Accueil / Education / إصلاح التعليم و العوائق الخفية

إصلاح التعليم و العوائق الخفية

في سياق التحولات الإقليمية و الكونية والتكنولوجية التي باتت أكثر من أي وقت مضى تستلزم بناء مدرسة جديدة تكون في مستوى متطلبات القرن الواحد والعشرين بما يحمله من تحديات اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية . إذ وجد النظام التعليمي المغربي نفسه في مناخ دولي شديد المنافسة، وأضحى على المغرب بالياته الإدارية والمؤسساتية صياغة إصلاح يضمن الحد الأدنى من الشروط لتحقيق التنمية الشاملة.

وتبعا لما كان لخطاب جلالة الملك في 20 غشت 2013 من أثر في تحريك الآليات الإدارية و الدستورية الموكول إليها النظر في موضوع التعليم، فقد عملت وزارة التربية الوطنية على تنظيم لقاءات تشاورية من 28 أبريل إلى منتصف يوليوز 2014 على مختلف الأصعدة مركزيا وجهويا وإقليميا ومحليا خلصت إلى تجميع تقارير تنتظر التفعيل في إطار منظور جديد للإصلاح.

في السياق ذاته نظم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من 14 إلى 30 أكتوبر 2014 لقاءات مماثلة بمقاربة مختلفة شملت بالإضافة إلى ممثلي التعليم الابتدائي والثانوي ممثلي التعليم العالي و هو ما شكل خلال هذه السنة رجة قوية داخل المجتمع لإعطاء إصلاح التعليم بعدا اجتماعيا ووطنيا ، بل استراتيجيا لما لإصلاح المدرسة العمومية من رهانات على مستقبل المغرب الحضاري في كل أبعاده، غير أن الإطلاع على بعض التقارير التي صدرت عن اللقاءات السابقة الذكر، و من باب توسيع دائرة الحوار على مستوى الإعلام فان إشكالية الإصلاح تستوجب الوقوف عند مجموعة من الملاحظات بناء على ما ورد في التقارير الخاصة بالمشاورات المنظمة من طرف الوزارة والمجلس الأعلى    يمكن الإشارة إلى بعض منها :

  1. إن قراءة بعض التقارير توحي بان وضع إصلاح التعليم في المغرب يشبه قصة ذلك المعذب في الأرض سيزيف في الأسطورة اليونانية المحكوم عليه بإيصال صخرة إلى قمة الجبل تسقط منه كلما حاول ذلك، ووجه الشبه بين المثالين هو تكرار المحاولات والاقتراحات الإصلاحية دون جدوى حيث نجد أن الوزارة الوصية عاجزة عن إيجاد السبيل إلى الطريق القويم وهو ما يكشف عن خلل عميق في مقاربة الإصلاح الذي أصبح كل مشروع يمتص ميزانيات ضخمة من ميزانية الدولة دون تحقيق الحد الأدنى من النتائج المرجوة بل يزداد الوضع تفاقما وسوءا على ما كان عليه في السابق ، وهذا ما أكده جلالة الملك في خطاب 20 غشت 2013 حيث قال: “غير أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة.”
  2. إن هذا التراجع يكشف بشكل سريع أن المنظومة التعليمية في المغرب ما تفتقده هو آلية للضبط على جميع المستويات ،من المحلي إلى المركزي، تمكن من استباق حدوث المشاكل وتفاقمها للتمكن من تجاوز جميع الإكراهات التي تبرز من حين لأخر ،وكي أسوق مثالا بسيطا من المدرسة نفسها فإننا في نظامنا التربوي والإداري نراكم تسجيل التغيبات للتلاميذ لنراسل الآباء، لتنتهي العملية في أسوء الأحوال بطرد التلميذ أو تغيير مؤسسته دون أن تتمكن المؤسسة من إدراك الصعوبات النفسية و التعلمية التي حالت دون وصول التلميذ إلى الوضع السيئ الذي جعله يتعثر في مساره الدراسي ، إلى غير ذلك من وضعيات مشابهة تهم الهدر المدرسي الذي يقذف بالآلاف من التلاميذ خارج المدرسة كل سنة .
  3. يتفق كثير من المتتبعين والمهتمين بالشأن التعليمي أن موضوع الإصلاح ظل يخضع خلال عقود لمنظور تجزيئي سطحي بل ظرفي ، حيث افتقدت الوزارة المعنية إلى نظرة استراتيجية لهذا الورش الهام الذي يشكل أساس كل تنمية ، ولم نعد في حاجة إلى برهان على ذلك ، فكل الدول التي راهنت على الرأسمال البشري والاجتماعي حققت أحسن النتائج على مستوى النمو الاقتصادي . فقد شكل البرنامج الاستعجالي بداية حسنة لتثبيت العمل بمنطق البرنامج والمشروع غير أن الحسابات السياساوية والصراع بين الأحزاب حال دون الاستمرار في تحقيق التراكم المطلوب.
  4. فشل مشروع التعبئة والتواصل حول المدرسة :عند قراءة التقرير الوطني صفحة 22 نصطدم بحقيقة مؤلمة أن جميع الأحزاب لم ترد على مذكرة الوزارة فيما يتعلق بمقترحاتها بشأن الإصلاح وهو واقع ينم عن بؤس في التواصل بين قطاع حكومي استراتيجي وأحزاب أخذت على عاتقها مسؤولية تدبير الشأن العام في الماضي والحاضر، وكيف ما كان الحال فالموضوع كان يحتاج إلى عناية تتجاوز مجرد تراسل إداري روتيني، كون أن المدرسة تعد شأنا وطنيا   .

     في مقابل ذلك تجاوبت الأحزاب السياسية مع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بمذكرات  نشرها هذا الأخير على صفحات موقعه الالكتروني وتتباين الأحزاب في مقاربة تناول الموضوع وحجم المذكرات المرفوعة إلى المجلس .

  1. من جهة أخرى فإن الإطلاع على التقرير الوطني لوزارة التربية الوطنية و بعض التقارير الجهوية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يكشف عن خجل المتدخلين في إثارة إشكالية ربط المسؤولية بالمحاسبة ، وهو قلب أزمة التعليم ، لأنه عندما تغيب المحاسبة تتفاقم الفوضى واللامسؤولية .فقد أصبح المنطق السائد منذ سنين يختزل في مبدأ “سلك” أي غض البصر عن التجاوزات مما أوصل المؤسسة التعليمية إلى وضع مزري ويتجلى ذلك في عدد حالات الغش في الامتحانات و لا أحد يحاسب أحدا عن هذا الوضع الذي أدخل المدرسة في حالة غيبوبة تتنفس بجرعات أكسجين من النفاق الاجتماعي الذي ينكشف بسرعة على مستوى الروائز الدولية والتقارير التي صنفت المغرب في خانة دول تمتلك قدرات أقل منه بكثير.
  2. الفساد الإداري والتربوي والمالي : هذا الوضع الذي وصلت إليه المدرسة تتجلى أعراضه في تدني المستوى من جهة ، وتفاقم البطالة من جهة أخرى، مرده إلى الفساد الاداري، حيث لم تعد الإدارة قادرة على الضبط ، لا على مستوى تدبير تغيبات التلاميذ أو الأساتذة ،أو حتى محاسبة المسؤولين بمختلف مراتبهم بسبب تداخل النقابي والسياسي في الإدارة، مما خلق جوا من عدم الثقة وفساد منظومة القيم حيث تراجعت قيم الجدية والعمل إلى طغيان شبكة الزبونية في كثير من الحالات مما أوصل الوضع إلى ما هو عليه اليوم ، ناهيك عن الفساد المالي الذي تصرف فيه الملايير من السنتيمات في صفقات قلت شروط ضبطها، و ما تراكم المشاكل المادية على مستوى البنيات التحتية خير دليل على ذلك وعدد الإحالات على المجالس التأديبية كلها مؤشرات سلبية تنطق بوجود اختلالات متعددة تعالج بطرق ترقيعية تتفاقم سنة بعد أخرى .

إن إصلاح التعليم الذي يعتبر ورشا وطنيا استراتيجيا معقدا لا يمكن أن ينجح إلا في إطار مقاربة شمولية معقدة كذلك بحيث أنه لا يمكن لجسم يعاني من أمراض خفية عميقة وبنيوية أن يعافى إذا اكتفينا بمعالجة الأعراض السطحية .

إن المقاربة النسقية تستدعي الربط بين الجوانب المتعددة للموضوع ، فالمدخل التربوي يستدعي المدخل النفسي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي .

إن وضع أسس استراتيجية لبناء مغرب الغد، يلزمنا جميعا بتفعيل الدستور الجديد في مختلف أبعاده بشكل كامل غير منقوص وهو ما لم يتحقق إلى حدود اليوم، و إن ترجمة المبادئ الكبرى خاصة ما يهم حقوق الإنسان كمدخل جوهري لبناء مدرسة مواطنة تستجيب للحد الأدنى لمتطلبات المواطنة الحقة و وضع الحواجز أمام تنامي ظاهرة التعليم الخصوصي الذي يكسر المجتمع إلى نوعين من المواطنين لان التنمية الحقيقية تبدأ من ابن ذلك الفلاح البسيط الذي ينتظر من ابنه أن يكون مزارعا عصريا ينافس المنافس في دول أخرى لا أن يظل وراء محراث مرت عله آلاف السنين .

إن تفعيل المقاربة الحقوقية يستدعي كذلك تكوين جيل جديد من المدرسين يؤمنون بحب الطفل ويقدرونه أحسن تقدير مما يستلزم الرقي بمهنة التدريس وإعطاءها المكانة الاجتماعية اللائقة بها و إعادة الاعتبار للمدرس وجعل هذا مسؤولية يأخذها على عاتقه كل من رئيس الجماعة ، و الأسرة ،و المسؤول الوزاري، لكي نخلق وعيا جديدا يؤمن مساهمة كل واحد فينا بماله وجهده لجعل المدرسة تلك النواة التي تحمل حلم الأجيال والوطن .

فأسباب الفشل لا يمكن اختزالها في المدرسة وحدها بل الأسباب متعددة المشارب :

  • أولا لا بد من احتضان المدرسة من المجتمع بكامل أطيافه (المجتمع المدني والسياسي والأسري) لتصبح المدرسة شأنا ذا أولوية لدى الدولة والأسرة .
  • ثانيا لا بد من إعداد جيل جديد من المدرسين والإداريين بمواصفات جديدة تضاهي مواصفات خريجي أحسن المدارس تكون قادرة على التربية والتعليم والتأثير والتعبئة .
  • ثالثا إعادة النظر في النموذج التربوي الذي أصبح متجاوزا وتخطي المدرسة /المسيد أي الحفظ والاستظهار إلى نموذج يتوخى التعلم مدى الحياة ويمكن المتعلم من تطوير نفسه وذكائه ومهاراته وفتح الفرص أمام الذكاءات المتعددة وربط المدرسة بالحياة والمقاولة .
  • رابعا ترجمة التوجهات الجديدة في إطار نص تشريعي متكامل ملزم للدولة والأسر والجماعات المحلية والجمعيات العاملة في الحقل التعليمي
  • خامسا ترجمة توصيات الحكامة إلى إجراءات مسطرية تجعل من المسؤولية و المحاسبة كل لا ينفصل عن بعضه طبقا لروح الدستور الجديد
  • سادسا الارتقاء تدريجيا باللغة الانجليزية وجعلها تعوض بشكل تدريجي اللغة الفرنسية خاصة في المواد العلمية والاقتصادية والمحاسباتية
  • سابعا إحداث المركز الوطني للتقويم والجودة لتتبع مردودية المنظومة في شموليتها وتمكين جهاز التفتيش العام من تتبع مردودية كل مؤسسة على حدة وتمكينه كذلك من آليات التدخل واستباق تفاقم المشاكل.
  • ثامنا إعادة النظر في استقلالية المؤسسة وتمكين المديرين من الوسائل المادية والمالية والبشرية وتوسيع هامش المناورة بالتعاون مع الجماعات المحلية لحل كل مشاكل المؤسسة .
  • تاسعا ربط المؤسسة بالتعليم العالي من خلال مشروع تطوير التكوين المستمر لتمكين المدرسين من حصة سنوية لتطوير وتحيين معارفهم في مجال تخصصهم .
  • عاشرا تفعيل إلزامية التعليم بمعناه الحقيقي وإعطاء كل تلميذ فرصة للنجاح في مسار معين تساعده المؤسسة على ولوجه لتمكينه من الاندماج الاجتماعي و جعل “المدرسة مؤسسة للنجاح في الحياة” ورافعة من رافعات التنمية المحلية والوطنية .

وأخيرا فإن إصلاح التعليم لا بد أن ينطلق من الأسئلة الحقيقية التي يفرزها الواقع على جميع المستويات وطرح البدائل الشجاعة والضرورية لوضع مشروع الإصلاح على السكة الصحيحة التي تساير العصر والحداثة وتستجيب لحاجات المتعلمين والمجتمع والدولة وتؤسس لثورة ثقافية هادئة تمكن من التطور والتقدم مع الحفاظ على الثوابت الثقافية لتاريخ المغرب .

فهل سيستطيع العقل السياسي من جهة والتربوي من جهة ثانية صياغة المشروع المجتمعي الحداثي وتأسيس المدرسة العمومية الجديدة لتحقيق آمال المجتمع ؟

وهل ستتمكن الجهات المعنية بتدبير مشروع الإصلاح لاختيار النخب القادرة على رسم خارطة الطريق التي ستمكن من تحقيق النتائج والغايات المرجوة، أم أننا سنظل نصارع صخرة سيزيف ؟؟

Abdellatif.mhamed.khattabi@gmail.com

 عبد اللطيف امحمد خطابي