Accueil / slideshow / أي دور للمجتمع المدني في تقييم السياسات العمومية ؟ الجزء الثالث

أي دور للمجتمع المدني في تقييم السياسات العمومية ؟ الجزء الثالث

6 ) معوقات إشراك المجتمع المدني في إنتاج السياسات العمومية : شكل دستور 2011 خطوة إيجابية في مسار التحولات التي عرفها تدبير القرار العمومي في المغرب و الفلسفة الجديدة لهندسة السلطة التي سعت إلى إعطاء الفاعل الاجتماعي دورا أساسيا في إعداد و تفعيل و تنفيذ و تقييم السياسات العمومية و في التشريع و تدبير الشأن العام جنبا لجنب مع المؤسسة التشريعية ، بيد أن القيام بهذا الدور سيظل مهمة موقوفة التفعيل في ظل ضعف مأسسة الديمقراطية التشاركية ،و علاقة بالفاعلين الاجتماعيين ذاتهم الذين تعتريهم عوامل ضعف ذاتية، و يزداد الأمر تعقيدا إذا استحضرنا الغموض القانوني الذي يكتنف النصوص الدستورية و ضعف الارادة القوية لدى أصحاب القرار السياسي، و تحول الديمقراطية التشاركية إلى طقوس سياسية بدون مضمون تشاركي، و اعتبار السياسة مجالا محتكرا يشتغل لذاته في غنى عن المواطنين. فكيف يمكن الحديث عن إشراك للمجتمع المدني في إنتاج السياسات العمومية في ظل المعطيات السالفة الذكر؟ و التي تلخصها عوامل تتعلق بالفاعل الجمعوي نفسه و عوامل أخرى تتعلق بالغموض القانوني الذي يعتري النصوص الدستورية و عوامل تتعلق بالإدارات و السلطات العمومية نفسها : أ ) العوائق المرتبطة بالفاعل الجمعوي : رغم التطور النوعي و الكمي الذي عرفه المجتمع المدني بالمغرب ، و سعيه المتزايد إلى مأسسة الفعل الجمعوي إلا أن الدارس له يلمس العديد من الإختلالات التي لا زالت تعتري هذا المكون و التي تحول دون قيامه بأدواره الدستورية و القانونية في إنتاج السياسات العمومية و يكمن إجمال ذلك فيما يلي : 1- ضعف توفر الفاعل الجمعوي على خبرات و كفاءات ذات تكويني قانوني ،و من ثم تفتقر معظم مؤسسات المجتمع المدني لتكوين قانوني يساعد في أداء المهام المطلوبة على الوجه الأسلم خصوصا في مجال تقديم العرائض و ملتمسات التشريع . 2- ضعف التأهيل و بنيات الاستقبال الخاصة بهيئات و منظمات المجتمع المدني . 3 – ضعف التمويل و الدعم العمومي و القدرة على تعبئة الموارد . 4 – ضعف الديمقراطية الداخلية داخل الجسم الجمعوي و الحكامة و الشفافية في التدبير الإداري للعديد من الجمعيات . 5 – عدم قدرة الفاعل الجمعوي على الحصول إلى المعلومة و تفعيل الحق في الوصول إليها كما ينص على ذلك الدستور . 6-  6- سيطرة قيم اجتماعية و ثقافية تقليدية تقف حجر عثرة في طريق تحقيق التنمية المحلية، فحضور نمط العلاقات القبلية العشائرية و القرابة من النظم الاجتماعية التي تعرقل مسارات و مجهودات اعداد وتفعيل وتنفيد وتقييم السياسات العمومية، و ذلك بالنظر إلى الالتزامات و المسؤوليات و الواجبات المتبادلة بين الأفراد و التي تعد معوقا من معوقات التنمية في المجتمعات المحلية تمثل فيها هذه الالتزامات أهمية بالغة ، فضلا أن كثير من الفئات الاجتماعية مشدودة أكثر إلى عنصر التقليد و لا تقبل بالتغيير و التحديث نتيجة لما قد يشكله هذا التحديث من تهديد لمصالحها و امتيازاتها [1]و بالتالي تكون جبهة مضادة لهذا التجديد. 6-    7- سيادة نسق قيمي سلبي له اليد الطولى في توجيه السلوك و الدوافع و الإنجاز نحو الفعل الاجتماعي المحلي الموجه للتنمية المحلية ب ) عوائق تتعلق بالمؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة : 1 ) غياب أو ضعف التواصل في موضوع السياسات العمومية بين الفاعلين الاجتماعيين و المؤسسات العمومية و المنتخبة . 2 ) غياب تمثيلية للمجتمع المدني في مؤسسات الدولة المتدخلة في السياسات العمومية . 3 ) ضعف الإرادة لدى هذه المؤسسات لتفعيل الديمقراطية التشاركية خصوصا فيما يتعلق بتفعيل دور المجتمع المدني في تفعيل و تنفيذ و إعداد و تقييم السياسات العمومية . 4 ) توجس و تخوف الدولة و الفاعل الجماعاتي[2] من المجتمع المدني من أن يشكل هذا الأخير رافدا و حليفا لمطالب الحركات الاحتجاجية و بالضبط في أن يتحول إلى سلطة مضادة و إلى مجال لاستنبات قيم المواطنة و الدفاع عن الحقوق و أسلوب التعاقد المفضي إلى المسؤولية 5- هشاشة الديمقراطية التشاركية و عدم قدرتها على التخلص من هاجس التحكم و الضبط و تغليب المقاربة الأمنية على حساب الهم التنموي و بقائها أسيرة أجندة السلطة المركزية التي يكون همها الأساسي هو الضبط الاجتماعي بما تمتلكه من أدوات مختلفة . 6- ضعف إرادة الدولة في إدخال فاعلين جدد إلى تدبير السلطة والشأنين المحلي والعام وسيطرة التحكم والاحتكار لديها في هذه المجالات. ب )) عوائق تتعلق بالنصوص الدستورية المؤسسة للديمقراطية التشاركية : 1 ) الغموض القانوني خصوصا ما يتعلق بتقديم العرائض و ملتمسات التشريع مما يتطلب تأويلا ديمقراطيا للدستور يضمن حق المجتمع المدني في تقديم العرائض و ملتمسات التشريع , و إنهاء الجدل القانوني حول تأويل الجهة المخول لها هذا الحق هل يتعلق الأمر بالمواطن فقط عموما أم بالفاعلين الاجتماعيين و المواطن معا. 2 ) سكوت المشرع عن طبيعة الآليات الدستورية التي تحقق مساهمة المجتمع المدني في إعداد قرارات و مشاريع لدى المؤسسات المنتخبة و السلطات العمومية و كذا تفعيلها و تقييمها و عدم وضوح الإطار المؤسساتي المنظم لها. 3 ) عدم وضوح طبيعة آليات الحوار و التشارك و هيئات التشاور المذكورة في الفصل 13 و 139 ، و ربط إحداثها بالسلطات العمومية و الجماعات الترابية، دون التنصيص على إلزامية ذلك، مع ما قد يفتح هذا الأمر من الإرتجالية و المزاجية التي تطبع العمل الجماعاتي و المؤسسات العمومية. 4 ) غموض مفاهيمي في تحديد المصطلحات الآتية : الإعداد – التفعيل – التنفيذ – التقييم في مجال السياسات العمومية ، و عدم تحديد دور المجتمع المدني في هذه المراحل مما قد يفرغ مضمون المشاركة من محتواها الحقيقي و يحولها إلى شكل بدون مضمون . 5 ) الحديث عن دور المجتمع المدني في إعداد و تنفيذ و تفعيل و تقييم السياسات العمومية لم يؤطر بقانون تنظيمي كما هو الأمر في تقديم العرائض و ملتمسات التشريع . 6 ) إسناد أحداث هيئات التشاور و آليات الحوار و التشاور للسلطات العمومية و مجالس الجهات و الجماعات الترابية دون الحديث عن كيفية هذا الإحداث و طبيعة هذه الهيئات و الآليات و مهامها بتفصيل و حدود عملها . و إجمالا إن الفصول الدستورية التي تتحدث عن آليات اعمال الديمقراطية التشاركية يكتنفها الغموض ، و مفتوحة على تأويلات دستورية عديدة قد تفرغها من مضمونها التشاركي . 7     بعض المقترحات لإشراك حقيقي للمجتمع المدني في إنتاج السياسات العمومية : 1 ) التكوين القانوني للفاعل الجمعوي ليضطلع بدوره في إنتاج السياسات العمومية خصوصا ما يتعلق بتقديم ملتمسات التشريع و العرائض المحلية و الشعبية . 2 ) تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بحق الفاعل المدني في الحصول على المعلومة . 3 ) إخراج هيئات التشاور و الحوار المنصوص عليها في الفصول 13- 139- 12 و تحديد أدوارها و طبيعتها . 4 ) توفير السلطات العمومية الإعتمادات المالية الكافية للمجتمع المدني للقيام بدوره في تقديم العرائض و ملتمسات التشريع و المشاركة الفاعلة في التشاور العمومي . 5 ) ضمان تمثيلية عادلة للمجتمع المدني في مؤسسات و هيئات الحكامة و حماية حقوق الانسان و التنمية البشرية و المستدامة و الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الفصول من 161 إلى 170 و خلق تمثيلات موازية لها محليا و جهويا و وطنيا . 6 ) تأهيل و تعزيز بنيات الاستقبال الخاصة بالمجتمع المدني و دمقرطة التمويل العمومي . 7 ) التعجيل بإخراج النصوص القانونية و التنظيمية المؤسسة لدور المجتمع المدني في إنتاج السياسات العمومية ( الفصل 12- 13- 14- 15- 139 ) للقطع مع التأويلات و الجدالات القانونية حول هذه النصوص . 8 ) جعل المصلحة العامة بوصلة موجهة لتدبير السياسات العمومية و القطع مع الحسابات السياسية الضيقة الغير معقولة التي تتداخل فيما المصالح الشخصية و الحزبية و الحسابات الانتخابوية و محاربة الريع الاقتصادي و التشريعي والجمعوي الذي يحول دون أجرأة حقيقية للديمقراطية التشاركية . 9 ) تحرير السياسات العمومية من هاجس التحكم و الظبط و تغليب المقاربة الأمنية على حساب الهم التنموي و الضبط الاجتماعي على الشراكة و التشارك بين الفاعلين . 10 ) تعزيز منظومة القيم باعتبارها موجها للسلوك الاجتماعي و دافعا للانجاز و الفعل التنموي و محاربة القيم السلبية والفساد و اللامبالاة و الإتكالية و الانتظارية و الاعتماد على الغير و عدم تقدير قيمة العمل و الزمن و سيادة القيم الفردية و غياب الدافعية نحو الأداء . إن تناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل فتحنا على إمكانات، وتساؤلات لا متناهية، استطعنا من خلالها الكشف عن أهم الأعطاب والمشاكل التي لازالت تعتري تقييم السياسات العمومية في التجربة المغربية ، ولعل أهم ما يمكن تسجيله هو أن إشراك المجتمع المدني في السياسات العمومية لا زال يعاني من ضعف مأسسة حقيقية في الاشتغال، وضعف أيضا ثقافة المشاركة، هذا فضلا عن نقص واضح في تأهيل الفاعلين للقيام بالمهام التي أنيطت بهم في الدستور الجديد، بالإضافة إلى ضعف مضمون المشاركة في النصوص القانونية المؤطرة لها، وانفتاح الفصول الدستورية على تأويلات متعددة قد تفرغ الديمقراطية التشاركية من مضمونها التشاركي. مما يمكن معه القول أن هذه التجربة لازالت تحتاج إلى المزيد من المأسسة والتقعيد والوضوح القانوني. وعموما يمكن القول أن هذه حضور المجتمع المدني في السياسات العمومية لازال في أول خطواته، ويحتاج إلى مزيد من المأسسة والتفعيل، ومن هنا نطرح عدة أسئلة ونتركها مفتوحة إلى بحث آخر. إلى أي حد يمكن للفاعل الجمعوي أن يضطلع بالأدوار التي حددها الدستور له، في ظل سيطرة الهوياتية داخل العمل الجمعوي وضعف المأسسة والتكوين؟ والى أي حد تؤسس مخرجات الحوارين الوطني والموازي لديمقراطية تشاركية تأسس لمشاركة فعالة للمجتمع المدني في تقييم السياسة العمومية؟ وبأي معنى تتخلى الدولة عن مهامها ومسؤولياتها الاجتماعية والتنموية والاقتصادية لتجعل الفاعل الجمعوي شريكا لها في هذه المجالات؟ إلى أي حد استطاع الفاعل الجمعوي التحرر من أسر السياسي باعتبار الكثير من الجمعيات لا تمثل إلا واجهة لجملة من الأحزاب السياسية؟ هل تؤسس الديمقراطية التشاركية فعلا لهندسة جديدة للسلطة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مناورة من طرف الدولة في ظل هبوب رياح الربيع العربي، لا تلبث أن تفرغها من مضمونها المؤسس لديمقراطية حقيقية؟ والى أي حد أيضا يمتلك الفاعل الجمعوي النفس القوي لإيصال هذه الآلية إلى بر الأمان وربح رهان دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، وتجاوز التقاطب الداخلي بين مكوناته…؟. المراجع : 1 – د عثمان الزياني :المخطط الجماعي للتنمية بين التباسات التخطيط واكراهات سوسيولوجيا الواقع ،مقال بمجلة وجهة نظر ،العدد 60 و61 ،ربيع وصيف 2014 السنة العشرون الصفحة 30 د عثمان الزياني :المخطط الجماعي للتنمية بين التباسات التخطيط واكراهات سوسيولوجيا الواقع ،مقال بمجلة وجهة نظر ،العدد 60 و61 ،ربيع وصيف 2014 السنة العشرون الصفحة 30[1] كثيرا ما يحول هذا المعطى من انجاح الديمقراطية التشاركية ويحول الفاعلين الى جزر متصلة بدون تواصل [2]   بنشريف مولاي محمد فاعل جمعوي وباحث في الديمقراطية التشاركية

À propos Responsable de publication