Accueil / Non classé / التثلث الصبغي : نعمة الاختلاف وصبغية السعادة

التثلث الصبغي : نعمة الاختلاف وصبغية السعادة

Auteur: سعيد الحنصالي

 

التثلث الصبغي : نعمة الاختلاف وصبغية السعادة

لا ينبغي أن تعاش الإعاقة أبدا باعتبارها حالة استثناء نعالجها بوسائل استثنائية.بل ينبغي أن تعتبر واقعا عاديا من الحياة، وأن يتم استحضارها في الأذهان عند كل مبادرة في أي مجال من المجالات.

أسباب النزول

حللت مساء الاثنين 10 أكتوبر 2011 ضيفا على برنامج بدون حرج الذي تبثه قناة ميدي 1 تي في ، في حلقة خاصة بالتثلث الصبغي 21. كان اللقاء مناسبة قوية لتصحيح بعض المفاهيم وفتح نقاش حر حول قضايا حيوية تمس الطفل والأسرة والمجتمع. بذلت مقدمة البرنامج ومعدته وباقي الفريق جهودا جبارة مشكورة في تقديم الحلقة بموضوعية وحرفية عالية وبدون حرج، إلا أن الدقائق السبعين لم تتسع لقول كل شيء وإيصال كل الرسائل الضرورية إلى كل من يعنيه أمر هذا الموضوع. وفي هذه الورقة أريد أن أتمم نقاشا حرا بدأ، وأضيء عتمات لم يكشف عنها الغطاء. الإعلان هو اللحظة الانفعالية الأقوى في تجربة الأمومة الجديدة. لحظة تسبق تقبل الطفل المختلف وإعلان الحداد. ما يحدث في مستشفياتنا يترواح ما بين الإعلان القاسي مباشرة بعد الإنجاب، والامتناع المقصود تفاديا لكل الانفعالات الجانبية التي يمكن الاستغناء عنها بقرار أقل ما يمكن وصفه به هو خلوه من المهنية. ما يحدث في الحالتين يؤثر بشكل أو بآخر على طبيعة العلاقة بين الأم ووليدها وبينها وبين كل المحيط الاجتماعي في الأسابيع أو في الأشهر الأولى ما بعد الولادة.

فاطمة (اسم مستعار)، سيدة في الأربعين تنجب طفلها الأول، تمتنع تماما عن الحديث عن رضيعها المختلف خلال السنة الأولى من عمره, تعتني به في صمت حزين، وكأن أمر اختلافه وإعاقته المفترضة لا يدخل مجالها الإدراكي ولا يحدد وعيها بحجم الحدث الجديد الذي اقتحم حياتها. تعجز الأسرة عن خلق حافز الكلام لديها وكأن صخرة صماء تخرسها ولا تترك لها غير غريزة الاحتضان الأليم. بذلنا جهدا إلى جانب الأسرة الصغيرة لإحضار الأم وبدء جلسات استماع وتوجيه وعناية بالأم والطفل. وتُسِرُّ لي السيدة المكلومة لأول مرة أنها عرفت كل شيء عن رضيعها لحظات بعد إنجابه، وأنها كتمت الأمر لا رغبة منها في التستر وإنما عجزا عن مواجهة واستحضار لحظة الإعلان الأولى ذات الشحنة القاسية: ابنك منغولي، فكري في إنجاب طفل آخر. استعادت السيدة الآن بسمتها الضائعة، وبدأت تنظر إلى وليدها من جديد وكأن كل طيور الكون ترفرف فوق رأسه. لا أفكر وأنا أحكي هذه القصة في محاسبة من بادر إلى نقل الخبر إلى الأم سواء كان طبيبا أو فردا من الفريق الطبي. فقط علينا أن نطرح السؤال عما يحدث في أقسام الولادة بمستشفياتنا؟ وأية استراتيجية للتكفل والرعاية والتوجيه النفسي والطبي بالأم والرضيع؟

أعتقد أن برنامجا تواصليا دقيقا بين مصالح التوليد والأخصائيين النفسانيين والجمعيات العاملة في هذا المجال من شأنه أن يوفر وضعا مريحا للإعلان والتوجيه والرصد، وهذا يعني أن تنسيقا وتعاونا من منطلق تكاملي من شأنه أن يوفر: 

  عملية إحصاء منتظمة للمواليد الجدد وإدراجهم في سجلات المعلومات الخاصة بظروف الولادة وتفاصيلها. ( لا نتوفر في المغرب على إحصاءات خاصة بالتثلث الصبغي 21 ) 

  وضع الآليات والخبرة الملائمة من أجل إعلان يقلص إلى الحد الأقصى قساوة المسافة الفاصلة بين المعرفة والتقبل والرعاية.

إنجاب طفل مختلف ليس عارا علينا أن نستره أو نفضحه. إنجاب طفل مختلف سيرورة طبيعية في مفاجآت الحياة، علينا استيعابها وتدبير أمر تتبعها واحتوائها. وعلى من له فيها نظر، فلينعتها في نفسه بما يشاء بعيدا عن الإهانة والشفقة والنظرة الحائرة. لا نستطيع أن نتحكم في أهواء الآخرين وميولهم وعقائدهم الدفينة، لكننا نستطيع أن نبادر بخلق مرصد احترافي يضم كل الخبراء – ويستقدم الخبرة من بلاد العرب والعجم – ويكون محوره الأم والطفل.

الإنجاب أولا نعمة في هذه الحياة القاسية. لا يهم بعد ذلك، ماذا وكيف ولماذا. الإنجاب نعمة وكفى. ما يهم أولا وثانيا هو تنسيب وهم الكمال البشري، وأنسنة التدخل الطبي في ردهات مستشفياتنا الباردة.

الرعاية والتوجيه كيف أرعى ابني؟ وكم سيعيش من العمر؟ ومن المسؤول؟ ولماذا أنا؟ ومن يرعاه بعدي إذا سبقته للقاء وجه رب العالمين؟ أسئلة بالغة الدقة والوجاهة تطرحها كل الأمهات وبعض الآباء حين يحل على فراشهم ضيف عزيز – لا يعرفون حسن مقامه في الوهلة الأولى – هو الطفل ذو التثلث الصبغي 21. جزء من هذه الأسئلة طرحته بعفوية مؤثرة أم أيمن، في الروبرتاج الذي بُثَّ أثناء حلقة « بدون حرج » . طرحته وهي تعرف أن كلماتها ستبقى حبيسة الحلق ولن ينصت إليها منصت. لكن شعاعا من أمل بعيد يلوح في أفق هذا البلد الأمين.

أعتقد أن بنياتنا الصحية والاجتماعية لم تضع في حسبانها وضع استراتيجيات تواصلية وتحسيسية تعنى بالإجابة عن هذا النوع من الأسئلة: الأمر يحتاج وعلى نحو ملح إلى برمجة وصلات إشهارية وإنتاج دلائل مكتوبة ومرئية وتخصيص برامج كاملة عن آليات العناية بالطفل ذي التثلث الصبغي منذ الولادة إلى أن يصل سن التمدرس. لهذا السبب خصصنا في فضاء المسار خلية للتوجيه والاستماع والمواكبة تهتم بالأمهات الجدد والأسر الضائعة بين صعوبة الفهم والتقبل وقوة الأساطير الاجتماعية. لا أحد من الأبوين يتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في إنجاب طفل ذي تثلث صبغي، ولا علاقة لزواج الأقارب بهذا الموضوع (لم تتحدث أي من الأدبيات أو الأبحاث العلمية عن احتمال الارتباط بين الأمرين ). والله يتوفى ابن آدم متى شاء وحيثما شاء. كان الأشخاص من ذوي التثلث الصبغي 21 يفارقون الحياة باكرا بسبب ضعف الرعاية الصحية وتأخر العلم والطب في مواجهة الأمراض المصاحبة للإعاقة مثل اختلال وظائف القلب، أو سرطان الدم، أو الأمراض التعفنية…الخ. كان متوسط العمر لديهم هو 30 سنة في 1930، و40 سنة في 1978، وبلغ 60 سنة في 2010،. وعميد الأحياء من ذوي التثلث الصبغي يبلغ الآن 70 سنة. والأرواح بيد خالقها. لكن معضلة التكفل بالطفل بعد وفاة الأبوين يبقى من الأسئلة المحرجة والمؤرقة، والتي تحتاج إلى نقاش اجتماعي واقتصادي واسع. هل ما زالت بنياتنا الاجتماعية والأسرية تحتمل أن يتكفل أحد أطرافها مهما بلغ قربه من الأسرة بالشخص ذي التثلث الصبغي إذا ما يتمه الدهر، ولم يجد له عائلا. سؤال مفتوح ومتروك لعناية علماء الاجتماع والنفس والأخلاق والسياسة. لكن المؤكد أن كل أسرة يعيش فيها طفل في وضعية إعاقة تعاني جراء هذا السؤال الذي يقض مضجعها حين يستسلم الآخرون للحلم اللذيذ. وليكن السؤال أوضح: ما هو دور الدولة في مجال التكفل الشامل والتعويضات اللائقة عن الإعاقة مدى الحياة؟ في حدود علمي لم يسبق أن نوقش هذا الموضوع لا على مستوى محلي ولا على مستوى برلماني أو حكومي. وحتى الجماعات المحلية التي يفترض فيها أن تكون الطرف الأول الموكول إليه تحقيق دور القرب من الفئات الهشة والتكفل بها تكفلا حقيقيا داخل مجالها الحضري أو القروي، لا تضع هذا الأمر في دفتر تحملاتها. أية سياسة إذن للعناية الحقيقية بالشخص في وضعية إعاقة عموما؟

أقول هذا ونحن قاب قوسين أو أدنى من الاستحقاقات الانتخابية. وأكاد أقول إنه لا توجد أسرة لا تحتضن طفلا أو يافعا في وضعية هشة أو في وضعية إعاقة قديمة أو حديثة. الإحصاءات تقول- حسب العرض الذي ألقته سمية العمراني في الندوة التي نظمها الاتحاد الاشتراكي يوم الخميس 12 أكتوبر 2011 حول حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة – إن 25 في المئة نسبة أولية عن الأسر المعنية من قريب أو من بعيد بالإعاقة في المغرب. ما هي نسب الأرباح، أو نسب مناصب الشغل، أو نسب المشاريع الاجتماعية التي يخصصها القطاع الخاص الحيوي في المغرب ليجعل من مقاولاته بنيات اقتصادية منتجة ومواطنة؟ وهل تحفز الدولة هذا القطاع على إدماج مسألة الإعاقة ضمن برامجه التنموية بإعفاءات أو تخفيضات ضريبية؟ ينبغي أن تكون الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة ودقيقة، فلا أحد يستطيع أن يفلت من بطش التاريخ.

كثير من الأمهات اللواتي تعرفت عليهن تركن وظائفهن ليتفرغن للعناية بأطفالهن المختلفين، وكثير من الأسر فقدت جزء من مداخيلها لأن أحد الزوجين قرر أو أُكره على التفرغ للعناية بطفله. ليس فيما أقوله مبالغة. إن الإعاقة تفقر الغني فماذا يقول المعوز؟ هل من سياسة اقتصادية واضحة تقدم تعويضا عن فقدان الأم لوظيفتها، أو تخصص لها راتبا إضافيا مع التخفيف من عدد ساعات العمل ليكون دورها دور القرب المطلوب والمحبب والرعاية الشاملة؟ هل يتوفر المغرب على برنامج اقتصادي يستوعب حاجيات كل الفئات في وضعية إعاقة؟ وفي حدود علمي ليس هناك أي مشروع للتعويضات العائلية عن الإعاقة مدى الحياة. وهو الأمر المعمول به في كل البلدان التي تعي أن إهمال شروط الحياة الكريمة للمعاقين، تكون له عواقب وخيمة على اقتصادياتها وعلى ناتجها الداخلي الخام.

في المغرب تؤدي الدولة تعويضا عائليا قدره 200 درهم عن كل طفل، ويستمر هذا التعويض مدى الحياة بالنسبة إلى الشخص المعاق. هل يكفي هذا المبلغ إذا علمنا أن متوسط حاجيات الشخص في وضعية إعاقة شهريا هو 2500 درهم قابلة للارتفاع إلى الضعف بحسب نوع الإعاقة ودرجتها والمشاكل التي تصاحبها. في فرنسا – مع أنها لا تمثل النموذج الأمثل للعناية والتكفل بالأشخاص في وضعية إعاقة – تؤدي الدولة راتب المرافق التربوي للطفل في المدرسة AVS، وتؤدي للأسر:

1 – تعويضا عن تربية الطفل المعاق AEEH، بمبلغ أساسي قدره 126 يورو، ويزيد هذا المبلغ بإضافة تكملة تتراوح بين 94 و1038 يورو.

2 – إعانة التعويض عن الإعاقة PCH، محددة انطلاقا من برنامج خاص بكل طفل، ومن مشروع الحياة الخاص به. في فرنسا دائما، يعترف قانون 11 فبراير 2005 بحق تعويض الآثار التي تحدثها الإعاقة. يقتضي التعويض الاستجابة لحاجيات الشخص في وضعية إعاقة ولعائلته بحيث يكون جميعهم في غنى عن تحمل الأعباء والمتاعب الناتجة عن هذه الوضعية. يسعى القانون المذكور إلى ضمان ولوج الطفل أو اليافع أو الراشد المعاق إلى المؤسسات المفتوحة لعموم المواطنين، ووضع كل واحد منهم في الإطار العادي للتمدرس والعمل والحياة. الحق في التمدرس ما هو إلا أحد مظاهر هذا القانون. وسيكون لنا حديث عن وضعية التمدرس في منظومتنا التربوية في فقرة الإدماج. لقد عين صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله قبل شهور أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتم تشكيل الهيأة الجديدة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما أن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة منصوص عليها بشكل واضح في الفصل 34 من دستور المملكة الجديد. والأمل معقود على القائمين بهذه المؤسسات ذات القيمة الاعتبارية والاقتراحية والقانونية، حتى يدفعوا في اتجاه إخراج نصوص ومواثيق، وتفعيل أخرى، وملاءمة القوانين المعمول بها مع النصوص والمواثيق الدولية، والتسريع بإخراج القانون الجديد حول الأشخاص في وضعية إعاقة من بطء المساطر الإدارية، لأن وضعية الإعاقة في المغرب هشة هشاشة قشرة البيض.

الإدماج المدرسي

سؤال المفهوم والدلالة والفاعلية والكيفية يطرح بقوة عند الحديث عن الإدماج المدرسي أو الاجتماعي. أتساءل: هل تم بحرفية ووضوح طرح سؤال التعريف، وتدقيق الآليات المنهجية والديداكتيكية للتطبيق والتتبع. هل تم وضع خطة إدماجية حقيقية بكل الوسائل الضرورية: لوجيستيكية وبشرية وتكوينية؟

يسود الاعتقاد أن إدماج طفل ذي تثلث صبغي في مركز المدرسة ومحيطها، يعني أن نجتهد في جعله نسخة من الآخرين وإلا فشلت العملية جملة. على العكس من ذلك، إن الدرس الأول لإستراتيجية إدماج حقيقية وفاعلة هو ضرورة الوعي بالاختلاف والتنوع داخل الوحدة، ضرورة الوعي بالحدود وبالإمكانات، ضرورة توفير الأدوات الديداكتيكية، والتقنيات السلوكية الأساسية والناجعة من أجل شحذ طاقات الطفل ودفعه إلى التعلم والعطاء ضمن مجاله الإدراكي وقدراته التي يتميز بها ويتفرد عمن سواه حتى لو كان مثله في خصائص الإعاقة.

يعني هذا أن برنامجا شبيها بسرير بروكست – قاطع الطريق في الأسطورة الصينية – لن ينفع أبدا في إنجاح تجربة الإدماج المدرسي إذا ما كانت خلفيتها المنهجية، وضع برامج عمل على أساس التشابه المطلق بين كل الأطفال في الخصائص النفسية والإدراكية. والحال أن لكل طفل مميزاته وخصائصه ومناطق قوته وضعفه وميوله وحاجياته. وعلى كل الأطراف المتدخلة أن تكشف الأتربة عن سحر الرخام، من أجل كشف طاقات الطفل الدفينة وجعله ينسجم مع محيطه الاجتماعي والمدرسي: يتواصل، ينصِت ويُنصَت إليه، يعبر ويتعلم، يحدد لنفسه المكان الذي يلائمه بين الآخرين، ينتزع لنفسه حق الكلمة المسلوب.

لماذا لا نعطي لأطفالنا حق الكلام ؟ فنتعلم منهم رهافة الحس ودقة المعنى، ونعرف من خلالهم وبأصواتهم وهسيسهم، ما هم بحاجة إليه؟

إن التدخلات السلوكية مدخل أساسي لترسيخ التعلمات الملائمة والواقعية والمفيدة والقابلة للاستثمار. هنا تكمن قيمة وإلزامية التنسيق والعمل التكاملي بين كل المتدخلين بمن فيهم الأسر من أجل إنجاح عمليات التعلم وتخزين المعارف. هناك تجارب ناجحة وأخرى فاشلة، وثالثة لم يكتب ولم يتح أن تجرب لكي تفشل أو تنجح.

ما حاجتنا للتمدرس ولشواهد النجاح إن كان مقدار التعلمات لا يفيد في المرور إلى لحظة اندماجية يستثمر فيها المخزون ويصير منتجا بدوره؟ وليكن حديثنا محيلا أكثر. يتوفر المغرب على ترسانة لا بأس بها من المذكرات والنصوص والقوانين والبرامج، لكنه لا يتوفر على خطة واضحة لضمان تفعيل وتنفيذ هذه النصوص على الوجه الملائم واللائق والفعال.

يحدد البرنامج الاستعجالي لإصلاح المنظومة التربوية – والذي سينتهي به في 2012 – موقعا جيدا للعناية والتتبع لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة. وقد أصدرت وزارة التربية الوطنية مذكرات في هذا الشأن من أهمها المذكرة 143 / 13 اكتوبر 2009. مع ذلك لا نجد لهذه المذكرة صدى واضحا في المنظومة التربوية المركزية والجهوية، ولا يتم الوفاء بالالتزامات الرسمية وتنفيذ المقتضيات الواردة فيها. وبالتالي لا يتم تحقيق شرط الجودة الضروري في برامج تتبع مشاريع المؤسسات والأقسام المدمجة والمشاريع الفردية للمتعلمين ودور المحيط المدرسي في عملية إدماج حقيقية. أغلب الأسر التي نستقبلها في إطار الاستماع والدعم والتوجيه، تشكو من تعذر وجود مقعد دراسي لأطفالها في الحي الذي تسكنه. وهي بذلك تعاني من عدم تنفيذ التزام أساسي لمدرسة النجاح: مقعد دراسي بالجودة الضرورية لكل متعلم مهما كانت وضعيته. ما هي إذن أهمية إصدار مذكرات توجيهية ملزمة، إذا كان مصيرها سلات القمامة الحقيقية والافتراضية. ولماذا يحمل المجتمع المدني أعباء النهوض بوضعية أطفاله المختلفين، وكأن أسرهم لا تدفع الضرائب التي ينبغي أن تجني منها حقوقها الكاملة في المواطنة الكريمة، وأولها الحق في التربية. إن وضعية الإدماج المدرسي وضعية إشكالية تبدأ بغياب الفريق التربوي ذي التوجهات والرؤى المندمجة والمتكاملة، وتعثر البرامج والمشاريع ذات الأهداف المحددة، وتنتهي بإشكالية المفهوم والتعريفات.

أما عمق الإشكالية الفلسفية للمفهوم، فيمكن صياغتها كالتالي: كيف يمكن أن نتحدث عن سياسة إدماجية وهناك في المغرب مراكز، تساهم بعض الأسر كرها أو طواعية في جعلها تقصي أطفالها عن عمق النشاط المدرسي، وتمارس هي دور الفاعل المدرسي مغيبة بذلك التفاعلات الضرورية بين الأطفال باختلاف وضعياتهم؟ لا يمكن لهذا الفاعل أن يكون غير المدرسة لأنها المجال الحيوي الأول والأوحد الضامن للتعلم ضمن معايير الجودة التي تحددها المدرسة في كل بقاع العالم.

ما هو الإدماج؟

يفترض في غياب تدقيق اصطلاحي وترجمي، أن تشمل عبارة الإدماج في العربية كل المعاني التي تحتويها عبارات: Intégration, Insertion, Inclusion. وهي المعاني التي تحدد وتضمن موقعا متطورا للشخص في وضعية إعاقة داخل المجتمع بحسب المفهوم المعتمد للإدماج. وهو موقع تحدده وتضمنه المدرسة في المقام الأول، وتضمن معه تطورا للوضعية التعلمية، من الإدماج الجزئي إلى الإدماج الشامل. هل تستوعب التحديدات الرسمية للإدماج فروقات المعاني كما سنعرضها؟ الإدماج:

  Intégration: سيرورة تقتضي تيسير تكيف الشخص في وضعية إعاقة داخل الوسط العادي، بحيث ينبغي أن توافق سلوكاته المعايير والقيم الاجتماعية المهيمنة، وعلى الشخص في وضعية إعاقة أن يطور مجموعة من الاستراتيجيات حتى يُعتَرفَ به مثل الآخرين. يخدم الإدماج بهذا المفهوم مبدأ التطبيع المدرسي حيث يتم وضع آليات دعم تُمكِّن الطفل من تسلق السُّلَم الصعب لبلوغ المعيار المدرسي. 

  Insertion: سيرورة تقتضي تشييد بيئة ملائمة توافق خصائص الشخص في وضعية إعاقة.وهنا على البيئة أن تتحول حتى يجد الشخص في وضعية إعاقة مكانته داخل نسق منظم بحسب درجة عجزه وحاجياته. يتم وضع الشخص في وسط يلائمه، لكنه وسط يخرج عن الإطار الذي يلجه الجميع.

  Inclusion : سيرورة جدلية يسعى فيها الشخص في وضعية إعاقة إلى التكيف قدر الإمكان مع المعايير الاجتماعية، وتسعى المعايير الاجتماعية من جهتها إلى التكيف وتقبل الاختلاف. يتعلق الأمر هنا بتطوير استراتيجيات تتمكن بموجبها كل شريحة من المجتمع بكل خصوصياتها، من إيجاد موقع لها. إن مبدأ الإدماج -بهذا المعنى الأخير- في الوسط المدرسي، يستلزم أن « المدرسة – وبمساعدة المتدخلين المختصين- هي التي تؤهل نفسها لملاءمة مستوى التلميذ. للإدماج بهذا المعنى آثار قَيِّمَة على المدرسة يما أنه يفترض تحويل ونقل الموارد المختصة إلى القسم العادي. » (ج. زعفراني، أية مدرسة للتلاميذ المعاقين؟، 2007) إن السؤال الحرج الذي يفرض نفسه هنا هو: أي من هذه المفاهيم يحدد السياسة التربوية الخاصة بتتبع المسار التعلمي والاندماجي للأطفال في وضعية إعاقة وعلى رأسهم الأطفال ذوو التثلث الصبغي 21، باعتبارهم الشريحة الأكثر انتشارا في مجتمعاتنا؟

أما السؤال الأكثر أهمية: هل تستشرف البرامج التربوية الخاصة بالأقسام المندمجة، والمشاريع التربوية الفردية المستوى الثالث الذي يتجاوز المفهوم القاعدي للإدماج، والذي يقتضي أن تكيف المدرسة نفسها لفائدة حاجيات التلميذ وليس العكس؟ وهو المفهوم الذي يوافق تعريف الإعاقة باعتبارها انعداما للتكيف لدى المجتمع أكثر مما هي نتاج لقصور أو عجز. بهذا المعنى تنتفي الإعاقة أو تتخفف حدتها إذا تحقق التكيف التفاعلي وتوفرت سبله.

أعتقد أن ما يبدو عاجلا إنجازه هو وضع خطة تكوين شاملة لكل المتدخلين والمعنيين بموضوع تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، ووضع برامج علمية مؤكدة النجاعة، وذلك باستحضار التجارب الدولية الناجحة في إيطاليا وسويسرا وكندا وفنلندا وغيرها، وجلب الخبرات من كل بقاع الكون حتى يحدث التفاعل والتبادل بين ما نمتلكه نحن من طاقات مهدورة وما يتوفر عليه العالم من حولنا من خيرة الأطر في التربية والتعليم والتكوين. لقد أصدرت مؤسسة محمد الخامس للتضامن- قطب التكوين والهندسة الاجتماعية – في إطار التزاماتها بتنفيذ بنود الاتفاقية الرباعية لتعليم الأطفال المعاقين، وبتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، برنامجا تربويا في كتيبات ديداكتيكية حول الإدماج المدرسي للأطفال في وضعية إعاقة. نأمل أن يتم تعميم العمل بهذا البرنامج ضمن دورات تكوينية تطبيقية داخل الأقسام نفسها. عدد الأسر التي جاءتنا تبحث لأطفالها عن مقعد في المدرسة يستجيب لأحلامها المشروعة في غد أفضل، كبير. وعدد الأسر التي ترى في ذهاب أطفالها إلى المدرسة هدرا للوقت والجهد والمال، أكبر. بعث لي السيد أمين رسالة يطلب فيها أن أحكي تجربة ابنه اليافع المريرة في المدرسة ضمن حلقة البرنامج المذكور، لكن الحلقة سجلت قبل أن يصلني خطابه. مع ذلك أنقل هنا رسالته كما وصلتني: » أتمنى أن تتطرق في برنامج « بدون حرج » الذي ستكون ضيفا عليه يوم 10/10/2011 لحالة غسان ابني الذي كان يتابع دراسته بشكل عادي في مؤسسة تعليمية عمومية بمستوى الثالثة ثانوي إعدادي…. وحرمه أحد الأساتذة من حقه في التعلم مشككا في قدراته الذهنية رغم أن مستوى غسان الدراسي كان يفوق الكثير من التلاميذ العاديين ولم تحرك الإدارة التربوية ساكنا ..رغم احتجاجات العائلة..والتحقيقات التي جرت في الموضوع. ونتيجة هذا الضغط وهذا السلوك الأرعن من الأستاذ أصيب غسان بما يسمى : ببفوبيا التمدرس. وانقطع عن الدراسة ملاذه الوحيد الاندماج في الحياة العامة. فهل هذا هو حق التعلم الذي يضمنه الدستور لكل المواطنين على السواء؟‬ »

لا أملك معطيات كافية للحديث عن حالة غسان، لكنني أنقلها بأمانة فقط لأشير إلى أن هناك فعلا طاقات مهدورة، حالات كثير تعكس ارتباكا في البنيات المعنية بتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة؟ مهما كان، أعتقد أن تنظيما دقيقا يحدد المسؤوليات وآليات الإشراف التربوي سيحد من حالات الهدر التي كان بالإمكان إنقاذها لو اعتنت منظومتنا التربوية بالحالات الخاصة جدا والتي تعاني من صعوبات التعلم أو الاندماج أو التكيف أو التواصل ووفرت آليات تتبع وتقويم ودعم. التعلم معجزة. علينا فقط أن نهيئ لها شروط النجاح.

صبغية السعادة لماذا نختزل مساعينا في رغبة حمقاء تقضي بتحويل الملاك إلى بشر؟

أفكر وأنا أطرح هذا السؤال، في كلمات صديقي الطبيب الألمعي سعد بريطل وهو يخفف عني ذات صباح خريفي قبل إحدى عشرة سنة قسوة النبأ، ويضعني في مواجهة حقيقة جديدة: إذا كان الإنسان موسوما بخريطته الوراثية ذات الصبغيات الستة والأربعين، فإن طفلي ذي التثلث الصبغي الموسوم بصبغية زائدة على الحساب لا يمكن إدخاله في زمرة بني البشر. ولأن كل الكائنات الحية موسومة بعدد محدد من الصبغيات، فإن الانتماء الطبيعي لأطفالنا – بما أنهم جزء مما يسعد به الله عباده في هذا الكون الغامض- لا يمكن أن يكون إلا في زمرة الملائكة.

التثلث الصبغي 21 مقام من مقامات السعادة. صبغية تعلمنا أن العقل وحده لا يحكم قوانين هذا الكون. وإنما تحكمها المحبة. « أنا سعيد »، هكذا تخاطبنا عيناه وبسمته الرائقة. 

  ما الذي تحتاجه لتسعد يا ولدي؟ 

  أن يحبني الآخرون كما أنا. 

  وما الذي يغضبك يا ولدي؟ 

  أن يُعَلِّمني الآخرون ما لا أحتاجه، ويريدون تغيير وجهي لأشبه أوهامهم. 

  وما الذي يحزنك يا ولدي؟ 

  أن يخنق الآخرون روحي في أرحام الأمهات حتى لا تفضح بصمتي مؤامرة إخراج عالم بنسخ متشابهة حد التطابق. « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ».

الرباط في: 15 اكتوبر 2011 سعيد الحنصالي رئيس فضاء المسار للتثلث الصبغي 21 [email protected]

 

 

 

 

 

 

 

À propos Responsable de publication