشيرشل لإجراء محادثات. وعلى هامش هذا المؤتمر تباحث الملك محمد الخامس والرئيس روزفيلت حول مستقبل المغرب. وفي عام 1944 أرسل المغرب وثيقة المطالبة بالإستقلال للولايات المتحدة الأمريكية قصد الإخبار والإطلاع. 

ومع حلول خمسينات القرن الماضي، في سنة 1956 كان ايزنهاور أوّل رئيس دولة يعين سفيرا له بالمغرب، وبذلك كانت أمريكا أوّل دولة اعترفت عملياً بالمغرب المستقل. وفي 25 نوفمبر1957 قام الملك محمد الخامس بزيارة رسمية إلى أمريكا. 

وبعد زيارة الرئيس ايزنهاور للمغرب في غضون شهر دجنبر من سنة 1959، صدر تصريح مشترك أكّد على إجلاء القواعد الأمريكية من المغرب وسحب القوّات الأمريكية قبل متم سنة 1963. 

ومنذ منتصف ثمانينات القرن الماضي اجتهد المسؤولون المغاربة للبرهنة للأمريكان أن المغرب يعامل المستثمر الأجنبي على قدم المساواة مع نظيره المغربي، وأن المغرب متمسك بالعمل على تطبيق سياسة لتعزيز القطاع الخاص في كل المجالات والميادين واعتماداً الخوصصة تبعاً لقواعد المنافسة الحرّة. 

إلا أن العلاقات بين البلدين قبل تسعينات القرن الماضي ظلت تقتصر على الجانب السياسي ممّا جعلها علاقات غير متوازنة. لهذا تم إحداث المجلس المغربي الأمريكي للتجارة والإستثمار. وتُوِّجت المجهودات بإبرام إتفاقية إطار تعاون للتجارة والإستثمار في 16 مارس 1995، وذلك لمنح بعد جديد للتعاون الإقتصادي الثنائي. كما تم الإعلان بأمريكا عن تأسيس هيأة أصدقاء المغرب تسعى لتوسيع التجارة والإستثمار بين البلدين في ميادين السياحة والصناعة والموارد الطبيعية. 

وبعد زيارة الملك محمد السادس لأمريكا في يونيو 2000، شرع المغرب في إدخال الإصلاحات المؤسساتية الضرورية لتوفير أحسن ضمانات الربح والإستقرار للمستثمرين الأجانب. وذلك عبر تحرير نظام التجارة وإصلاح قانون الإستثمار وإعادة تنظيم القطاع المالي والإستمرار في خوصصة عدد من المقاولات العمومية. 

وقد كان المغرب ملزماً بالبحث عن شركاء اقتصاديين جدد، وعلى رأسهم أمريكا، باعتبار أن أوروبا اتجهت نحو شرقها. 

وفي سنة 2004 اعترفت أمريكا بالمغرب حَليفاً من خارج الحلف الأطلسي. 

وعموماً هناك جملة من الإتفاقيات كانت تربط البلدين، منها إتفاقيات تفادي الإزدواج الضريبي الموقعة سنة 1975 وإتفاقية تشجيع الإستثمارات لسنة 1985 ومبادرة « ايزنشتات » في يونيو 1998، وهي المبادرة التي ركزت بالأساس على تفعيل القطاع الخاص كقاطرة للتنمية المستدامة. إذن تم في العصر الحديث، التوقيع على أكثر من 5 إتفاقيات وبروتوكولات تعاون بين المغرب وأمريكا، والتي تُوِّجت بإتفاقية التبادل الحر المبرمة سنة 2004. 

ورغم كل هذا ظلت العلاقات التجارية بين البلدين محدودة جداً لا تكاد تبين ولم ترق إلى طبيعة تلك العلاقات وعمقها التاريخي. فلم تتعد المبادلات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية 850 مليون دولار. في حين أن صادرات المغرب نحو أمريكا تمثل 450 مليون دولار ووارداته منها تمثل 230 مليون دولار. وتوجد بالمغرب 120 شركة أمريكية استثمرت ما يناهز600 مليون دولار (90 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر). هذا، علماً أن أمريكا تمثل الشريك التجاري السادس للمغرب من ناحية الأهمية. فالمبادلات التجارية للمغرب مع الولايات المتحدة لا تتجاوز3,3 في المائة من التجارة الإجمالية المغربية و0,05 في المائة من الحجم الإجمالي للتجارة الأمريكية.

البداية:

بدأ ميلاد إتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا مع زيارة مساعد كاتب الدولة المكلف بشؤؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ويليام بيرنز للمغرب في 9 دجنبر2002.

وتأكد هذا مع تصريح الرئيس كارتر عندما قال:  » بكل صراحة بأننا نحن الأمريكان استفذنا كثيراً من علاقاتنا مع المغرب أكثر من استفاذة المغرب من هذه العلاقات ». 

وقد تم الإعلان عن مشروع الإتفاقية في 23 يناير2002 أثناء زيارة الممثل التجاري الأمريكي روبرت زوليك للمغرب للتباحث حول إلغاء الحواجز الجمركية القائمة بين البلدين. وتبيّن آنذاك أن إتفاقية التبادل الحر بين أمريكا والمغرب تقع، وبامتياز، في إطار » دائرة التنمية المتسعة »، وهو مخطط يجعل المكسيك مركزاً للمنتوجات الأمريكية بأمريكا اللاتينية والمغرب مركزاً بإفريقيا والأردن مركزاً بآسيا. 

وكان التوقيع على هذه الإتفاقية بواشنطن في 15 يونيو2004.

المسار:

عرفت المفاوضات 7 جولات لم يُكشف عن فحواها كلها رغم مرور عدّة أشهر عن إبرام الإتفاقية. فكانت الأعمال التحضيرية في صيف 2002 والأجرأة الأمريكية في أكتوبر 2002 وانطلاق المفاوضات في نوفمبر2002 وكانت الجولة الأولى في 21 يناير2003 بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية وتلتها جولات تفاوضية بين مارس 2003 وفبراير2004. وأخيراً كان التوقيع على الإتفاقية في 2 مارس 2004.

المفاوضات:

دامت المفاوضات ثلاثة عشر شهراً، من 21 يناير2003 إلى 2 مارس 2004. وقد أشرف عليها، من الجانب المغربي، الوزير المنتدب في الشؤؤون الخارجية والتعاون الطيب الفاسي الفهري. وكانت قطاعية، الفلاحة، النسيج، الدخول إلى الأسواق، الخدمات، الملكية الفكرية… 

وإذا كان الأمريكيون حرصين على إشراك جميع المهتمين من اقتصاديين وقانونيين ومشرعين وفاعلين اجتماعيين وباحثين، فإن السلطات المغربية من جهتها حرصت حرصاً شديداً على تهميش أغلب الأحزاب السياسية وإقصاء النخب السياسية والفاعلين الاقتصاديين والجمعويين وبل حتى البرلمان (وهو المشرّع بالبلاد)، كأن هذه الاتفاقية التس سترهن مستقبل البلاد لا تهم المغاربة وممثليهم، ولا رأي قبلي لهم فيها، وما عليهم إلا المصادقة في النهاية وكفى.

لبّ المضمون

إن المبدأ المهيمن في مختلف محتويات الاتفاقية ومختلف القطاعات الاقتصادية هو العمل على إلغاء أدنى حاجز مقيد للنشاط الاقتصادي والتجاري.

طبيعة الاتفاقي:

يعتبر روبير زوليك مهندس الاتفاقية وقائد المفاوضات بصددها. وهي اتفاقية تُعدّ من الاتفاقيات القلائل التي أبرمتها أمريكا مع بعض دول العالم، كندا والمكسيك والشيلي والأردن واسرائيل واستراليا. 

والمغرب هوأول بلد إفريقي يبرم هذا النوع من الإتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية. 

وهي اتفاقية شمولية تعتمد بالأساس على الليبرالية المتوحشة. ومن جهة المغرب، خلافاً لما هو الحال بأمريكا، اتسمت بنوع غير مفهوم من السرية والتعتم حتى على ممثلي الأمة، وهذا أمر غريب. 

وإذا كانت اتفاقيات منظمة التجارة العالمية معتمدة على مبدأ اللائحة الإيجابية، وبالتالي تسمح لكل بلد أن يأخذ الإلتزامات المرغوب فيها وأن يطبق القواعد المتماشية مع اقتصاده وخصوصياته وينفتح بالقدر الذي يخدم تنميته ويؤجل أو يرفض ما ليس في صالحه، فإن الإتفاقية مع أمريكا تعتمد على المقاربة الشمولية. وبالتالي تحتم الإلتزام بجميع القواعد رغم ما يمكن أن يطرأ من مستجدات أو إكراهات غير متوقعة. إذ أنها تعمل بمبدأ « لّي فرّط يكرط » (1).

 

 

الأهداف من الجانب الأمريكي:

تقول أمريكا أن الإتفاقية ستجلب الإستفاذة للطرفين وستسهل الصادرات وستشجع الإستثمارات وستحسن محيط الأعمال وتنمي الإقتصادات وتيسر فرص شغل جديدة. ولكن بالنسبة لِمَنْ؟ هذا هو السؤال. 

من منظور التصور الأمريكي، يبدو أنه من أجل الإنخراط في الإتفاقية كان من المفروض على المغرب القيام بإصلاحات اقتصادية هيكلية. باعتبار أن نظامه الإداري متخلف ولا يُمَكِّنُ من الشفافية والوضوح. واعتباراً كذلك لأن الرشوة مستشرية في البلاد وبين العباد. وباعتبار أن القضاء المغربي في حاجة ماسة وكبيرة للتخليق. 

وهذه كلها أمور كانت واضحة للعام والخاص عندما طلب المغرب انخراطه في الشراكة الأوروبية. لكن الجديد هو أن أمريكا ضغطت بقوّة أكثر في هذا الإتجاه.

إذن الهدف الأساسي يدخل ضمن الرغبة الأمريكية في السطو على السوق العالمية ومحاولة قطع الطريق على كل هيمنة اقتصادية ثنائية كانت أو إقليمية. وهكذا يتبين أن أمريكا تسعى من وراء هذه الاتفاقية مع المغرب إلى خلق أمر واقع اقتصادي دولي تهيمن على منظومته القانونية عبر تعميم النموذج الأمريكي في المنطقة العربية وتعزيز موقعها في المغرب العربي الكبير والمنطقة المتوسطية. 

إن هذه الاتفاقية في واقع الأمر ما هي إلاّ آلية أمريكية لفرض المشروع الأمريكي في المنطقة. وقد اعتمدت واشنطن على فرضه بقوّة الاقتصاد وقوّة السلاح. باعتبار أن الهدف غير المعلن عنه هو محاصرة منابع الإرهاب في الإعتقاد الأمريكي، وذلك عبر تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع « تأهيل » العالم العربي والإسلامي حسب المقاس الأمريكي البحث. 

وقد كشفت جملة من الوثائق والتصريحات الأمريكية أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى عبر الإتفاقية إلى دعم الزيادة التجارية الأمريكية ورفع فرص الدخول للأسواق بعد إلغاء الحواجز الجمركية أو غير الجمركية وتقوية وتطبيق القوانين الخاصة بحماية الملكية ال فكرية وتحسين المناخ الإستثماري لصالح الشركات الأمريكية.

الأهداف من الجانب المغربي:

يقول المسؤولون المغاربة أن الاتفاقية تندرج في مسار شمولي اختارته الحكومة للإنفتاح على الإقتصاد العالمي. باعتبار أن هذه الاتفاقية ستجعل المغرب اكثر تفتحاً على العالم. ومن بين الأسباب الحقيقية للإنخراط في الاتفاقية، هي أن إنخراط المغرب في مسلسل الإنفتاح الإقتصادي ومنطق التبادل الحر لم يكن اختياراً مفكر فيه، وبالتالي أُكِدَّ بوضوح وعن بيّنة من الأمور، بل إنه، أكثر من هذا، لم يكن اختياراً إراديا، وإنّما كان مفروضاً فرضاً من الخارج وهذا أمر لا يمكن أن ينكره أحد مهما حاول ذلك. 

وباعتبار أن الأمر كذلك، واعتباراً للموضوعية، لا بد من الإشارة إلى أنه كان هناك نوعاً من محاولة استباق التطورات المرتبطة بهذا الفرض من أجل محاولة تحقيق ربح سياسي واقتصادي للمغرب. 

وحسب تصريحات الطيب الفاسي الفهري، فإن الاتفاقية من شأنها إدماج الإقتصاد المغربي في المنظومة الإقتصادية الدولية وتكييفه مع المسلسل الجاري للعولمة والدفع بمتابعة الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية وتحسين المناخ القانوني للمعاملات الاقتصادية وتأهيل المقاولة المغربية ودعم قدرتها التنافسية وجلب الاستثمارات الأجنبية وتكثيف التحولات التكنولوجية وجعل المغرب أرضية للإستثمارات والشركات الدولية الراغبة في ولوج السوق الأمريكي بشروط تفضيلية.

يظل هناك أكثر من تساؤل:

ورغم كل ما قيل ظل هناك أكثر من تساؤل قائم. فهل المغرب قادر على مواكبة تحديات الاتفاقية؟ وما هي انعكاسات الاتفاقية على القطاع الفلاحي بالمغرب؟ وما هي الآثار المستقبلية الممكنة للتبادل الحر على ساكنة العالم القروي بالمغرب؟ وإلى ما سيؤول إليه الأمن الغذائي جُنِّدت له كل الموارد المائية والبشرية المغربية منذ بداية ستينات القرن الماضي كاختيار استراتيجي، هل كل هذا سقط في الماء؟

الإنعكاسات:

لا يمكن في هذه العجالة التي يقتضيها هذا الكراس التطرق إلى كل إنعكاسات هذه الاتفاقية على المغرب آنياً ومستقبلاً. ولكن يمكن الإقتصار على بعض الإشارات الدالة. فأوّل مشكل سيصادف المنتوجات الفلاحية المغربية الموجهة إلى أمريكا، مشكل إلى الحد الأدنى لبقايا المبيدات في المنتوجات المصدرة. علماً أن الإمكانيات والتقنيات المتوفرة والمعتمدة بالمغرب حالياً في أغلب الإستغلاليات لا تمكن من احترام هذا الشرط ومعايير الجودة المعمول بأمريكا، وهذه إشارة أولى. 

والإشارة الثانية هي أنّ بالنسبة لفرخ الدجاج، هناك عدم تكافؤ التنافسية. وذلك باعتبار أن كلفة المنتوج المغربي تتحدد بين 9 و10 دراهم للكيلوغرام الواحد، في حين أن المنتوج الأمريكي، والأكثر جودة، لا تتعدى كلفته 5 دراهم للكيلوغرام الواحد. 

وبخصوص الإشارة الثالثة، فإنه بالنسبة للقمح الطري، يبدو أن أهم إنعكاس هو تكريس التبعية الغذائية للخارج، بل والمزيد من تعميق هذه التبعية نظراً لمحدودية التنافسية التي يتمتع بها القمح المغربي وضئالة دعمه مقارنة مع نظيره الأمريكي. علماً أن حاجيات المغرب من هذه المادة تفوق 8 ملايين طن سنياً. ومن المنتظر، وهذا أمر واضح من الآن، أن يعرف قطاع القمح إشكالات كبيرة جدّاً مع حلول سنة 2015 عند الإنفتاح الكامل. ومن شأن هذا الإشكالات التأثير بشكل أو بآخر على الإستقرار الإجتماعي بالبادية المغربية. ولعل تجربة المكسيك في هذا الصدد لازالت عالقة بالأذهان حيث تم القضاء على جلّ الفلاحين المتوسطين، فما أدراك بالفلاحين الصغار الذين يشكلون السواد الأعظم بالعالم القروي بالمغرب. 

وكل هذه الإشارات همّت القطاع الفلاحي والعالم القروي. أما بخصوص قطاع النسيج بالمغرب، فإنه عرف عدّة مشاكل حادّة والتي لازالت مؤهلة للمزيد من الحدة أكثر، وذلك بفعل منافسة الصين في السوق الأوروبية. وهذا مَا تُرْجِِمَ على أرض الواقع عبر إقفال جملة من الوحدات الإنتاجية. في حين أنه لا يمكن إنتظار الكثير من أمريكا في هذا المجال. 

فإذا كانت أمريكا تستورد ما يناهز 63 مليار دولار بخصوص النسيج، فإن نصيب المغرب لا يتعدى 0,1 %. وهذا دون الحديث عن إمكانية إستثمار الأمريكيين بالمغرب في هذا القطاع، وبذلك سيؤثرون سلباً حتى على السوق المغربية بفعل المنافسة. وآنذاك لن ينفع مبدأ الحصص (كوطا) الذي دافع عليه مهنيي النسيج. 

أما بخصوص قطاع الصحة، فالإنعكاسات ستكون أدهى وأمر. فَمِن المعروف أن أكثر من 85 % من المغاربة لا يتوفرون على التغطية الصحية ومحرومون منها، وأن متوسط وصفة علاجية يتطلب أكثر من ثلاث أيام عمل اعتباراً للحد الأدنى للأجور المطبق (علماً أن هذا الحد على قلّته غير معمم ويظل حبراً على ورق بالنسبة لعدد كبير جداً من الشغيلة المغربية)، أما الفحص المتخصص (الطبيب الإختصاصي) فقد يتطلب أكثر من أجر أسبوع. علماً أن 93 % من الأدوية بالمغرب تستهلك من طرف الفئة الغنية. كما أنّه من المعروف أن أكثر من 80 % من الأدوية المروجة بالمغرب هي أدوية مستنسخة، وهذه أمور كلّها تبيّن أن إنعكاسات الإتفاقية ستكون وخيمة على جل المغاربة في الميدان الصحي، بفعل الصعوبات الجامة للتوصل إلى الحق في العلاج. وللإشارة فقط فإن تبادلها الحر مع أمريكا، لعلمها المسبق لانعكاساتها، أما بالمغرب، فيبدو أن الأمر لم ينل أي اهتمام. 

وبخصوص الأدوية، فإنّه أضحى من المعروف أن الإستغلال الفردي للدواء بالمغرب لا يتجاوز 200 درهم (20 دولار) في السنة على الرغم من أن المغرب يصنع 80 % من حاجياته من الأدوية، من ضمنها 30 % مستنسخة، وتقضي الاتفاقية بحماية براءة الإختراع لمدّة 20 سنة زائد 5 سنوات متعلقة بالبيانات غير المفصح عنها. وهذه مدّة طويلة من شأنها أن تجعل، وبسهولة، أن يصبح الدواء متجاوزاً، وبالتالي فلن ينخفض ثمنه. فهل المواطن المغربي في نفس مستوى المواطن الأمريكي حتى تنطبق عليهما نفس القوانين والقواعد والإجراءات؟ وقد اعتبر البعض هذه القضية بمثابة نكثة القرن. 

أما فيما يخص حقوق الملكية الملكية الفكرية، لاسيما استعمال برامج الحاسوب والبرمجيات عموماً، فَحسَبَ مقتضيات الاتفاقية، جميع أنواع الإبداع الفكري هي قابلة للحماية. 

ولعلّ أكبر مشكل في هذا الصدد يتعلق ببرامج الحاسوب والبرمجيات اعتباراً لهشاشة الإقتصاد المغربي. 

فرواد شبكة الأنترنيت لا يتعدى عددهم 500 ألف منخرط، أي ما يعادل 2 % من الساكنة. ومن بين العوائق التي تظل قائمة في وجه إستعمال الحاسوب الأسعار المبالغ فيها لبرامجه والبرمجيات اعتباراً لاحتكارها من طرف شركة ميكروسوف الأمريكية (90 % من برامج الحاسوب المتداولة في العالم). وهذا ما يجعل أن ما يناهز 80 % من برامج الحاسوب المتداولة بالمغرب لا قدرة لها إطلاقاً على اقتناء البرامج الأصلية. فهل والحالة هاته، ومع تطبيق الإتفاقية ماذا سيكون مصير هؤلاء؟ وهل فعلاً سيتم بلوغ ثلاثة ملايين من المنخرطين في شبكة الأنترنيت سنة 2005 كما تم الإعلان عن ذلك؟ أم أن العكس هو الذي سيحصل مع تطبيق مقتضيات الإتفاقية، لربما سنخفض عددهم الحالي والذي لا يمثل إلا 2 % من الساكنة؟ وهل تطبيق مقتضيات الاتفاقية سيسمح فعلاً ببلورة الجامعة الإفتراضية (université virtuelle) التي بدأ التحضير لها بالمغرب؟ وهل مقاهي الأنترنيت ستظل مفتوحة في وجه العموم، وهل ستظل أثمنتها هي هي؟ 

كما أن إلتقاط القنوات الفضائية لن يعود ممكناً إلا بعد أداء الإشتراك، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة كذلك إلى أن المحاكم التجارية أصدرت خلال سنة 2004، أحكام لفائدة ميكروسوفت ضد شركات مغربية والتي أفلست نظراً لعجزها عن أداء التعويضات المحكوم عليها بها. 

وكل هذه المؤشرات تؤكد أن تطبيق مقتضيات الاتفاقية ستحرم فئات عريضة من المغاربة من الإستفاذة من تكنولوجيا المعلوميات والحكم عليهم بالمزيد من الأمية في هذا المجال. 

ومنذ مدة اتضحت للجميع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت على الاتفاقية، علماً أن البلاد حسب البعض لا تتوفر على شروط ربح كل التحديات، وأن هذه الاتفاقية سترهن مستقبل البلاد لعقود.

ولا يخفى على أحد أن أوروبا وضعت المغرب أمام الاختيار، وبذلك تقرر التوجه نحو دول أوروبا الشرقية والإستغناء عن الجنوب في المبادلات التجارية. فهل فعلا سيعوض المغرب ما خسره مع أوروبا؟ 

هذا ما يشك فيه الكثيرون باعتبار أن الأمريكيين فكان منطقهم هو التجارة والمساعدة. وعلى جملة من المستويات ومضمنها المستوى السياسي يرى كثيرون أن المغرب مازال غير قادر على الإندماج في نسق العولمة الكوني بالشكل الذي يجعله يستفيذ منه آنياً واستراتيجياً. وبالتالي فإنّه سيتعرض اقتصادياً لأضرار أكيدة بسبب ضعف الإقتصاد وعدم تأهيله للدخول في المنافسة الإقتصادية مما سينعكس سلباً على الإستقرار سياسياً وديمقراطياً. لاسيما وأن عملية التأهيل الإقتصادي تتطلب استثماراً قوّياً وتغييرات جوهرية في مختلف السياسات المتبعة. وبالتالي من الممكن حدوث خلل أخلاقي واقتصادي واجتماعي وسياسي. فبعد عقود من الإتكالية والتقوقع على الذات وسيطرة المقاولة العائلية وممارسة التملص الضريبي أضحى القطاع الخاص المغربي، من عشية لضحاها، ملزماً بمسايرة ركب العولمة. 

وإذا كان المجتمع الأمريكي يقوم بالأساس على التحرر الإقتصادي والإقرار بنظام ديمقراطي ووجود جهاز قضائي قوّي وفعّال. فإن المغرب لازال يعيش معوقات في كل هذه المجالات. إذ أنّه لازال في بداية البدايات بخصوص تأهيل الاقتصاد الوطني وإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية وتفعيل جهاز العدالة وإعمال المفهوم الجديد السلطة وتحقيق انتقال ديمقراطي فعلي فاعل وفعّال.

القطاع الفلاحي:

لقد تبنت الاتفاقية بخصوص القطاع الفلاحي نظام اللائحة وفق جدول زمني ونظام الكوطا لتطبيق الإعفاءات الجمركية. فاللائحة « أ » معفية من الرسوم واللائحة « ب » ستعفى بعد 5 سنوات واللائحة « س » بعد 10 سنوات واللائحة « د » بعد أكثر من 10 سنوات. 

فالخضر والطماطم والكلمنتين والزيتون وزيت الزيتون والفستق، كلها ستلج المغرب بدون رسوم. أما الذرة والصوجا والجوز والعنب والإجاص فستعفى بعد 5 سنوات. وبخصوص القمح والقطاني واللحوم الحمراء والبيضاء فَسَيُبَرْمَج تحريرها خلال فترة انتقالية تفوق 10 سنوات. أما بالنسبة للقمح الطري فقد تم تحديد حد أدنى، 400 ألف طن، وحد أقصى، مليون طن، خلال عشر سنوات. هذه بعض الأمثلة. 

ولا يخفى على أحد أن الفلاحة والأمن الغذائي شكلا اختياراً استراتيجيا لتحقيق الإكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الأساسية (السكر، الحبوب، الزيوت، اللحوم الحليب ومشتقاته) وكذلك لتأهيل البلاد لتصدير منتوجات فلاحية صناعية (الحوامض، البواكر…) لكن هذا الإختيار الإستراتيجي عرف صفعة صاعقة بفعل سياسة التقويم في القطاع الفلاحي. وبذلك منذ ثمانينات القرن الماضي أصبح المغرب يلتجىء للسوق العالمية لإقتناء مواد غذائية أساسية بفعل الجودة وقلّة الكلفة والثمن. الشيىء الذي دفع جملة من الفلاحين إلى التخلي عن إنتاج تلك المواد. وهذا ما خلق إختلالاً هيكلياً في الاستراتيجية المعتمدة.

الإشكالية الثقافية:

إن التعددية الثقافية أضحت, في عصر العولمة والوتيرة المتسارعة للتبادلات التجارية التي تضع الدول في موضع اللاتكافؤ, حقاً أساسياً من حقوق الإنسانية يتعين على الدول الحفاظ عليه أكثر من أي وقت مضى. وهذا ما لا يتحمس إليه الأمريكيون اعتباراً لرغبتهم في الهيمنة على القطاعات الثقافية والفنية. 

فأمريكا تعتبر الخدمات الثقافية كسلعة تحتل المرتبة الأولى في صادراتها. مما يجعلها لأسواق واسعة. ولن يتأتى لها هذا إلا بمحاربة السياسات الثقافية المحلية التي تقف عائقاً أمامها. 

علماً أن الإتفاقية العامة حول التجارة والخدمات (1999) تعطي الحق للدول لرفض الالتزام في المجال الثقافي وخاصة المجال السمعي البصري، باعتبار أن الدول تتولى أمر سياساتها الثقافية. 

إن هدف أمريكا بالأساس في هذا المجال هو فرض ثقافة السوق الكونية المبنية على عولمة الاقتصاد. وذلك من خلال دعم أساليب وقيم جديدة لتطوير الإنتاج وتوسيع الاستهلاك من خلال التبادل الحر وأنماط العيش وسلوك المجتمعات. ووسيلتها في هذا هو إضعاف التعليم المحلي والخصوصية الثقافية عبر تحويل الثقافات من ثقافات متنوعة إلى ثقافة نمطية ترتكز بالأساس على المفاهيم الاقتصادية والتجارية محكومة بقانون العرض والطلب. 

تنتج حسب العرض والطلب مع الحرص على الابتعاد عن الخصوصيات المحلية والدينية.

معوقات تأهيل الاقتصاد:

مازالت تبرز جملة من المعوقات الذاتية والموضوعية وعلى راسها هيمنة الاقتصاد الريعي على النسيج الاقتصادي الوطني. فالمهيمن على هذا النسيج هي المقاولة العائلية، وهي ذات المقاولة التي ترفض الانفتاح كما ترفض استقطاب الأطر المغربية المتخصصة وتعمل جاهدة للتملص من أداء الضرائب وضمان الاستقرار لعمالها. 

وهذا علاوة على أن الاقتصاد المغربي يتشكل مما يزيد على 90 % من المقاولات الصغرى والمتوسطة الغائب من اعتبارها عنصر التنافسية. 

ومن المعوقات كذلك الإدارة المغربية التي مازالت تعتريها من الإختلالات والمقومات البنيوية لاسيما شدّة البيروقراطية المُتَلَكِّئة وغياب الشفافية والإرتكاز على الزبونية والمحسوبية. 

وهناك كذلك جهاز للعدالة، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة قوّية ونزيهة في غياب مجتمع ديمقراطي. مثلما من الصعب بمكان الحديث عن انتقال ديمقراطي هادىء في ظل غياب عدالة فعّالة وفاعلة. فلا مجال للحديث عن حقوق الإنسان إلا إذا كانت محصنة من قبل جهاز عدالة مستقل وفاعل. لأن القضاء في عصرنا الحالي أصبح مؤسسة سياسية بالمعنى الواسع لنعث « السياسة » مادام عليه أن يقوم بوظيفة حفظ الاستقرار والسلم الاجتماعي في إطار مبادىء دولة الحق والقانون.

ردود الفعل:

تباينت ردود الفعل بين التهليل والدفاع والمناهضة. وفي واقع الأمر، إن المرتكز المستتِر، والذي ينطلق منه المدافعون على الاتفاقية، ليست الانعكاسات الايجابية المفترضة والمزعومة، وإنما هي الفكرة القائلة بوجوب قبول الإصلاحات المفروضة من الخارج. 

باعتبار أنها فرصة للإنخراط في المنظومة العالمية. وهذا علماً أن مصيبة المغرب تكمن في كونه إنخرط في المنظومة الليبرالية دون محاولة تأسيس إقتصاد قوي قادر على المنافسة. إن المدافعون على الاتفاقية يعتبرونها فرصة سانحة لخلخلة الاحتكارات الاقتصادية العائلية بالمغرب ولفرض درجة من الشفافية تسمح بالمنافسة وتكافؤ الفرص في الحقل الاقتصادي المغربي. 

أما المعارضون فيرون في الإتفاقية أنها ستكرر التجربة المكسيكية (ذات الثمن الباهض بالنسبة للإقتصاد الوطني المكسيكي). بحكم التفاوتات الإقتصادية الطيطانيكية بين المغرب وأمريكا في كل المجالات والميادين وعلى كافة المستويات. 

ويثمن أصحاب هذا الرأي أن يربح المغرب على الأقل الإنخراط في إصلاحات جوهرية وعميقة لطالما نادت بها القوى الحيّة للمجتمع إلا أنها كانت تواجه بالقمع، أما عندما، نفس الإصلاحات فرضت من الخارج تم القبول بها. 

وإذا كان المدافعون عن الاتفاقية يرتكزون بالأساس على النظرية القائلة بأن التجارة تجلب التنمية وأن الازدهار الاقتصادي يتم عبر استراتيجية التبادل الحر, فإن المعارضين لها يُقرون بأن الممارسة الفعلية على أرض الواقع أثبتت بما فيه كفاية وزيادة أن هذا التوجه يفترض أصلا الإعتماد على توسيع السوق الداخلية أوّلاً ثم رفع القدرة الشرائية للمواطنين ثانياً. وهذا ما يولد ارتفاع الطلب ويسهل الاندماج التنافسي في الأسواق العالمية بهدف كشف فضاءات أسواق جديدة. وهذا ليس هو حال المغرب حالياً بالتمام والكمال. 

وفي هذا الصدد يعتبر نجيب أقصي، وهو باحث اقتصادي مرموق، أن الأساس في السياسة التنموية هو الإرتكاز والتركيز على السوق الداخلية وتنمية القدرة الشرائية الداخلية وتنمية الطلب الداخلي قصد التأهل لإختراق أسواق خارجية وامتلاك مقومات التنافسية. لذا، في رأيه، أن الانفتاح وجب أن يتم بهياكل داخلية قوّية وليس متهلهلة. وفي نظره، إن إتفاق التبادل الحر مع أمريكا يُعتبر مخاطرة كبيرة جدّاً باعتبار أنّه لم يسبق لأي دولة أن تطورت عبر التبادل الحر. فلا مناص إذن من مرحلة حمائية تؤهل أوّلاً الاقتصاد المحلي وهذا ما لم يعرفه المغرب فِعلاً وفعلياً، ولم يحصل أصلاً رغم كل الامتيازات التي وفرتها الدولة من قبل وبالرغم من الأموال المقتطعة من الشعب لتمويل هذه الامتيازات. 

وبالرجوع إلى جملة من التصريحات نجد أن جملة من منظمات المجتمع المدني، من ضمنها الإئتلاف المغربي من أجل الحق في العلاج والجمعية المغربية لمحاربة السيدا والإئتلاف المغربي من أجل التعددية الثقافية والإتحاد العام لمقاولات المغرب وغيرها، عبّرت عن استغرابها للسرعة المفرطة التي بها إبرام الاتفاقية وعن عدم إشراك كل من يهمهم الأمر، الإستعداد لها. 

فأغلب منظمات وجمعيات وفعاليات المجتمع المدني بالمغرب نادت وطالبت بحدّة بالتريث والتأني في اتخاذ القرار النهائي بخصوص هذه الاتفاقية، كما فعلت مختلف الدول التي انخرطت في هذا المسار (الشيلي 14 جولة تفاوضية عوض 8 المقررة، فنزويلا فضلت تأجيل المفاوضات إلى 2005)، لكن « لمَّنْ تا تعاود زابورك يادود » (2) وذلك رغم أنه ظهرت بجلاء جملة من المشاكل العويصة. فهل المغرب مازال لم يقتنع بعد بضرورة الأخذ بعين الاعتبار المدني والرأي العام، كما هي القاعدة البديهية في مختلف البلدان التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها؟ 

علماً أن الأمريكيين، رغم أنّهم في موقع قوّة ويمكنهم الغرض، فإنهم أعدوا واستعدوا لكل شيء، حتى لدقائق الأمور الخاصة بإجراء المفاوضات, في حين لم يكن يتوفر المغرب إلاّ على افكار عامّة، الشيىء الذي فُرِضَ عليه في آخر لحظة أداء ما يناهز 500 ألف دولار (5 ملايين من الدراهم) لشركة لوبيات أمريكية وآليات التعامل مع السوق الأمريكية. بل أكثر من هذا وذاك، فإن بعض الاحتجاجات على إبرام الاتفاقية ووُجِهَت بالقمع من طرف الحكومة، وهذا أمر لا يمكن أن يتقبله عقل سليم.

على سبيل خلاصة أولية:

كمؤشر لاستخلاص الدرس يمكن القول أن الشق الفلاحي في الاتفاقية كان أقل بكثير مما طرحته واقترحته أمريكا على استراليا ورغم ذلك رفضت هذه الاخيرة علماًأن فلاحتهاأكثر تأهيلاً من الفلاحة المغربية. وهذا مجرد إشارة ليس إلا. 

وخلاصة القول أنه في واقع الأمر، مقتضيات الاتفاقية تهم جميع الفئات والشرائح المجتمعية من منتخبين ومستهلكين ومستثمرين ومثقفين وطبقة عاملة وفلاحين وليست مقصورة على الحكومة مهما كان تفوقها التقنوقراطي، فماذا عرف هؤلاء عن الاتفاقية؟ وهل منحت لهم الفرصة لاعطاء رأيهم فيها علماً أن الأمر يتعلق بتقرير مصير الاقتصاد الوطني وأجيال المغرب القادمة؟ وعلى الأقل أليس من حقهم التعرف على ماذا ينتظرهم مادام لم يتم توفير لهم إمكانية المشاركة في إعداد التفاوض بصدد الاتفاقية التي ستفرض عليها كما فعل الأمريكيين عندهم؟

(1) مثل شعبي مغربي معناه التقريبي  » من أخطأ الحساب فليتحمل مسؤوليته

(2) مثل متداول معناه ولا حياة لمَن تنادي.

بقلم إدريس ولد القابلة

À propos Responsable de publication