Accueil / Actualités / حتمية القطيعة مع العقلية الإستعمارية في مجال البيئة من أجل تحرر المغرب

حتمية القطيعة مع العقلية الإستعمارية في مجال البيئة من أجل تحرر المغرب

اتسم المغرب بتبعيته لسنوات عدة للسياسات الإستعمارية في ما يخص النمو الزراعي والقروي عامةً وقد إعتمد في ذلك على المعارف البيئية التي جاء بها المستعمر. بحكم الأبحاث التي اجريتها لسنوات في وعلى المغرب ، توصلت إلى خلاصة أنه إذا ما تمكن المغرب من تجاوز المعرفة البيئية و السياسات التنموية الناتجة عن تطبيق هذه المعرفة التي ورثها عن المستعمر سيتمكن من تحقيق التنمية المستدامة للتي تدمج سكان الأرض المحليين و توفر العدالة الإجتماعية.

كانت لدى المستعمر الفرنسي فكرة أن السكان الأصليين للمغرب الكبير هم في غالبيتهم من الرعاة الرحل المنحدرين من « الغزو الهلالي ». لقد أدمج المستعمر هذه المعرفة الخاطئة واستخدمها منذ أواسط القرن 19 من أجل التبرير لأهدافه الإستعمارية في الجزائر ثم في تونس والمغرب بعد ذلك. وقد مكنته من نزع ملكية الأراضي الخصبة والغابات من السكان الأصليين لحساب الدولة المستعمرة ومصالحها الإقتصادية.

أهم ما نتج على مستوى نظام حيازة الأراضي هو خوصصة الأراضي الجماعية للقبائل وتجريم العديد من الممارسات التقليدية بما فيها الرعي على نطاق واسع و عمليات إضرام النار. عندما توسع المد الإستعماري ليطال المغرب، حيث أقام نظام الحماية، جاء بهذه المعرفة البيئية الخاطئة بل وطبقها بنفس الطريقة : حتى قانون حماية الغابات الذي سنه بالمغرب قد استلهمه مباشرة من القانون الذي سنه بالجزائر في بداية القرن عشرين.

شكلت تلك المعرفة البيئية الخاطئة نقطة إنطلاق للعديد من السياسات التنموية في مجال البيئة. في عهد الإستعمار، تمت صياغة مشروع تشجيع »استقرار »الرعاة الرحل ومشروع إعادة تشجير الغابات. كما تم إدخال طرق جديدة للزراعة وتربية الماشية بطريقة مكثفة. إلا أن هذه الطرق الجديدة المستوحاة من طرق زراعة الأراضي الخصبة و النظم البيئية الرطبة الأوروبية لم تكن ملائمة للمحيط البيئي الجاف الذي يعم في منطقة شمال إفريقيا بما في ذلك بلاد المغرب. استمر تطبيق هذه السياسة حتى ما بعد الإستعمار دون أية مراجعة لنجاعة هذه المشاريع أو مساءلة للمعرفة البيئية التي تستند إليها. بما أدى إلى تفشي عدة ممارسات غير ناجحة كتبني نظام الزراعة المكثفة وإعادة تشجير الغابات و كذا بذل مجهودات جبارة لأجل الرفع من « المردودية » وأخيراً و ليس آخرا محاولة « وقف التصحر ».

أحرز علم البيئة في خضم العقدين الأخيرين تقدماً ملموساً في فهم المجالات البيئية الجافة، نخص بالذكر تلك المناطق الصحراوية، القاحلة أو نصف القاحلة. أصبح من المؤكد أنا هذا النوع من المجالات البيئية يستجيب لقوانين مختلفة تماماً عن تلك التي تسري بالمناطق الرطبة والمعتدلة المتواجدة بأوروبا وأمريكا الشمالية. غالباً ما تستوجب الأنظمة البيئية الجافة، أي تلك المناطق التي لا تتجاوز فيها كمية الأمطار معدل 350 مم في السنة ولا يقل فيها « معامل تقلب الأمطار البيسنوي  » (cv) عن 30%، العمل تحت دينامية عدم التوازن. بينما تعتبر هذه المناطق الجافة غير مشجرة إلا أن المعارف الجديدة تعتبر أنها مكسوة أساساً بالعشب و « الشجيرات » أو عدة أنواع أخرى من النباتات المنتمية للأنظمة البيئية الجافة. فبالتالي « فهم » هذه الأنظمة والتمكن من إستيعاب تقنيات « نموها » يتطلب مقاربات جديدة مثل تلك التي توصل إليها البحث العلمي مند 20 سنة. لكن مع الأسف تظل صياغة السياسة التنموية البيئية غير مواكبة لمستجدات علم البيئة وذلك لأسباب أذكرها في أخر مؤلفاتي الذي خصصته للأراضي القاحلة.

من المذهل إكتشاف مدى التشابه و التقارب بين الطرق « الطبيعية » لتطور و نمو هذه الأراضي الجافة و « الطرق التقليدية » التي طورها السكان الأصليون في التعامل مع الأنظمة الجافة و خاصةً مجتمعات الرعاة الرحل و ذلك ما أظهرته عنه دراسة حديثة اجريت في منطقة أعالي الهضاب بالشرق المغربي، وهي منطقة رعي تقليدية في المغرب لطالما اعتبرت دون مستوى النمو على الرغم من المجهودات المبذولة للنهوض بها. كما توصلت أبحاث أخرى إلى عدة دلائل على أن نظام التدبير الدي طوره السكان الأصليون أجدر بتحقيق التنمية المستدامة بالمنطقة.

لعل أخطر ما أدت إليه المعرفة البيئية الخاطئة والسياسات التنموية المنبثقة عنها والتي تبناها المغرب في فترة ما بعد الإستعمار، هو استخدامها في إعادة هيكلة القطاع الزراعي بالمغرب على أسس نيوليبرالية محضة أدت إلى إلحاق أضرار عديدة بالمناطق الجافة بالمملكة. أما إستراتيجية نزع الملكية الإستعمارية فقد خصخصت العديد من الأراضي الجماعية وضمتها لسلطة الدولة. فعلى سبيل المثال تم إستخدام نفس الإستراتيجية مؤخراً لبناء مركب لإنتاج الطاقة الشمسية في جنوب المغرب فوق أراضي انتزعت من السكان المحليين مع أن أهداف هذا المشروع وعائداته البيئية لازالت محط التساؤل.

تمثل الأراضي الجافة 50 إلى 75% من تراب المملكة المغربية. و بالتالي فأنجع طريقة لتحقيق النمو الزراعي والمحلي لابد أن تمر عبر القطيعة مع المعارف الإستعماريةوالنيوليبيرالية المناقضة للمعرفة البيئية التي طورها السكان الأصليون. كما أنه يجب ادماج أبحاث علم البيئة الحديثة. ولعل القطيعة مع العقلية الإستعمارية عامة يجب أن يبدأ بالقطيعة مع المعارف التي طورها المستعمر في جميع الميادين إلا أن العديد من المستعمرات القديمة لم تقدم بعد على هذه الخطوة بما فيها المغرب.

 المصدر : taharour.org