Accueil / Actualités / هفوات في صياغة وإعادة صياغة السياسات العمومية

هفوات في صياغة وإعادة صياغة السياسات العمومية

إن غياب التوافق الفعلي بين المرحلتين الأولى و الأخيرة في صياغة السياسات العمومية يشكل إحدى هفوات هذه الأخيرة. فإذا كان الأفراد، باتفاقهم على وجود مشكلة تلزم معالجتها و إحداث برنامج حكومي يتناولها قصد الخروج بحل لها، يسمون بمشكلتهم لمستوى قضية عامة تحتم صياغة مشروع سياساتي لأجلها بمقتضى هذا الاتفاق، فإذن يكون الفرد هو القاعدة التي انطلق منها موضوع سياسة عمومية ما. بيد أنه أثناء تقييم هذه السياسة لدراسة ملاءمتها ومدى نجاعتها، لا تتم العودة للقاعدة الأساس التي انطلقت منها، و الفرد غير قابل أن يكون مجرد وحدة رقمية في البرامج الحكومية. وتخضع هذه السياسة – بحسب نتائج التقييم –لإعادة صياغة تكفل لها ملاءمة و فعالية أكثر.والواقع أن الإشكال يكمن في كون هذه الصياغة ترتكز على تقييم مناهجُه غير متوافقة مع سلوكيات ساحة الأفراد. فأول مسألة نسجلها في هذه المناهج هو ضعف إدماج الفرد – المواطن – في عملية التقييم في إطار مقاربة تشاركية سليمة، و لعله من أغرب المعادلات إهمال الفرد في مرحلة ما من دورة حياة مشروع حكومي معين، مشروع يكون الداعي الأول و السبب الرئيسي في إيجاده والدافع الجوهري إلى صياغته هو الفرد، وضعف إدماجه في مرحلة التقييم بالذات من نقطة كونه الأدرى بشؤونه المحلية ومدى استجابة المشروع لحاجياته وحلمشاكله أحد أخطاء البرامج السياسية، ولم يسلم من هذه الهفوة لا حكومة سابقة ولا حالية، و نعتمد على الحكومات المقبلة فطنة إلى هذه المسألة. ولئن كنا نحسب للدستور الجديد دسترته لمسألة التقييم في الفصل 101 و المقاربة الجديدة لتدبير الميزانية و انتقاله من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج، فإنه لا يُستنتج من الإجراءات المحددة في اتجاه تفعيل هذا الفصل جديد في العمق من شأنه فعلا أن يكون في مستوى التطلعات، ذلك أن هذه العملية ما تزال تائهة في دوامة النصوص المرتبطة بالمراقبة و بالتالي أقرب إلى المقاربة القديمة لتدبير الميزانية منها إلى المقاربة الجديدة المتوخاة. إن هذا المنطلق الخاطئ لمسألة التقييم، يضع على المحك نجاح السياسات العمومية ولو أعيدت صياغتها لمرات عديدة. فكثرة التجارب الفاشلة لسلسلة من السياسات في موضوع ما تكرس نبذ الفرد لكل تدخل لحل المشكلة قبل أن يطلع على فحواه حتى، كما يرهن الدولة حقيقة في زوبعة من الإجراءات الظرفية تهيمن على الإصلاحات الهيكلية، الشيء الذي يجعلنا لا محالة أمام تصريف للموارد المالية في قضايا معينة لسنوات مستمرة كان يجب الحسم في حلها و بشكل جذري منذ أمد مبكر. كان يكفي محدودية لمناهج التقييم المعروفة نقط الضعف التي تعرفها المؤشرات العالمية ابتداء من معيار الناتج الداخلي الخام الذي يعد مؤشرا كونيا وأهم عنصر تقييمي في الحسابات الوطنية، حيث أنه لا يستطيع الإحاطة بكل المنتوجات و الخدمات التي يتم إنتاجها على مستوى الدولة. و لأن هذا البحث يستوضع بالأساس هفوات السياسات العمومية و ليس جرد محدودياتها، فإني لن أستفيض في تناول هذه المناهج، ذلك أنها وإن تم تجاوز محدودياتها فإنها لن تتجاوز عتبة أن تعطينا فكرة عما وصلت إليه السياسات العمومية، مجرد فكرة لا تعدو مفهوم التقييم، وللأسف لا ترقى لمفهوم هو حقيقة المبتغى خلف هذا التقييم، ألا وهو التقويم، مما يفسر فشل تقييم السياسات العمومية في كثير من الأنظمة السياسية على اختلافها في تحقيق غايتها السامية. هكذا يتأكد لنا بجلاء أهمية بُعد وحدة الفرد في التقييم، و قد أدركت الحكومات على تباين أنظمتها السياسية و اتجاهاتها الفكرية هذا الأمر. إذن، فالكلمة الفصل تكون للفرد في تقييم نجاعة السياسات لأنه المعني الرئيسي بها، و الدفاع عن الأرقام التي وإن أشارت إلى نمو لا تدل بالضرورة أنها تشير إلى تنمية أمر يجعلنا فجأة أمام سياسة عامة لا عمومية، و الفرد لا يأبه للسياسة العامة و لا يراها تعنيه. لأنه لا يدخل أصلا معترك الحياة السياسة إلا مضطرا حماية لمصالحه في شكل مركز ضغط يؤطرها إطار جمعوي أو نقابي متخصص في المشكل الذي يروم حله دون خبط في مساعي سلطوية أو منصبية. وبالعودة إلى دراسة مجموعة من السياسات الإصلاحية التي سبق و تم اتخاذها في العديد من المجالات سنستشف أنها أخذت من الكلفة ما كان في متناول الحكومات أن تتداركها ليكون ثمنها أقل مما فرضته واقعا، ذلك أن الرقابة في حد ذاتها و التي جعلها الدستور من قبل من اختصاص البرلمان و أثبتها دستور 2011 أبانت عن محدوديتها، أو بالأحرى عن قصور في كفاءة عدد من متوليها، الأمر الذي أخر كثيرا تناول العديد من القضايا الهامة. ومعلوم أن التأخر في تعديل و تصويب إجراءات و حلول تجاه قضية معينة تكلف نفقات إضافية مهمة. وفي نفس هذا الباب، هناك نقطة أهم أن يُلتفت إليها و تؤخذ، ابتداء من اليوم، بعين الاعتبار، وهي لحظة صياغة السياسات العمومية. من يعود أكثر للخلف و يستجمع كل البرامج و المشاريع و السياسات الحكومية التي تمت بلورتها ثم تفعيلها، سيلاحظ أن العديد منها تأخرت في تناول القضايا التي جاءت لحل إشكالاتها. بل لعل نسبة منها ما كانت لترى الوجود لولا أنها كانت ورقة لعب بها فاعلون خلال فترات الاستحقاقات، و أخرى لولا أن الضغط تركز خلفها في صيغ نظمها إطار المنظمات غير الحكومية. بعيدا عن الخوض في أسباب احتواء السياسات لكثير من القضايا و تحفظا من نقاش قد تؤثر فيه الذاتية بشكل كبير، سيتناول البحث دراسة لجملة كبيرة من السياسات في مقارنة للحظة صياغتها مع فترة اجتماع الأفراد حول قضاياها بغض النظر عن وصف هذه الأخيرة و شرحها و التوغل في نظرة الحكومات إليها، و كفى باتفاق آراء الأفراد دافعا إلى ضرورة اتخاذ تدبير سياساتي تجاهها. إن نتائج هذا البحث لن تنكر تمخض السياسات اعتبارا لتلك القضايا، والجانب الذي سيتركز عليه ضوء التحليل هو المدة بين وصول المشكلة لمحل اتفاق عام و لحظة ولادة الانطلاق الفعلي نحو رسم المشروع السياسي المرتبط بها. كما تأخرت الحكومات في تناول قضايا فإنها تسرعت في اتخاذ قرارات بشأن أخرى فاعتمدت حلولا دون الانكباب على دراستها توهما منها أن الاستجابة المناسبة كامنة في سرعة اتخاذ التدابير، فاتجهت سياساتها إلى إخفاء أعراض موضوعها و ليس إلى بؤرة الخلل و جوهر المشكلة، مما أقحمنا في بحر من التخبط الإجرائي وأيضا الهيكلي ذي نتائج غير مرغوب فيها و سيتم التطرق لبعض هذا السياسات و سنرى في بعضها أن عدم اتخاذ تدبير بشأنها كان أرحم من التصرف المُتّخَذ. إن الشروع في تحليل قضية عامة والانخراط في دراستها لمعرفة الأسباب والمتغيرات المتحكمة فيها هو نقطة الانطلاق الأساسية لصياغة حلول سياساتية لها، بل إن هذه الدراسة التحليلية تعد في النظريات السياسية المرحلة الأولى في تشكيل السياسة العمومية. وما كان للفاعلين العموميين أن يغفلوا طويلا دون أن يدركوا مجانبتهم للصواب أحيانا في هذه المرحلة ووقوعهم في أخطاء تشخيصية مكلفة. لكن من يملك الشجاعة ليعترف بأخطاء من هذا المستوى؟ إن قصر الولاية الحكومية لا يسمح بتخطيء منطلق سياسة عمومية لها، ولو كان المشكل المشخص ليس حقيقيا، فلاعتبارات كثيرة كان يصعب التراجع عن الاستمرار في تفعيلها. الدول الكبرى نفسها تقع في مثل هذه الهفوات و هم أصل نظريات العلوم السياسية و تحليل السياسات.   أي مغرب يُتطلع إليه في آفاق ما بعد 2025 و ننظّر له في ظل السجن الذي تفرضه إكراهات التبعية للإجراءات الظرفية من جهة والتي تعيق تعميق الأوراش الكبرى للإصلاحات، و الفراغات السياساتية في بعض الأعمدة التي يتوقف عليها تقدم المغرب من جهة أخرى؟ في كلمات مركزة، التفت تقرير الخمسينية إلى واحدة من غرائب المفارقات، يشير فيه إلى أن الشبيبة لم يتم دمجها، وعلى الوجه الأمثل، ضمن المعادلة الشاملة للتنمية. فالشباب رغم تمثيليته للنسبة الأكبر من السكان لم يحظى بالاهتمام الكامل، وهو ما يجعل شعور الإحباط واليأس يتنامى ليستقر في قرارة من يُعول عليهم في دفع الدولة إلى وضع أرقى. إن مجال الشباب واحد من المجالات التي عرفت فراغا حادا من حيث السياسات العمومية، وكلفت هذه الهفوة خسارة في عدد مهم من الأدمغة التي تم استقطابها من الخارج في كل الميادين بما فيها الصناعة الدقيقة المحتكرة. هذا الصدر من مقدمة هفوات في صياغة وإعادة صياغة السياسات العمومية، تدلي بملامح ما يأتي تفصيله ضمن هذه السلسلة.     عبد الهادي بوصاص رئيس اللجنة العلمية للمرصد المغربي للسياسات العمومية

À propos Responsable de publication