Accueil / Actualités / تعويض العمل المنزلي لربات البيوت .. حق مهضوم بالمغرب

تعويض العمل المنزلي لربات البيوت .. حق مهضوم بالمغرب

تعوّد المغاربة على النظر إلى أن وظيفة المرأة الطبيعية والاجتماعية هي العمل في البيت، وأن مملكتها في الأرض هي بيتها وتربية أولادها. وإذا كانت هذه النظرة تكتسي صحتها وشرعيتها في تقسيم العمل التقليدي عندما كانت تحتكر المرأة العمل في البيت ويحتكر الرجل العمل بالخارج، فإن التحولات الاقتصادية الكبيرة التي قلبت كيان النسيج الاجتماعي المغربي، ودفعت بالمرأة إلى العمل بالخارج سواء كان هذا العمل دراسة أو مهنة تضطر المرء إلى إعادة النظر في هذه “المسلمة الاجتماعية”. ومما يؤكد ذلك الإشكاليات الاجتماعية المطروحة حاليا حول توفيق المرأة بين عملها في البيت وبين عملها خارجه والصعوبات التي تثار حول تشغيل الخادمات في البيوت، وظهور وظائف جديدة تهتم بالترتيب الداخلي للبيوت وتنسقها ووضع ديكورات بها. وكذا تبلور مواد علمية تهتم بالاقتصاد المنزلي..

إن هذه الوضعية الانتقالية التي تعرفها التركيبة الأسرية والعائلية المغربية لتحتم إعادة النظر في وظيفة المرأة بالبيت، واعتبارها كوظيفة أساسية تتطلب تعويضا ماديا ورمزيا، إذ إن التناقض الصارخ الذي يتخلل تشريعاتنا الإدارية والاجتماعية يكمن في اعتبار عمل المرأة بالبيت عملا فطريا أو طبيعيا. ومن ثمّ، فلا يمكن اعتباره عملا ينتج قيمة اضافية؛ أي بالمنطق الرأسمالي عملا لا يؤدى عنه.

ومما يجسد هذا التناقض رفض أغلب الإدارات المكلفة بتحديد الهويات الفردية وتسليم البطاقات الوطنية من اعتبار عمل المرأة بالبيت عملا بمعنى الكلمة. ومن ثمّ، تدمغ في الغالب الخانة الخاصة بمهنة المرأة، إذ لم تكن تشتغل، بكلمة بدون أو بدونها. فهذا “المصطلح الإداري” لا يعبر فقط عن نظرة “مركنتيلية” لتقسيم العمل، بل يخنزن نظرة دونية لوضعية المرأة التي لا تشتغل واعتبار عملها في البيت بدون مضمون اقتصادي أو اجتماعي. وتكرس هذه النظرة من خلال التشريعات الاجتماعية بالبلاد، بحيث إن مؤسسات الضمان الاجتماعي سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام إذا كان يعترف بأداء تعويضات عائلية على عدد الأطفال، ويسمح باستفادة الزوجة التي لا تشتغل من تعويضات المرض أو تعويضات وفاة الزوج، فهو يغض الطرف عن تعويضها عن وظيفتها باعتبارها أما وربة بيت. فهذه الوظيفة لم تبتكر بعد في قاموس الضمان الاجتماعي وتعويضات المرأة باعتبارها ربة بيت لم تلامس بعد أذهان مهندسي السياسة الاجتماعية بالبلاد.

كما أن المرأة حتى عندما تشتغل موظفة أو عاملة أو مستخدمة يلحقها في الغالب حيف اجتماعي كبير من جراء عدم الاعتراف بوظيفتها باعتبارها ربة بيت؛ فهي لا تعرض إلا عن عملها الذي تؤديه خارج البيت. ومن ثمّ، فهناك غبن واضح يلحق بالمرأة المشتغلة وربة البيت؛ فبالرغم من قيامها بعملين ووظيفتين، وبالرغم مما يلحقها من إرهاق نفسي وبدني من جراء ذلك، وبالرغم من المصاريف التي قد تنفقها من أجرها لتشغيل خادمة أو مربية… فإن ذلك كله لا ينظر إليه بعين الاعتبار ويبقى أجرها عن العمل الوحيد المعترف به قانونيا. لقد آن الأوان لإعادة النظر في وضعية المرأة بالمنزل، واعتبار أن تربية الأولاد وترتيب البيت هو عمل اقتصادي واجتماعي ليس أساسيا فقط بل هو حيوي أيضا للمجتمع ككل:

– فشغل المرأة بالبيت يضمن التوازن الاقتصادي للمؤسسة المشغلة؛ حتى ولو لم تكن ربة البيت منتمية بشكل مباشر إلى هذه المؤسسة. فتنظيم حياة الزوج الذي يشتغل بهذه المؤسسة وإشباع مختلف حاجياته يضمن للمؤسسة عضوا نشيطا ومنتجا نظرا لاستقراره النفسي والعائلي؛ وهو ما يجعله يركز في عمله ويهتم بوظيفته. فلنفترض أن هذا العامل قد افتقد هذا الاستقرار نظرا لغياب ربة البيت أو عدم اهتمامها به؛ فكم من ساعات غياب ستحصد المؤسسة، بالإضافة إلى أنها ستتأثر بضعف مردوديته وقلة إنتاجيته.

– كما أن شغل المرأة بالبيت يضمن التوازن التربوي للمؤسسة التعليمية؛ فسهر ربة البيت على راحة أطفالها ورعايته ومراقبة أداء واجباتهم وفروضهم المنزلية سينعكس حتما على مردودية التلميذ أو الطالب وعلى عطائه العلمي وتركيزه الفكري، وهو ما سيؤثر على حصيلة المؤسسة التعليمية في ما يتعلق بالنتائج والشواهد.

– كما أن قيام المرأة بوظيفتها باعتبارها ربة البيت من تربية جيدة للأطفال وتكوين ومراقبة سلوكهم الاجتماعي حتى لا ينزلقوا في الانحرافات سيجعل خزينة الدولة تقتصد ملايين الدراهم التي ستصرفها في بناء السجون ومؤسسات الأحداث وتعويض حراس الأمن.

من هنا، ندرك العلاقة الجدلية التي تربط المؤسسة الأسرية بباقي المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والإدارية؛ فكما أن مختلف هذه المؤسسات الانتخابية والتعليمية تسير بأجراء يؤدون عملا يتقاضون عليه أجرا، فإن ربة البيت هي أيضا تؤدي أهم الأعمال وأشقها وأخطرها في الوقت نفسه، فوظيفتها هي التي تضمن توازن باقي المؤسسات. ولعل هذا ما فهمته بعض المجتمعات المتقدمة، وخاصة فرنسا التي حددت تعويضا ماديا عن عمل المرأة بالبيت. وهكذا، خصصت لها مرتبا شهريا عن مختلف المهام التي تؤديها:

– عملها كأم.

– عملها كمربية أطفال.

– عملها كربة بيت. ومن ثمّ، فقد أصبحت مهنة (Femme au foyer) مهنة معترف بها قانونيا ومؤدى عنها ماديا.

رب قائل سيؤكد أن اقتباس هذا النظام من لدن التشريع المغربي ستنجم عنه تكاليف مالية ستزيد من أعباء خزينة مختلف المؤسسات بما فيها الدولة، وأن ذلك سيؤثر على قدرتنا التنافسية في العولمة الاقتصادية؛ غير أن هذا القول يمكن أن يرد عليه بأن تعويض المرأة عن عملها بالبيت هو قبل كل شيء حق لا يجب أن نناقشه وإلا سنناقش باقي الحقوق الأخرى التي أصبحت أحد المعايير الأساسية التي تميز دولة الحق والقانون.

أما من ناحية التكاليف المالية، فيمكن أن ينص التشريع الاجتماعي المغربي في البداية على مبدأ تعويض ربة البيت ويحدد راتبا معينا تتسلمه المرأة باستقلال عن زوجها. كما ينبغي أن تدخل تعويضات ربة البيت ضمن التعويضات العائلية، فالعائلة لا تتكون من الأولاد بل تتكون قبل كل شيء من تلك التي أنجبتهم وتسهر على تربيتهم.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاعتراف بعمل ربة البيت قانونيا واجتماعيا سيؤدي حتما إلى خلخلة النظرة الاقتصادية بالبلاد، حيث سيصبح العمل داخل البيت كالعمل خارجه؛ وهو سيفرمل هذا التسابق بين الجنسين للعمل بالخارج، والذي قد يقلص نوعا ما من سرطان البطالة الذي انتشر في المجتمع المغربي انتشارا حادا. فالاعتراف بعمل ربة البيت شغل جديد ووظيفة مثل باقي الوظائف مثل مدبرة البيوت، ومسيرة البيوت، ومربية الأطفال، ومساعدة اجتماعية… كما أن ذلك سيفسح المجال لخلق شعب جديدة تهتم بتدبير الاقتصاد المنزلي، أو شعبة تسيير الميزانية المنزلية، وشعبة التربية المنزلية إلى غير ذلك من المواد والشعب.

من هنا، يمكن أن يتساءل المرء باستغراب عن السبب الذي يجعل الجمعيات النسائية والنسوية التي تتبارى حول ضمان حقوق المرأة السياسية والاجتماعية (كالتمثيل بالبرلمان والحكومة، وتعديل المدونة…) تتجاهل الدفاع عن هذا المطلب ولا توليه أدنى اهتمام؛ فقضية المرأة تبدأ بضمان الحقوق التي تبدو صغيرة لكنها أساسية ودائمة قبل المزايدة حول ضمان حقوق تقلد المناصب البرلمانية والحكومية الظرفية والمهام المؤقتة أو الزائلة.

وفي انتظار ذلك، من الضروري أن تسارع بعض هذه الجمعيات النسوية لخلق تنظيمات لربات البيوت يمكن أن يحولهن إلى قوة اجتماعية يمكن أن تتكتل للدفاع عن حقوقها في التعويض وكذا في التأثير على قرارات السلطة في وضع القوانين والتشريعات، وكذا للتحرك ضد غلاء الأسعار، فليس هناك أدرى من ربات البيوت في مراقبة الوضع الاقتصادي وقياس التضخم من خلال محتويات القفة اليومية وتكاليفها.

وفي انتظار أن يتم ذلك، ينبغي، في إطار تخليد المناسبات والأعياد والأيام الوطنية، العمل على الأقل لتحديد يوم وطني للاحتفاء بربات البيوت وتكريمهن في انتظار أن يتحول هذا اليوم إلى مناسبة عالمية على غرار الأيام العالمية التي تحتفي بمختلف المهن في الوقت التي تغفل فيه مهنة ربة البيت.

المصدر : هيسبريس