Accueil / Non classé / البعد البيئي في التخطيط الجماعي

البعد البيئي في التخطيط الجماعي

إن أحد أهم التطورات المسجلة في السنوات الأخيرة في ميدان التنمية الاجتماعية والاقتصادية يكمن في بروز الجماعات المحلية كفاعل أساسي ومهم في مسلسل التغيير و الإصلاح و التحديث. و يعتبر ترسيخ أسس التنمية المحلية المستدامة من الدعائم الأساسية لهذه الدينامية التنموية. لذا، فان المختصين في ميدان الحكامة و التنمية و العلوم السياسية يشجعون على دعم الدور الذي تقوم به الجماعات المحلية في مسلسل التنمية وعلى منحها مزيدا من الاستقلالية و تزويدها بالإمكانيات الضرورية. وعلى هذا الأساس أصبحت عملية نقل الاختصاصات ومجالات تدخل الدولة إلى الهيئات المحلية ظاهرة عامة.

وقد انخرط المغرب في هذا التوجه باعتماده على السياسة اللامركزية و اللاتمركز كمنهج لتدبير الشان العام وكإطار لإنعاش الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. فرغم بعض التعثرات و المؤاخذات قان هذه السياسة تقوم على تعزيز أسس الديمقراطية المحلية، والتضامن والتنسيق بين مختلف الفاعلين بغية تحقيق تنمية محلية مندمجة ومستدامة. ونتيجة لحركية توسع ميادين تدخلها، أصبحت للجماعات المحلية مكانة بارزة في الاقتصاد المحلي و في الحياة اليومية للمواطنين. إن نقل المزيد من المهام إلى الجماعات المحلية قد ساهم في تعزيز دورها في تنمية جل الميادين المحلية وخاصة في إنعاش التنمية الاقتصادية و توفير البنيات التحتية وتطوير المجالات السوسيو-اقتصادية والمراقبة الصحية وتنشيط الثقافة والسياحة والمحافظة على البيئة.

و لهذا، فان ميدان البيئة لم يستثنى من هذا التوجه، بحيث حظيت الجماعات المحلية باختصاصات جديدة في تدبير المجالات البيئية خاصة في الميثاق الجماعي الحالي. و يصبو هذا التوجه إلى دعم و تقوية دورها في المحافظة و حماية البيئة وفي التدبير المعقلن للموارد الطبيعية المحلية. و تجدر الإشارة، إلى أن الرجوع إلى لائحة الاختصاصات المخولة إلى الجماعات المحلية، يوضح أن جلها يندرج في إطار الميادين البيئية أو المرتبطة بها. و يفسر أهمية الدور الذي يمكن للهيئات المحلية أن تقوم به من أجل التنمية المستدامة بعدة اعتبارات منها:

1.اعتبار كون غالبية المشاكل البيئة هي نتيجة للنشاطات المحلية و أن الحلول لمعظمها بيد الهيئات المحلية. و يجدر التذكير هنا إلى أن المذكرة 21 المنبثقة من مؤتمر ريو ديجنيرو، المنعقد سنة 1992 والتي تبنتها مختلف الدول، قد أقرت على ضرورة التعاطي مع المشاكل البيئية على المستويات الملائمة و على أهمية الجماعات المحلية في هذا الشأن؛

2.أهمية الاستثمارات المالية التي تقوم بها الجماعات المحلية والعدد الهائل من المشاريع التي تنجزها. و هذا يحتم عليها الأخذ بعين الاعتبار الجانب البيئي في جميع مراحل إنجاز هذه المشاريع و أن تقوم باستثمارات في ميدان المحافظة على البيئة و محاربة التلوث؛

3.اختلاف و تنوع المجالات و الميادين البيئية التي تسهر عليها بحيث إن طبيعة مهامها وجل اختصاصاتها لها علاقة وطيدة ومباشرة مع البيئة. فهناك ميادين حيوية تديرها الجماعات مباشرة وهناك أخرى تشارك في تسييرها وأخرى تستشار في كل ما يتعلق بها؛

4.قربها من العوامل المؤثرة على البيئة و كذا من المواطنين مما يمكنها من معرفة المشاكل ويسهل لها عمليات التدخل كما يجعلها على علم برغبات السكان و تطلعاتهم، مما يساعد كذلك في الإخبار والتحسيس بأهمية المحافظة على البيئة. كما أن المجال المحلي يلعب دورا مهما في تعبئة العموم من أجل المساهمة في التنمية المستدامة. لهذا و لتقريب العمل العمومي من المواطن فإنه يجب على الجماعات أن تلعب الدور الأساسي والمحوري في هذا المجال؛

5.وجود طلب اجتماعي متزايد تتبناه الحركة الجمعوية والتي تعمل جاهدة من أجل تحسين ظروف و نوعية العيش؛

6.التنمية الاقتصادية والاجتماعية المقرونة بالمد العمراني الكبير والتي تتفاعل مع الجانب البيئي.

و في هذا الصدد، فان جل المختصين يعتبرون أن الجماعات المحلية دعامة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة ليس فقط على المستوى المحلي بل على المستوى الشمولي. و لهذا فان تكثيف أنشطتها و تدخلاتها، يعد عملا ضروريا من أجل الوصول إلى الغاية المنشودة. و من اجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة فان المجموعة الدولية قد تبنت مبدءا مفاده :”يجب التفكير شموليا و العمل محليا” Penser globalement et agir localement)).

و لتحسين البيئة المحلية، يجب على المسئولين الجماعيين تبني رؤية تنموية شمولية ومستقبلية لجماعتهم. و قبل الوصول إلى هذا المبتغى هناك أوليات ((préalables يجب انجازها ووسائل يجب تعبئتها. و هذه المسلمات تؤدي بنا إلى ميدان التخطيط و البرمجة.

و إذا كان من استحقاقات وحسنات الميثاق الجماعي الحالي، إدراجه للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي من بين الوسائل التي يجب استعمالها من اجل تحقيق أهداف التنمية المحلية، فان الميادين البيئية التي تكون صلب العمل الجماعي، توجد في صميم هذا التخطيط والبرمجة.

و قد أورد الميثاق الجماعي في المادة 36 مجموعة من الأعمال و الأنشطة في هذا الإطار، بحيث توضح أن المجلس يضع برنامج التجهيز الجماعي و يقترح كل الأعمال الواجب انجازها ويقوم بكل الأنشطة و الأشغال التي من شأنها تنمية الجماعة و يتخذ كل التدابير لرفع قدراتها في كل الميادين و لإنعاش الاستثمارات …

و التساؤل المطروح في هذا الباب هو: كيف يمكن إدماج البيئة في المخططات المحلية خصوصا إذا أخدنا بعين الاعتبار خصوصيات البيئة المحلية و المتمثل في الطابع الأفقي للميادين البيئية و التداخل الكبير و التأثير المتبادل بين القطاعات البيئة دون إغفال أن هذا الميدان متعدد الاختصاصات و المتدخلين؟

و للجواب على هذا السؤال هناك عدة سنريوهات و يمكن لكل جماعة أن تجتهد في هذا الميدان حسب إمكانيتها البشرية و المادية و انطلاقا من أهدافها و المناهج المتبعة في البرمجة و التخطيط.

فمثلا، يمكن إدراج البيئة في المخطط المحلي كسائر الميادين و تطبق عليه نفس المقاربة و المنهجية المعتمدتين لإنجاز التخطيط برمته. إلا أن إغفال الخصوصيات البيئية المشار إليها أعلاه، يعد عيب هذه الطريقة.

ولهذا، فانه من المستحسن أن يحظى الجانب البيئي بتخطيط خاص و مستقل و بعد ذلك يدمج في المخطط الجماعي الكلي. فحتى في الحالات التي تستدعي وضع تصاميم التهيئة العمرانية للجماعة، فانه يستحسن إنجاز دراسات بيئية قبلية و بعد ذلك تؤخذ استنتاجاتها بعين الاعتبار في التخطيط العمراني.

والتخطيط البيئي المحلي يتطلب المرور من عدة مراحل يمكن إيجازها في:

 إنجاز ضبط شامل ودقيق للحالة البيئية مع الأخذ بعين الاعتبار لمكامن القوة والضعف للجماعة في هذا الميدان. وتعد هذه المرحلة حلقة ضرورية من أجل معرفة الأوضاع وتطورها وكذا الاعتماد على منهجية تصبو إلى تحقيق التنمية المحلية المستدامة؛

 

 تحديد الإشكاليات و ترتيبها حسب معايير متفق عليها كأهمية وفقا لضبط المشار إليه أعلاه؛ 

 صياغة الأولويات حسب خطورة المشاكل المطروحة و حجم آثارها سواء على صحة السكان أو على البيئة أو لتكلفتها الاقتصادية و مع الأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتاحة و الأهداف المستقبلية التي حددها المسئولون الجماعيون؛

 وضع رؤية شاملة وأفقية للجماعة و تبني سياسة عامة في ميدان المحافظة وتتمين البيئة، تشتمل على إستراتيجية وعلى برنامج عمل دقيق وواضح يمكن إذا ما تحقق من الحد من تدهور البيئة ومن تحسين إطار العيش. و الحلول المقترحة يجب أن تكون مناسبة وذات تكاليف مقبولة وأن تأخذ بعين الاعتبار الوضع الجغرافي والزمني؛

 مرحلة التنفيذ و التتبع و التقييم.

ومن أجل إنجاز تخطيط بيئي محلي ملائم و مقبول، يجب اعتماد مقاربة تشاركية خلال جميع مراحل البرمجة. ويمكن للجماعات أن تنعش هذه الديمقراطية التشاركية بالعمل على مساهمة جميع المتدخلين المحليين في التخطيط وفي إنجاز المشاريع المتعلقة بالتنمية المستدامة. وفي هذا الصدد يجب التذكير على أن مؤتمر “ريو ديجنيرو” قد أقر أن التنمية المستدامة والمتوازنة لا يمكن لها أن تتحقق بدون مشاركة حقيقية وفعالة للسكان. و من جميل الصدف أن الميثاق الجماعي تبنى هذا المبدأ في المادة 41، حيث أوضح على أن المجلس “يقوم بكل عمل من شأنه تعبئة المواطن قصد تنمية الوعي الجمعي من أجل المصلحة المحلية العامة، وتنظيم مشاركته في تحسين ظروف العيش، والحفاظ على البيئة وإنعاش التضامن و تنمية الحركة الجمعوية. وفي هذا الإطار يتكفل باتخاذ كل الأعمال من اجل التحسيس و التواصل و الإعلام و تنمية المشاركة و الشراكة مع الجمعيات…” لهذا فإن الجمعيات العاملة في الميدان وكذا كل من ممثلي المأجورين والتنظيمات المهنية وكل المتدخلين المحلين سيلعبون دورا هاما في مجال التخطيط الجماعي.

وفي الأخير لا ننسى بان نشير إلى انه لتدعيم المبادرات التي تقوم بها الجماعات من أجل تحسين ظروف ونوعية الحياة المحلية، فإن للدولة دورا كبيرا في هذا الاتجاه وذلك بإصلاح المجال القانوني المرتبط بالتدبير المحلي وتطوير مصادر التمويل وتنويعها وتقديم الدعم اللوجستيكي والتقني الضروري للجماعات. كما أنه يستوجب منها إنعاش المبادرات الجيدة والقيام بخلق شبكة لتبادل المعلومات والتجارب.

وزيادة على ما سبق، فإن حسن تسيير الإدارة الجماعية و تحسين تدبير البيئة المحلية بكيفية مستدامة و عن طريق اعتماد نظام لتتبع وعبر إخبار وتكوين جميع الموظفين العاملين بالجماعات المحلية، من شأنه وضع العمل الجماعي في سكة التنمية المستدامة.

بـــعـــــوان الـــحـــو أخصائي في التهيئة و التعمير