Accueil / Actualités / البحث التربوي الميداني أساس تأصيل اللسانيات المدرسية التطبيقية

البحث التربوي الميداني أساس تأصيل اللسانيات المدرسية التطبيقية

عبد العزيز قريش، باحث في علوم التربية

                من المعلوم بالضرورة أن الممارسة الصفية تعتريها التحديات والصعوبات مقابل النجاحات، ما تشكل معه حقلا خصبا للبحث التربوي الميداني في مجموع المجالات المعرفية التي تدرسها. واللغة العربية أحد مجالاتها التي تعترضه التحديات والإكراهات والصعوبات، ما يحد من فاعليته وناتجه التعليمي عند المتعلم على مستوى الكفاية اللغوية بتعدد وجوهها الوظيفية. وهي التي تعرب عنها الصعوبات اللغوية عند المتعلم من تدني نوع وكم الإنجاز اللغوي مكشوفا بدرجة مكثفة في مادة الإنشاء نتيجة ضعف المعجم اللسني للمتعلم، وحصيلته اللغوية، وضعف الكفايات القرائية، بما فيها كفاية التعبير وشقيقتها كفاية الكتابة بمنطق اللغة وبنظامها المعياري، وسلامة تراكيبها ودلالاتها … إلى غير ذلك من مظاهر القصور الحاصل في تعليم وتعلم اللغة العربية. ما حدا بالوزارة إلى التفكير في مراجعة المناهج الدراسية في شموليتها ومداخلها الديداكتيكية، وتذهب إلى تبني الطريقة المقطعية عساها ترفع من ناتج التعلم عند المتعلم، وتحقق جودة التعليم في تدريس اللغة العربية بالمستوى الأول ابتدائي، ويبنى على ذلك مقتضاه.

                وبما أن الممارس البيداغوجي هو الذي يواجه تلك التحديات والإكراهات والصعوبات بعيدا عن أهل الحل والعقد في المنظومة التربوية والتكوينية، ويتحمل مسؤولية أخطائهم في كثير من الأحيان وفي العديد من النوازل المدرسية، التي يعتقد معها المجتمع العام أن الممارس البيداغوجي هو السبب فيها وفي كوارثها وطاماتها الكبرى! من هذا الموقع، وهذا الموضع، وليواجه ما حشر فيه من متاعب؛ يجب أن يكون متسلحا بوعي معرفي ومهني ورسالي أساسه امتلاك المعرفة النظرية والتطبيقية على مستوى النظريات التي تدرس اللغة موضوعا علميا، وعلى مستوى اللغة نفسها كنظام للتعلم من حيث نسقها البنيوي والوظيفي والدلالي، ما يتطلب من الممارس البيداغوجي التحكم في النظام التركيبي والصرفي والصوتي والإملائي، وفي المعجم والبلاغة … وكل ما يتعلق باللغة العربية من مباحثها التطبيقية حتى يقدم القدوة للمتعلم في الإمساك باللغة العربية والتحكم فيها كآلة للتواصل والتعبير عن الأغراض ضمن الكفايات القرائية  » الاستماع، الإنتاج الشفهي والكتابي، القراءة    » حدا أدنى. كما يجب عليه أن يكون متسلحا بالتفكير الاستراتيجي والنقدي والعلمي والإبداعي والموضوعي والإجرائي بما يساعده على القيام بالتدخلات والإجراءات المناسبة لحل تلك القضايا والمشاكل التي تشكل مضمون التحديات والصعوبات والإكراهات فضلا عن التمكن من الأدوات والآليات الفاعلة في الدرس اللغوي العربي مدعما ذلك بجملة من العلوم المتدخلة في الشأن التعليمي التعلمي من قبيل علم النفس التربوي وصنوه المعرفي، وعلم الاجتماع التربوي بما يحتضن من سوسيولوجيا التربية، وكذا الديداكتيك، ومناهج البحث، وعلم اللغة بصفة عامة، واللسانيات التطبيقية بصفة خاصة، واللغويات الحاسوبية، والمعلوميات والتكنولوجيات الحديثة وعلم التواصل فضلا عن علم الأعصاب اللغوي أو علم النفس العصبي اللغوي، الذي يساهم في دراسة السيرورات المعرفية للغة مع التركيز على الإصابات العصبية التي تصيب مناطق اللغة الدماغية خاصة منها القشرة الدماغية وفهمها حتى يضع لها العلاج؛ بما يؤدي إلى تحسن تعليم وتعلم اللغة … وغير ذلك من العلوم المرتبطة بالتربية والتكوين.

                وهذه الخلفية العلمية والعملية إن اكتسبها الممارس البيداغوجي بعمق ووعي مضاف إليها الخبرة والتجربة، تسمح له بإجراء البحث التربوي في الممارسة الصفية، خاصة منه البحث التدخلي الذي يشكل رافعة أساسية في تأصيل اللسانيات المدرسية التطبيقية المغربية، والتي منوط بها مقاربة مجموع الإشكاليات والمشاكل والقضايا اللغوية التي تقع أثناء تدريس اللغة العربية، وهو ما يخلق في المؤسسة التعليمية المغربية فرق بحث تتعاطى مع الوقائع اللغوية المعيشة في المنظومة التربوية والتكوينية المغربية. وما يؤطر هذا الحقل المعرفي بإبستمولوجيا خاصة تجمع بين المعرفة النظرية باللغة العربية في المدرسة المغربية وبين التطبيقات والإجراءات لهذه المعرفة على القضايا اللغوية المطروحة وضبط أثرها على ناتج التعلم اللغوي عند المتعلم. وهو ما يغني المغرب عن استيراد المعرفة النظرية للغة من خارج الحقل الاجتماعي المغربي. نعم؛ لا ننكر ما للمعرفة المستورة من فائدة وعائد إيجابي على الحقل اللغوي العربي المغربي في إطار التفاعل الحضاري والحقل بينمعرفي للعلوم، ولكن تبقى المطبات الخاصة حاضرة لأن المنتج يكون من خارج البيئة المغربية التي لها خصوصياتها ومتطلباتها وشروطها الذاتية والموضوعية المتحكمة فيها.

                فالبحث هنا؛ يمنحها استقلالية في التفكير فضلا عن تأسيس مرجعية خاصة بنا في مجاله، وبناء القدرات المغربية في البحث مع تحسين المنظومة التربوية والتكوينية المغربية بما يناسبها موضوعا ونهجا وسيرورة وأداء وناتجا … ويكون لدينا الخبرة الميدانية المحلية في المؤسسات التعليمية التي تحل المشاكل عن قرب وتهيكل لنا المعارف الجديدة، وربما تخلق نظريات خاصة تساهم في تطور الحقل اللغوي بالمغرب. ومنه؛ فإن اللسانيات المدرسية التطبيقية تصبح بيئة طبيعية من البيئة التعليمية المغربية في المنظومة التربوية والتكوينية تحتض مجموع المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية الواقعة في الدرس المدرسي اللغوي العربي. فترى ما اللسانيات المدرسية التطبيقية؟ وأي تعريف يمكن أن نحد به هذه اللسانيات؟

                انطلاقا من تعاريف اللسانيات التطبيقية سنمتاح تعريفا إجرائيا لـ  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » بما يسمح بإجرائيات التدخل في معالجة مجموع المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية الحاصلة فعلا في الممارسة الصفية؛ حيث يفيد التعريــف أن » اللسانيات المدرسية التطبيقية « : [ هي تطبيق المعرفة اللغوية إجرائيا وواقعيا على المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية الحاصلة فعلا في الممارسة الصفية المدرسية طلبا لمقاربتها وحلها ومعالجتها، واستيفاء لأثرها على ناتج التعليم/التعلم فضلا عن ترصيد المعرفة اللغوية المتعلقة بهذه المشاكل وهيكلتها في أطر نظرية للاستفادة منها ]. وهو تعريف يتيح التالي:

ـ  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » مجال متعلق بالمدرسة فقط، بمعنى ما يقع في المدرسة من مشاكل وقضايا تتعلق بتدريس اللغة، وهو ما يمنح هذه اللسانيات حدودا مكانيا وزمنيا ووجوديا معينة. وما يقع خارج المدرسة هو مجال تعليمي بصفة عامة يمكن أن تختص به اللسانيات التعليمية التطبيقية، ذلك أن الأسرة قد تمارس تعليم أبنائها اللغة وتعترضها التحديات والصعوبات وتطرح عليها مشاكل متنية أو منهجية أو تقنية، فتسعى إلى حلها، فنكون أمام هذه اللسانيات التعليمية لا المدرسية، وبذلك تكون اللسانيات التعليمية التطبيقية أوسع من اللسانيات المدرسية التطبيقية. وللحقيقة المعرفية؛ ربما يطرح مصطلح التعليمية التباسا من حيث المصطلح متعلق بالعملية التعليمية التعلمية من جهة أولى، ومن جهة ثانية متعلق بالديداكتيك في بعض الترجمات العربية. غير أنه يمكن أن تستفيد  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » من معطى  » اللسانيات التعليمية التطبيقية  » في مقاربة موضوعاتها.

ـ  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » هي تطبيق إجرائي وواقعي للمعرفة اللغوية وما يؤازرها من معارف العلوم الأخرى على المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية الحاصلة في تدريس اللغة العربية للمتعلم. بمعنى لا تهتم هذه اللسانيات إلا بالبعد الإجرائي الواقعي لتعليم اللغة العربية ضمن ما يحقق درسا لغويا مدرسيا ناجحا. أما التنظير فهو يقع في الهيكلة بعد الاستنتاجات والخلاصات والتدوينات النهائية للمعرفة الإجرائية المحصلة للاستفادة منها.

ـ  لــ » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » هدفان أساسيان هما:

1 ـ مقاربة وحل ومعالجة المشاكل والقضايا والإشكالات والمستجدات اللغوية في الدرس اللغوي المدرسي؛

2 ـ ترصيد المعرفة اللغوية المتعلقة بالموضوع وبالمنهج والأدوات والآليات والتقنيات المتحصلة من مقاربة وحل ومعالجة المشاكل المذكورة.

ـ  يمكن الزعم بأن  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » هي فرع من اللسانيات التطبيقية، وتروم التخصص بالمجال المدرسي من حيث جمع جهود الباحثين والمتدخلين والممارسين والمشرفين البيداغوجيين حول الموضوع اللغوي المدرسي برمجة وتدريسا ومقاربة لمشاكله وقضاياه.

                في اعتقادي أن اهتمام الممارس البيداغوجي والمفتش التربوي والمكونين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بهذا المجال سيمنح الدرس المدرسي اللغوي العربي فرصة التطور ضمن المعطى المدرسي المغربي مستفيدا من حيثيات المعيش الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والايديولوجي … المغربي؛ بما يوطنه في البيئة المدرسية المغربية بحيثيات مغربية محضة. فنصير إلى تأسيس معرفة خاصة بنا وتحت شروطنا وواقعنا المعيش. ما يمنحها قيمة مضافة في مجالها. ويكسبنا معرفة عملانية وإجرائية بمشاكلنا المدرسية، ويمنحنا فرص التعاطي معها من منظورنا الخاص دون إملاءات ولا استيراد ولا تبخيس الذات وتحقير ما لدينا من خبرة وتجربة وحصيلة مهنية وتراكم معرفي … فنصبح خبراء في المجال التربوي والتكويني، ونستقل عن الآخر الذي يملي علينا شروطه ورآه.

                فتعليم اللغة في المدرسة المغربية حقل بحثي خصب يتناسب مع مبدأ إيجاد  » اللسانيات المدرسية التطبيقية  » من حيث المواضيع ومنهجيات التعاطي والأدوات والآليات والإجراءات والفرش النظرية المهيكلة للحصيلة المعرفية والاستنتاجات المتنوعة بخصوص قواعد المعالجة والحلول … وهو حقل كفيل بتطوير المعرفة والخبرة والتجربة عند الممارس البيداغوجي خاصة من خلال الاستفادة من جملة من مصادر اللسانيات التطبيقية كــ ( اللسانيات العامة- اللسانيات النفسية- علم النفس- علم الدلالة وعلم الرموز- علم صناعة المعجم- اللسانيات الاجتماعية- النظرية الاجتماعية- التعليم بكل فروعه- الرياضيات- علم الإحصاء الحاسوبي- المنطق ـ الفلسفة-  علم البلاغة – تحليل الخطاب-  فلسفة العلوم-  دراسة الجهاز العصبي-  علم التشريح-  علم وظائف الأعضاء-  الاتصال الكلامي-  علم أمراض اللغة-  الأدب والنقد الأدبي-  الترجمة – دراسة أسماء المواقع-  الذكاء الصناعي-  نقل المعلومات وتخزينها-  القانون والإدارة العامة )[1] … وهي مصادر مفتوحة على الجديد من العلوم كلما ارتبطت بمشاكل تتعلق باللغة وتدريسها أو فيها إمكانية للاستثمار في مجاله. ولعلي أضرب هنا مثالا فقط لا للحصر؛ ذلك أن تعليم اللغة العربية بالنسبة للمتعلم المغربي على أساس أنها اللغة الأم فيه إشكال كبير بالنسبة للمتعلم. لأنه يجد تلك اللغة محدودة الاستعمال من خارج المدرسة والدوائر الحكومية بنسب متفاوتة. فلا يجد لها امتدادا طبيعيا في الأسرة، ولا في الشارع، ولا في وسائط التواصل الاجتماعي، ولا في بعض الإشهار والإعلام … فوظيفتها محدودة في الحياة الاجتماعية للمتعلم المغربي. ويجد في المقابل  » الدارجة المغربية  » هي اللغة الأم أو بعض اللغات الأجنبية لدى العديد من الأسر المغربية وعند بعض الطبقات الاجتماعية والمجتمعية التابعة لثقافات معينة. فتظهر هنا إشكالية اللغة الأم عند المتعلم المغربي خاصة إذا أذكت نارها الإيديولوجيا والاثنية والعقيدة والسياسة … وسرى في عروقها جهل المقاربة! ومنه؛ فإن اللغة العربية تعد في ظله لغة ثانية أو ثالثة تدرس بناء على تعليم اللغة الثانية. كما تطرح من ثنايا هذه الإشكالية مشكل ازدواجية اللغة وكيفية التعاطي معها، ومدى الاستفادة من الحقل الاجتماعي المغربي في مقاربتها؟ فيتجلى هنا بوضوح إمكانية الاستفادة من اللسانيات المقارنة، ومن منهجيات تدريس اللغة الثانية لغير الناطقين بها تحت سقف مغربة هذه الاستفادة وتكييفها مع الواقع المعيش في المجتمع المغربي. وعليه يكون هذا المجال مصدر مجموعة من الأسئلة/ الإشكاليات من قبيل: إلى أي حد يستفاد من النظام اللغوي الأمازيغي في تدريس النظام اللغوي العربي؟ ومقابله كيف نستفيد من النظام اللغوي العربي في تدريس النظام اللغوي الأمازيغي؟ وهو نفس الطرح بالنسبة للدارجة وللغة الفرنسية واللغات الأخرى التي تشكل لغات أم بالنسبة لبعض المتعلمين المغاربة أو حتى الأجانب الذين يتعلمون اللغة العربية؟ وهذه الإشكاليات والمشاكل والقضايا هي موضوع للسانيات المدرسية التطبيقية. فيها ثراء البحث والدراسة. بل، أجدها مجالا معرفيا ومهنيا لتقديم أطروحات الدكتوراه في اللسانيات المدرسية التطبيقية.

                فالمدرسة المغربية في الدرس المدرسي اللغوي العربي تشهد عدة مشاكل تستعين المؤسسة التعليمية في التعاطي معها بحاصل معرفة الآخرين وتجاربهم ونظرياتهم وإجراءاتهم ومقترحاتهم … وبعموميات الأدبيات التربوية واللغوية العالمية؛ ما يفوت في كثير من الأحيان عنها تحقيق الأهداف وتحصيل الإصلاح. ولنا؛ فيما جرب في أبناء المغاربة من نظريات وما يجرب حاليا الدليل القاطع على أن الإصلاح ومعالجة المشاكل تنبع من سياق وجودها لا من خارجه، ومن حيثيات أسبابها لا من الافتراضات وحيثيات أسباب مقابلاتها أو شبيهاتها أو أصناف مكافآتها. والنهوض بالمدرسة المغربية لن يكون إلا من خلالها وبها، ومن واقعها ومعيشها … وإلا؛ فإننا نرد خارج السرب وسياق التغريد!

                واستنتاجا عاما يزعم أن البحث والميدان هو الكفيل من توليد معرفة حقيقية بالممارسة الميدانية المدرسية وبواقعها ومعطياته المتنوعة. فعلينا بهذا الواقع حتى نتحكم فيه بأنفسنا وبأدواتنا ومعرفتنا … والله من وراء القصد.

[1]  د. صالح ناصر الشويرخ، قضايا معاصرة في اللسانيات التطبيقية، مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، الرياض، السعودية، 1438/2017، ط1، ص.:19.