Accueil / Non classé / متى نقدر المعلم؟

متى نقدر المعلم؟

 

حينما تقوم في الصباح الباكر وتركب دراجة أو سيارة مهترئة، أو تسير على الأقدام، لتصل إلى مدرسة في دوار بعيد لم يصله ماء ولا كهرباء، أو قرية في قمة جبل لا أثر لها على خرائط غوغل، لا يثنيك عن ذلك صقيع لاسع ولا حر قاتل ولا مطر غزير ولا ريح هوجاء، تخوض الأوحال تجوب الجبال والوديان، لتعلم طفلا منسيا هناك كيف يمسك القلم ويخط حروف اسمه على كراس؛ حينما تضحي بالزوجة والأبناء والأهل والأحباب والأصحاب، فتترك الجميع من أجل رسالتك، لا تزورهم إلا بعد عام أو نصفه أو ثلثه أو زد عليه أو انقص منه، في مناسبة أو عيد، مع كل ما يعنيه ذلك من حرمان لهم ولك، فيعيش أبناؤك كالأيتام، فلا تكاد تعرفهم عند اللقاء، لأن الزمن يكون قد غيرهم؛

حينما تقضي نصف العمر في الفيافي والقفار المقفرة، لتعلم بضعة أطفال ما يستطيعون به فك رموز لافتة مكتوبة بلغة ركيكة، حتى قد تنسى أن تكون أسرة وأولادا، وحين تذكر أو تسمح لك الفرصة، تكون قد شارفت على الخمسين أو الستين من العمر؛ حينما يكون عليك أن نقسم أجرتك الشهرية مع هزالتها بين والديك وإخوتك وأولادك وزوجتك، فلا يبقى لك ما تسدد به ديونك المتراكمة، ثم تقصد البنوك الربوية للاقتراض منها مجدا، لتتغلب على نوائب الدهر؛

حينما تشتغل في قسم ليس بينه وبين القسم إلا الاسم، محاولا ، بما يتوفر لك من طباشير وأعواد ورمل وحصى، أن تشرح دروس الكهرباء والطاقة والقطارات الفائقة السرعة ومكونات الحاسوب والنعت والتمييز والبدل والرياضيات والفرنسية والأمازيغية والفنون الجميلة والقبيحة والمتاجر الممتازة والرديئة و… لتلاميذ جل ما يعرفونه البقرة والمعزة والنعجة والحمار والكلب والحجر والشجر…

حينما ترضى بشظف العيش، فتشرب مياه « المطافي » مع المواشي والعقارب والحيات، وتأكل الخبز اليابس الحافي وتقسم القسم نصفين، نصف تبيت فيه ونصف تدرس فيه؛ حينما تكون وحيدا، منعزلا فريدا، لا يؤنسك غير صبية ترى البراءة في عيونهم، فتزداد حماستك لتتابع عملك بجد واجتهاد، وحينما ينفضون من حولك، تهيم في بحر لجي من الأحلام يغشاه موج من الحنين المتدفق إلى الأحبة، تكابد الدموع والآهات المنبعثة من الأعماق؛

حينما تكون مضطرا لتحمل جهل الجاهلين واستخفاف التافهين وتجريح الساقطين، وكلام الرعاة وعبث العابثين، متجاهلا ما يقوله هؤلاء وأولئك من ترهات وسفاسف أمور؛ حينما لا تسمع كلمة شكر من مسئوليك، بل تسمع منهم الطعن واللعن، والغمز واللمز، والتقريع والتجريح، يريد كل واحد منهم أن يمارس عليك سلطته، والكل يعتبرك مجرد معلم لا تعرف شيئا وهم عارفون، لا تفهم البيداغوجيا وهم فاهمون، لا تدرك خصوصيات مرحلة الطفولة وهم مدركون، لا يكفيهم ما تكابد من عناء، فيفرضون عليك مزيدا من العقوبات، كنقل الدلائل على أوراق مستقلة يسمونها تحاضير، ويقولون أنها معيار للعمل الناجح؛ كل همهم الأوراق، أما المستوى والمردودية والنتيجة فلا أحد منهم يلقي لها بالا؛

حينما تعيش على الأمل فيجهز مسؤول جهول أو نقابي انتهازي أو مفتش حقود أو مدير لئيم، على ما تبقى من حلمك بتقرير تافه، كله أخطاء نحوية وصرفية وإملائية وتركيبية…؛ حينما تكون مجرد رقم تتقاذفه المصالح والوزارات فيما بينها، أو يسمسر به السماسرة في سوق النخاسة، فيضمر اسمك الشخصي والعائلي وراء هذا الرقم؛ حينما تقابل مسئولا مهما كان نكرة، فيقابلك بالجفاء ويجرح كرامتك بكل صلف، ناسيا أنه لولا المعلم ما وصل إلى ما وصل إليه؛

حينما تكون قنطرة يعبر عليها الآخرون، ثم يتبولون عليها؛ حينما تكون شمعة، تحترق كي تنير طريق الآخرين وعند وصولهم يلقونها أرضا ويلعنونها لعنا؛ وحين يذبحك تلميذ أفسد تربيته الإعلام والشارع؛ وحين وحين….

حينها فقط تعرف قدر المعلم،وتقف له احتراما وتبجيلا. إن تعامل المجتمع بكل فئاته مع المعلم هو مقياس تقدمه أو تقهقره، فمجتمع مثل مجتمعنا، ارتبط في لا شعوره المعلم بذلك الشخص البئيس التافه، ذلك المشجب الذي يعلق عليه الفاشلون فشلهم، المتهم دائما دون أن تنبث براءته، هو بلا شك مجتمع فيه من العقد ما لا يعلمه إلا الله، مجتمع يقبع في غياهب التخلف والتدهور القيمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي و…

نعم ليس المعلمون ملائكة أو أنبياء لا يخطئون، بل هم بشر منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فإن أخطأ واحد هنا أو هناك، ليس معناه أن نطلق الأحكام الجاهزة على كل معلم؛ ونقول ليس في القنافذ أملس. فالله الله في المعلم رجلا وامرأة، فبدونه لن تقوم لنا قائمة.

À propos Responsable de publication