Accueil / Non classé / عناصر من أجل مقاربة سوسيوسياسية للدستور المغربي الجديد

عناصر من أجل مقاربة سوسيوسياسية للدستور المغربي الجديد

الأشغال الغنية والـمتنوعة للندوة الوطنية حول “الدستور الجديد ليوليوز 2011: وثيقة جوهرية للانتقال الديـمقراطي؟”، والتي تـم تنظيمها في 29 نونبر 2012 في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لـجامعة القاضي عياض. فكعادتها، و على عكس الندوات التى تفاعلت بطريقة آنية وعفوية مع الدستور الجديد، ارتأت مجموعة البحث حول الإدارة و السياسات العمومية أن تضع مسافة زمنية فاصلة بينها و بين موضوع الندوة من أجل مقاربة تصبو إلى الموضوعية. الفكرة الـمركزية التي أشارت إليها جل الـمداخلات والـمناقشات التي عرفها هذا اللقاء العلمي، الذي جـمع أساتذة باحثين من مـختلف الـجامعات الـمغربية، هي أن الدستور الـجديد يتضمن مستجدات مهمة بالـمقارنة مع الدساتير السابقة بـحيث أنه إذا ما تـم تأويلها واحترامها بشكل سليم يـمكن أن تعطي لـمسلسل الدمقرطة دفعة جديدة وذلك انسجاما مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك البيئية التي يواجهها الـمغرب في بداية الألفية الثالثة. طبعا، التحليل القانوني لديه مكانة متميزة في تقييم وتأويل مضمون الدستور الـجديد ولكن الـمشاركين في الندوة ذهبوا في طرحهم إلى اعتبار أن هذا الأخير هو مسألة أكثر جدية من أن تترك للقانونيين وحدهم، خصوصا ذوو التوجه القانوني الصرف. إذن، فإلى جانب التحليل القانوني للدستور، تشكل مسارات التفكير الـمشار إليها أسفله عناصر قراءة سوسيو- سياسية مكملة للدستور الـمغربي الـجديد والتي تـهدف إلى تفاعل ايـجابي بين الدستور وعملية الدمقرطة وسيرورة السياسات العمومية الإدماجية.

1) “انـخرط الـمغرب منذ أكثر من عقدين (في آواخر التسعينيات) في عملية الدمقرطة التي أدت إلى نتائج مشجعة، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة…”

تـحت تأثير عوامل خارجية (برامج نشر الديـمقراطية) وداخلية (التغيرات الـمجتمعية والصراعات السياسية للحركات الاجتماعية ورغبة النظام السياسي في التأقلم)، انـخرط الـمغرب منذ أكثر من عقدين (في آواخر التسعينيات) في عملية الدمقرطة التي أدت إلى نتائج مشجعة وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. ذلك أن التطورات الايـجابية الـمسجلة في مـجال الـحقوق الـمدنية والسياسية وخصوصا في مـجال الديـمقراطية الانتخابية تقابلها إنـجازات محدودة على مستوى الـحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؛ و هو ما نتج عنه تفاقم ظاهرة الفقر وخلق نوع من الاحتقان لدى بعض مكونات الـهوية الوطنية الشيء الذي يهدد، بشكل كبير، السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي.

2) “فبانتظار ورغبة متفاوتتين من قبل فاعلين سياسيين تربطهم علاقات استراتيجية متبادلة لكن ليست لـهم موارد متساوية، تـمت صياغة الدستور الـمغربي الـجديد في سياق تـجاذبات التاريخ الوطني…”

تتغير القوانين و تتطور في عصرنا الحالي إلى حد ما كنتيجة لسرعة تـحولات الـمجتمعات الـحديثة وتسارع وثيرة التاريخ التي تنتج عنها. إذن، فمن غير الـمجدي بالنسبة للأنظمة السياسية الزعم بالقدرة الدائمة على الاشتغال ضمن نسق قانوني جامد، ويمكن النظر إلى الدستور الـمغربي من هذه الزاوية حيث أن أركانه لم تتحرك، ولـمدة طويلة، بالرغم من انتقادها و رفضها بشكل ضمني أو صريح. فبانتظار ورغبة متفاوتتين من قبل فاعلين سياسيين تربطهم علاقات استراتيجية متبادلة لكن ليست لـهم موارد متساوية، تـمت صياغة الدستور الـمغربي الـجديد في سياق تـجاذبات التاريخ الوطني وتـحت تأثير عدة إكراهات نسقية مرتبطة بالـمحيط الـمحلي (20 فبراير) والـجهوي (الربيع العربي) والعالـمي (البرامج الدولية لدعم الديـمقراطية).

3) “إن إلزامية الاحترام المفترض للقواعد الأساسية الـمنصوص عليها في هذه الـمرجعية الرئيسية [الدستور] هو الذي يقوي صلاحيتها القانونية…”

من الناحية الشكلية الصرفة، يـمكن اعتبار الدستور بمثابة وثيقة فريدة أ) تنظم القانون الأساسي لعمل الدولة، وب) تـحدد العلاقات (تركيز أو فصل) بين السلط وج) تضمن الـحريات الفردية والعامة. إن إلزامية الاحترام المفترض للقواعد الأساسية الـمنصوص عليها في هذه الـمرجعية الرئيسية هو الذي يقوي صلاحيتها القانونية. فالدستور، باعتباره أسمى مرجعية قانونية، يـمكن الـمواطنين خصوصا من معرفة ما إذا كانت مـمارسة السلطة تندرج أو لا ضمن مقتضيات النص الدستوري وبالتالي في إطار دولة القانون.

4) “الدساتير لا يـمكن فهم دورها، بشكل تام، إلا إذا تـم وضعها في السياق الـخاص بظهورها واندماجها وتعايشها مع التقاليد الـمؤسساتية والـممارسات السياسية…” من الناحية العملية، لابد أن يكون تـحليل علاقات التفاعل بين الدستور الـجديد وبين سياقه الـمؤسسي والسياسي مركبا، نظرا لأن الدساتير لا يـمكن فهم دورها، بشكل تام، إلا إذا تـم وضعها في السياق الـخاص بظهورها واندماجها وتعايشها مع التقاليد الـمؤسساتية والـممارسات السياسية لنظام سياسي معين. إن الـمقاربة السوسيو- سياسية للدستور تتميز، إذن، بتحفضها على صرامة التحليل الدستوري للفقهاء ذوو التوجه القانوني الـمحض والذين تنحصر تصوراتهم في إطار نظري ساكن.

5) “الـخبرة القانونية التي كانت وراء ولادة الدستور الـجديد ستخضع للاختبار سواء على مستوى تعدد تأويلات القاعدة الدستورية أو على مستوى تقلبات الزمن، الطويل بالضرورة، لعملية الإصلاح السياسي…”

تبنى الـمغرب، فعلا، دستورا جديدا، بالـمقارنة مع الدساتير السابقة، لكنه مازال يسعى إلى إرساء وتوطيد دولة القانون، أي مؤسسات فعلية تضمن فصلا وتوازنا بين السلطات. ففي سياق التحولات الديـمقراطية، يـمكن أن يلعب الدستور دورا سياسيا مهما في تأصيل وضبط وشرعنة سلوكات شركاء/ خصوم الفضاء السياسي. و ليس هناك شك أن الـخبرة القانونية التي كانت وراء ولادة الدستور الـجديد ستخضع للاختبار سواء على مستوى تعدد تأويلات القاعدة الدستورية أو على مستوى تقلبات الزمن، الطويل بالضرورة، لعملية الإصلاح السياسي.

6) ” فاعلية القواعد الدستورية مرتبطة، إلى حد كبير، بإشكالية وجود قضاة مهنيين مستقلين وجريئين ولكن يتميزون كذلك بالحكمة و التبصر…”

من بين الـمؤشرات الـهامة لإنـجاح التحول/ البناء الديـمقراطي هناك استقلالية السلطة القضائية بشكل عام وحيوية الـمحاكم الدستورية بشكل خاص. وفي هذا السياق، يـجب على الـمحكمة الدستورية الـمغربية، (المنتظر إنشاءها بموجب قانون تنظيمي يعلن إنشاءها رسميا ويحدد طريقة عملها)، 1) التركيز ليس فقط على حل الـمنازعات القبل و البعد- إنتخابية بل يجب عليها كذلك 2) التحكيم في المنازعات المحتملة حول مبدأ فصل وتوازن السلط 3) وضمان حـماية الـحريات الفردية. إن فاعلية القواعد الدستورية مرتبطة، إلى حد كبير، بإشكالية وجود قضاة مهنيين مستقلين وجريئين ولكن يتميزون كذلك بالحكمة و التبصر.

7) “وراء الترسيخ الدستوري للحكامة التشاركية تظهر بالفعل تساؤلات عميقة حول حدود آليات الديـمقراطية الانتخابية وتطور أنـماط اشتغال الدولة الحديثة…”

من بين الـمبادئ الـموجهة للدستور الـمغربي الـجديد نـجد الديـمقراطية التشاركية التي تطرح عدة إشكالات اليوم بدءا بأزمة الديـمقراطية التمثيلية ومرورا بالبحث عن مواطنة نشيطة وانتهاءا بالتحولات التي تـمس الـمجتمع و الدولة. فوراء الترسيخ الدستوري للحكامة التشاركية تظهر بالفعل تساؤلات عميقة حول حدود آليات الديـمقراطية الانتخابية وتطور أنـماط اشتغال الدولة الحديثة. وعلى صعيد الـممارسة، سيرتبط ‘طلب’ أو ‘عرض’ الـمشاركة في صناعة القرار، وبأهمية ودرجات متفاوتة، بالرهانات الـمتعددة للعمل الـحكومي سواء تعلقت بتجديد مشروعية الـمؤسسات السياسية أو باستجابة البرامج الحكومية أو بتحرر وتقوية كفاءات الـمجتمع الـمدني.

8) “إن الـمشكل الأساسي الذي يطرح بـحدة عند تناول مؤشرات الـحكامة الديـمقراطية، سواء منها الاقتصادية أو السياسية أو الادارية، هو أن التدبير العمومي في الـمغرب يـخضع في الغالب لتدقيق داخلي مـحدود في حين تغلب الـمجاملة على التقييم الـخارجي…”

إن الوحدة الـحسابية، الرمزية والعملية، لتقييم الدستور الـجديد ستكون، على الأرجح، هي تقييم السياسات العمومية والـمساءلة باعتبارهـما الإستعمال الأنسب لـمختلف أدوات تدقيق ومراقبة وتقييم وتتبع ومواكبة العمل الـحكومي، بـهدف الاستخدام الأمثل للموارد وحـماية الـمال العام وإعادة هيكلة نـمط تدبير الـمؤسسات العمومية. إن الـمشكل الأساسي الذي يطرح بـحدة عند تناول مؤشرات الـحكامة الديـمقراطية، سواء منها الاقتصادية أو السياسية أو الادارية، هو أن التدبير العمومي في الـمغرب يـخضع في الغالب لتدقيق داخلي مـحدود في حين تغلب الـمجاملة على التقييم الـخارجي. إنه ليـخشى من مثل هذه الـحالات إفراز سلبيات عديدة من قبيل غياب الدينامية وضعف الكفاءة وعدم القدرة على الاستجابة لـمتطلبات التدبير الـحديث. ومن الـمرجح، في بيئة من هذا النوع، أن يسود التدبير السيء للأعمال من طرف مديرين أقوياء لا تطالـهم الـمساءلة عموما.

9) “يـجب على مـختلف مكونات الطبقة السياسية الـمغربية إعادة إختراع فكر سياسي جديد و قيادة ديـمقراطية جديدة بشكل تدريـجي…”

من أجل تـجنب متاهات انتقال ديـمقراطي طويل الـمدى، والـمرور إلى مرحلة تدعيم أسس ديـمقراطية ناشئة، يـجب على مـختلف مكونات الطبقة السياسية الـمغربية إعادة إختراع فكر سياسي جديد و قيادة ديـمقراطية جديدة بشكل تدريـجي. فكما أن الوضع الـحالي الـمزري للأحزاب السياسية يـخلق فراغا سياسيا يؤخر الاستحقاقات والإنـجازات، فإن إعادة هيكلتها وحزمها، وبت دينامية جديدة في عملها يشكل نقطة بداية لكل إصلاح سياسي يتجه تدريـجيا نـحو نظام ملكي عصري يسود ولا يـحكم. وإذا كان من الواضح أن عادات وأعراف النخب السياسية الـحالية تغذي وتتماهى مع البناء الدستوري الـجديد الذي يـحدد الأفق السياسي والدستوري الذي لا يـمكن تـجاوزه لـملكية تنفيذية، فإنه بالـمقابل لابد من الاعتقاد بأن عملية الدمقرطة تبقى رهانا مفتوحا على مستقبل أفضل غير مكتوب كليا بشكل مسبق.

10) “من الـمحتمل أن اجتماع الرغبة في مزيد من الديـمقراطية السياسية، مع الطلب الـمتزايد على ديـمقراطية الرفاهية، سيخلق ضغطا مفيدا من شأنه إضفاء مشروعية مشروطة على العمل العمومي، مـما سيساعد على ترشيد عملية صناعة القرار العام، وبالتالي تقوية نجاعة السياسات العمومية…”

باعتباره بلدا متجذر التقاليد وفي نفس الوقت منفتحا على تطورات مـحيطه الـمحلي والدولي، يـمكن للمغرب أن يـحقق نقلة نوعية في توجيه عملية الدمقرطة، ولكن شريطة أن تتبنى نـخبه الاعتقاد التلقائي للشعب بالفوائد الـمتعددة للديـمقراطية وخصوصا بالنسبة للأجيال القادمة. وعلى كل حال فإن هامش عمل النظام السياسي الـمغربي أصبح ضيقا لأنه أمام تزايد الفوارق السوسيو- اقتصادية سيتم تقيييم نتائج دمقرطة النظام على ضوء حتمية التحولات الـجذرية و/ أو التدريـجية للسياسات العمومية وذلك استجابة لـمتطلبات التنمية البشرية. ومن الـمحتمل أن اجتماع الرغبة في مزيد من الديـمقراطية السياسية، مع الطلب الـمتزايد على ديـمقراطية الرفاهية، سيخلق ضغطا مفيدا من شأنه إضفاء مشروعية مشروطة على العمل العمومي، مـما سيساعد على ترشيد عملية صناعة القرار العام، وبالتالي تقوية نجاعة السياسات العمومية. إن الـهدف الأخير هو التأكد من أن سلطة الـحاكمين، التي يؤطرها مبدئيا القانون والـمقتضيات الدستورية، تستجيب بشكل حصري للمصلحة العامة ومتطلبات “التنمية التي توسع و تقوي الحريات الفعلية للمواطنين” (أمارتيا سين).