Accueil / Non classé / المدرسة العمومية بين الأزمة وإعادة البناء, من الميثاق الوطني إلى صياغة القانون الشامل للتربية والتكوين

المدرسة العمومية بين الأزمة وإعادة البناء, من الميثاق الوطني إلى صياغة القانون الشامل للتربية والتكوين

بدأت الساحة التعليمية والسياسية الوطنية في إفراز نقاش عمومي  موسع حول موضوع إصلاح التعليم بعد الأثر الكبير  الذي خلفه الخطاب الأخير  لجلالة الملك بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب   في الأوساط السياسية والتعليمية على وجه الخصوص.

أسئلة عديدة بدأت تتناسل هنا وهناك وتحاليل أكاديمية بدأت تتراكم في مختلف المواقع الإعلامية  ، غير أنه من الأهمية بمكان  البحث عن تدقيق الأسئلة الشاملة التي تشغل الرأي العام و  التي ستواجه  الخبراء والسياسيين الذين سينكبون على دراسة و تقييم المنظومة التربوية استنادا إلى المنجزات التي تحققت على أرض الواقع من جهة  و المرجعيات التي اعتمدها الإصلاح في السنين الأخيرة  خاصة منذ صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين واعتماده كمرجع وطني منذ بداية سنة 2000 وتطبيق جزئي للبرنامج الاستعجالي  2012/2009.

كمدخل أول لمقاربة الموضوع، لابد من التذكير أن موضوع الإصلاح جاء طرحه في سياق استمرار  الحراك السياسي والاجتماعي  الذي لا زالت تداعياته تؤثر على  المنطقة العربية  بدرجات متفاوتة من العنف السياسي في بعض الدول  أو تبني  إصلاحات لينة  التي  تعاملت  بها كل دولة  على حدة وفق خصوصياتها  التاريخية وذكائها السياسي  وفي سياق عمل الحكومة الحالية على  تنزيل الدستور الجديد

 .فما يجب الإشارة إليه  هو أن الربيع الديمقراطي  كشف بشكل لا يدع مجالا للشك أن المجتمعات العربية  في بنيتها الثقافية والسياسية  لا زالت تعرف انقساما حادا بين تيارين : تيار “الإسلام السياسي” والتيار “العلماني” الذي يجمع في أحضانه مجموعة من الأحزاب تستند إلى مرجعية لبرالية  على النموذج العربي، هذا الخلاف يكشف في العمق فشل  المدرسة في بعدها الاجتماعي في بناء مجتمع متضامن ومشبع بالثقافة الديمقراطية ، الشيء الذي أدى  في آخر المطاف إلى تشكيل طائفتين تتعارضان ايديولجيا  حول تحديد  مفاهيم  الحرية والديمقراطية وحرية المعتقد وحقوق الإنسان ومجموعة من القيم  وكل الملفات التي لم تستطع تجربتي مصر وتونس ، على سبيل المثال، الوصول إلى توافق ايجابي حولها  يضمن الحق في الاختلاف وعدم فرض توجه بقوة السلاح على الطرف الآخر، مما أدى في آخر المطاف بسبب أخطاء كل كتلة  إلى تعثر  مسلسل الانتقال  الديمقراطي  وإدخال مصر في دوامة من العنف والعنف المضاد مما سيكون له عواقب وخيمة سيدفع ثمنها الشعب المصري على امتداد سنين طويلة ، مما سينعكس بتأخير البلد بعشرات السنين علما أن مصر تحتل مكانة مرموقة بالنسبة للوطن العربي ما قد يخلق تداعيات  ستؤدي إلى  انعكاسات واضحة على المنطقة ككل إذا ما فشلت النخب السياسية في تجاوز أنانياتها  ومقاومة التأثيرات الخارجية المغرضة .

فإذا كانت المجتمعات  العربية قد دخلت في مرحلة تاريخية جديدة فرضتها رياح العولمة ، فكيف يمكن السماح  للمدرسة أن تضل خارج هذا السياق وهذه التحولات ،إضافة إلى  التحديات الكبيرة  التي يفرضها تطور التكنولوجيات الجديدة ؟

 كيف يمكن إذن للمدرسة أن تكون عنصرا فاعلا للمساهمة في تأهيل الشباب  علميا وعمليا و المساهمة في تحليل الواقع وتعلم الديمقراطية و التعايش والحرية  واحترام رأي الآخر لتكوين مواطن متسامح و متفاعل مع محيطه الداخلي والخارجي  .

 إن المدرسة اليوم أمام تحديات جديدة و لابد لها من منهج جديد ومضامين جديدة ومن رجال ونساء مبدعين قادرين على تكوين المواطن الخلاق ، ذلك أن  زمن الترويض قد ولى ،  والرأي الوحيد وفرض اليقين المطلق في غرفة الصف لم يعد أسلوبا لتنمية الفكر العلمي  .

لقد كان خطاب جلالة الملك صريحا وجريئا في وصف وضعية التعليم الذي لم يعد إلا معملا لصناعة العاطلين وهذا الواقع لا يمكن للدولة والمجتمع أن يتحملاه ، لأنه لا يضمن مكانة بين الأمم للمغرب في المستقبل  مما يستدعي وقفة قوية ، لتغيير القناعات و وجهات  النظر والاتجاه الذي نحن سائرين فيه ، للبحث عن الطريق القويم الذي يوصل إلى الغاية المنشودة وهي رقي الأمة وتقدمها سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا واجتماعيا .

فأية مداخل للإصلاح  إزاء هذا الوضع المعقد ؟

أية مدرسة نريد لأي مجتمع ؟

 إن بناء مجتمع ديمقراطي  حداثي ، متماسك ومتضامن يعتز فيه المواطن بالانتماء إلى وطنه ويسعد بأداء الضرائب ، يستدعي بناء مدرسة عمومية تكون القلب النابض للمجتمع، تساهم في تكوين الشباب وإدماجهم في المجتمع المحلي والجهوي ، فلا بد إذن من إعادة تدقيق مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبحث عن سبل أجرأة الأهداف  وتحيينها ، لأنه للأسف الشديد، كثير من بنوده لم تتمكن مشاريع الإصلاح السابقة من ترجمتها  على أرض الواقع مما يتطلب من الإصلاح المرتقب التوصل إلى صياغة قانون إطار يحدد الأهداف بدقة ويضبط المسؤوليات    وخاصة ما يتعلق ب:

ü     إعادة صياغة وضيفة المدرسة

ü     تحديد المسؤوليات  والحقوق والواجبات للمتعلمين والأطر التربوية

ü     أجرأة التمرس والتكوين بالتناوب للحد من حجم التكوين النظري الذي أهلك المنظومة التربوية التي استمرت في أساليبها التقليدية وتلقين الحفظ

ü     تقنين التكوين المستمر وجعله عنصرا أساسيا في الترقي وتنمية الكفايات المهنية

ü     خلق جسور التعاون والتكامل بين الجامعة والمؤسسات التعليمية و المقاولات إلى غير ذلك من بنود

أي محتوى للمدرسة العمومية ؟

استنادا إلى المفكر الفرنسي المعاصر “ادكار مورن ” فان المعارف الضرورية لإنسان المستقبل تتلخص  في مجالات عديدة  (معرفة تجمع بين التحليل والتركيب، تدريس وضعية الإنسان والتنوع البشري والثقافي والمواطنة الكونية ، تدريس الهوية الكونية و شروط بقاء الجنس البشري، تدريس معرفة الذات  والآخر و روح التسامح والتربية على السلام ، أخلاقيات الجنس البشري، مواجهة الاحتمالات إلى غير ذلك….)هذا بالإضافة إلى ضرورة امتلاك طلابنا ناصية العلوم والتكنولوجيا المتقدمة  لضمان شروط تحقيق النمو الاقتصادي للبلاد .

كيف نعالج اختلالات الحكامة التربوية ؟

·        السرطان القديم ، الحكامة المالية  والمادية : لم تتجرأ كثير من التقارير على فضح اختلالات المنظومة التربوية إلا بعد صدور تقرير المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008  وتصريحات السيد الوزير الوفا بشأن التعويضات الخيالية التي هدرت وفضح احتلال السكنيات من طرف موظفين كثر من مختلف المواقع  هذا بالإضافة إلى إشكالية الصفقات العمومية  وتدبير ميزانيات جيل مدرسة النجاح إلى غير ذلك من قضايا مثل حظيرة السيارات وعددها حيث وجب التذكير هنا أن ميزانية القطاع تمتص ما يقارب ثلث ميزانية الدولة  الشيء الذي يستلزم إقرار حكامة تقوم على مبادئ الشفافية والمحاسبة والمسؤولية حيث بدون معالجة هذا المرض الذي عشش في دواليب التربية الوطنية  لن تتحقق الغايات النبيلة لمنظومة التربية الوطنية.

·        التدبير الإداري : لا زال التدبير الإداري على جميع المستويات يتخبط في كثرة الأوراق ولم تتمكن الوزارة من انجاز تقدم ملموس على مستوى الإدارة الالكترونية رغم المجهودات المبذولة  بالإضافة إلى عدم نجاح مشروع المؤسسة الذي حاولت الوزارة تبني هذه المقاربة منذ عقود قبل البدء في تطبيق البرنامج الاستعجالي  وهو ما ضرب عرض الحائط مبدأ التعاقد الذي أعلنت عنه الوزارة حيث ضل الموضوع يكتسي طابعا شكليا فقط ناهيك عن ضعف تكوين الأطر الإدارية  وقلتها  أو انعدامها في كثير من الأحيان مما يؤدي إلى ضعف الأداء والمردودية وتراجع وضيفة المدرسة .

في هذا السياق يجدر التذكير بضرورة تقييم الدور الذي لعبته الأكاديميات في سياق اللاتمركز  منذ إحداثها وتطوير  أدائها  حيث سجلت مختلف الدراسات مجموعة من النقائص ولم تظهر للعيان القيمة المضافة لهذه المؤسسات التي استهلكت ميزانيات ضخمة ليبقى السؤال مفتوحا حول ضرورة إصلاحها في علاقة بمشروع الجهوية الموسعة الذي هو قيد الإعداد .

·        الشراكة وانفتاح  المؤسسة على محيطها : رغم الاقرار بأهمية الشراكة في بنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين  لم تتمكن المدرسة العمومية أن تصبح شأنا اجتماعيا بمعنى الكلمة وظلت كالجزيرة المعزولة في قلب البحر تتلاطمها الامواج والرياح من كل اتجاه بحكم عدم اقرار التشريعات الظرورية التي تجعل من المدرسة شأنا اجتماعيا تتكامل جميع المؤسسات في تقاسم اعباء التربية والتكوين بل ترك العبىء كله لقطاع بدأت علامات الشيخوخة تنخر جسمه منذ مدة ، مع العلم أن جميع الدول التي نجحت في الارتقاء بالمدرسة  وتحقيق اندماجها في وسطها هي التي ضمنت شروط نجاح انخراط المؤسسات الاجتماعية والسياسية في التدبير وتقاسم المسؤوليات  في الاختيارات التربوية واتخاذ القرار .

·        إشكالية الجودة وضبط المنظومة : من الصعب على منظومة تفتقد إلى المراقبة والضبط  وثقافة الافتحاص أن تستمر وتحافظ على توازنها ، في غياب تفعيل مبدأ تقديم الحساب والمحاسبة كي  ترتقي المنظومة بأدائها ، هذا الواقع برز من خلال تآكل منظومة التفتيش وتراجع استقلاليتها  في صراعها مع الإدارة التي حاولت باستمرار العمل  على تقويض اختصاصات المفتشين وجعلهم مجرد رجال إطفاء لاحتواء النزاعات المدرسية بشكل عام مما أدى إلى تراكم الإختلالات والتناقضات  داخل المنظومة مما سينتهي بالمشهد الذي وصلت إليه المدرسة العمومية اليوم .

 خلاصة / الإصلاح الممكن ، الإصلاح المستحيل ؟

إن اتفاق مؤسسات الدولة   والباحثين والخبراء حول  تشخيص مختلف اختلالات المنظومة التربوية  وتطابقها مع تشخيص المنظمات الدولية ، لا يعني  بالضرورة سهولة إيجاد الحلول المناسبة لها ، فالقضايا التربوية والتعليمية  هي قضايا جد متشابكة و معقدة واستراتيجية  في أبعادها التنموية والاجتماعية والاقتصادية ،وعليه ، لابد من رؤية متجانسة  وشمولية لمعضلة التعليم ، و لابد من تحديد الأولويات، و لابد من انخراط الجميع(الشرط السياسي) ولا بد من قانون المحاسبة(شرط الحكامة الرشيدة) ولابد من إنهاء مظاهر التسيب واللامبالاة وفرض شروط  صارمة لتكوين الأطر  (شرط التدبير الإداري الحديث) كل هذا في إطار إجماع وطني وبمساهمة جميع المؤسسات الرسمية  والاجتماعية  (شرط التمويل) ،وفي إطار صياغة قانون شامل للتربية والتكوين يجمع النصوص التشريعية المبعثرة ويتم تحيينها وفق المنظور الجديد للمدرسة العمومية  مع إرساء الأسس القانونية  لمؤسسة علمية محايدة (الشرط العلمي والبيداغوجي) تتكفل بتقويم الجودة وتتبع صيرورة المنظومة في مختلف مجالات أجرأة الإصلاح منذ التعليم الأولي إلى الجامعة .

فما هو الممكن والمستحيل في المعادلة ؟ الجواب يكمن في توفر إرادة سياسية  حديدية في سياق منظور استرتتيجي لبناء مغرب التحدي .

بقلم عبد اللطيف امحمد خطابي

[email protected]